ذكر اسمها؟ إذاً لن يتزوجها

الأربعاء 31 يناير 201811:39 ص
كنتُ لا أزال بنت 10 سنوات، حين جاءت إحدى بنات عمومتي من الصعيد لتعيش في بيتنا بضعة شهور، إثر خلاف دبَّ بينها وبين والدها. كانت شريفة لـ20 سنة مضت، جميلة يافعة، لكن خافتة ذابلة. كان شعرها الذي يصل طوله إلى مؤخرتها يتساقط إلى جوارنا على الوسادة، ونحن نائمتان. كان وزنها ينقص بانتظام، وهالات عينيها تزداد سواداً كسماء آخر الشهر العربي. كنتُ أسمع، غير مكترثة، حواراتها الدائمة مع أبي، محاولاً التوفيق بينها وبين والدها، ولأنني كنت أتلمس خطى فترة مراهقتي، زاد اهتمامي وشغفي بها حين علمتُ أن الحب هو سبب المشكلة. كان شاباً لا بأس به في معايير السن والدخل والعائلة والسمعة، وما إلى ذلك. وكان من المتوقع أن يقبل به والد شريفة، لولا أنه ذكرها، أي ذكر حبَّه لها وعرف به الناس. سمع الأبُ شبابَ القرية يتحدثون عن الحبيب المتيَّم الذي ينوي خطبة الفتاة الجميلة اليافعة، فأكنَّها الأب في صدره، وحين تقدَّم الشاب للخطبة رُفِض رفضاً قاطعاً، ولم تفلح كل محاولات التدخل من معارف الأب وأقربائه، حتى أنه أسرع بتزويجها من شاب آخر لتموت القصة إلى الأبد.

كُثيِّر عزة

كُثيِّر-عزة يُحكى أن كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود الخُزاعي، أحد شعراء العصر الأموي، هام حباً بفتاة جميلة من بني حاجب تُدعى عزة بنت حُميل بن حفص. انشغل كُثيِّر بحب عزة، ولم يدع منزلاً يُقال فيه الشعر إلا أنشد فيها وفي عشقها. غارت من شعره في عزة النساءُ، وتطلَّع إليها بسببه الرجال. لم يبق أحدٌ ممن يستمعون الشعر آنذاك، إلا وعرف عن هيام كثير بفتاته عزة، رغم أنه كَنَّاها في شعره بأكثر من اسم، حتى لا يُعرف عمَّن يتحدث، لكن الحب كان أفصح، وأفضح. علم أهل عزة بمكنون قلب المُحب المُتيَّم، وبكلامه عنها للقاصي والداني، فغاروا عليها وغضبوا لها، وزوَّجوها ورحلت مع زوجها إلى مصر. كتب فيها كُثير بعد زواجها ونظم أشعاراً تحاكى بها العرب حتى يومنا هذا. وكان البوح بالحب سبباً في ضياع الحبيبة. ومن أشهر ما قال كثيِّر عزة: خليليَّ هذا ربعُ عزةَ فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلَّتِ ومسّا تراباً كان قد مسَّ جلدها وبيتاً وظلاً حيث باتت وظلَّتِ ولا تيأسا أن يمحو اللهُ عنكما ذنوبا@ إذا صلَّيتما حيث صلَّتِ

اتهام بسوء السمعة

لم أرَ تعصباً ولا إصراراً على رفض تزويج فتاة من حبيبها أكثر مما رأيت من والد صديقتي ريهام. والد جامعي، طبيب، بلغ من العمر 60 عاماً، يقصده الكثيرون حين تضيق بهم الدنيا، وتعجزهم الحيل ليستشيروه في أمور الحياة، لكنه عن حل أمور حياته كان أعجز. كانت ريهام تحمل من حسن النية بأبيها ما جعلها تأتيه حين وقعت في الحب، لتخبره بأن هناك من يطلب مقابلته ليحدثه عنها. شابٌ طيب لوالدين طيبين يعملان في أماكن مرموقة. لا يحتكمان على أموال طائلة، لكنهما ميسوران. وقعت صديقتي أسيرة لتحقيقات الأب المكثفة عن أين رآها وكيف تعرَّف إليها، ومنذ متى يلتقيها، وكيف فاتحها في الزواج، وانتهى التحقيق بأن ريهام لن تتزوج البتة! هكذا بدون أسباب: "أنا أبوها ومش هجوِّزها وهدخل بسببها النار. مش هديها لواحد شافها وعشقها وأحط راسنا في الطين بسببها"، كان ذلك ردُّه على كل من يحاول التدخل لصالح ريهام من عقلاء العائلة. لم يكن والدها يمتلك أيَّ منطق، سوى أنه إذا زوَّج ابنته من شاب أحبَّها وصرَّح بعشقه لها، فإن الزواج مجرد "تصحيح غلطة"، وليس بضامن ماذا يظن الناس في ابنته التي يتحدث عنها الشباب أنها معشوقة فلان أو علان. على مدى 4 سنوات ظل الشاب يتقرب إلى والد الفتاة ويخطب ودَّه، ويحاول مجرد محاولة أن يلقاه دون فائدة. وكانت الفتاة تحاول من جانبها إلى أن ضاق أهل الشاب ذرعاً، واستشعروا الإهانة، فضغطوا على ابنهم ليتزوج ويبدأ حياته، التي وقفت على "فتاة ضعيفة لأب مجنون"، على حد قولهم.

ليلى والمجنون

LAYLA لم يكن حظ قيس بن الملوح أحسن من كُثير عزة بحالٍ من الأحوال. أغرم بابنة عمه ليلى بنت مهدي العامرية، حين كانا طفلين يرعيان غنم أهليهما، وحين شبَّا عن الطوق حُجبت عنه ليلى. حينئذ حدَّث الناس عن الحب. وكان حديثاً يؤثر. كان قيس من أحسن الناس شعراً وأطلقهم لساناً، فكتب فيها ما حفظه الناس عن ظهر قلب: وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها فقلتُ إني لا أشاءُ فكيف وحبُّها عَلِقٌ لقلبي كما علقت بأرشية دلاء لها حبٌ تنشَّأ في فؤادي فليس له - وإن زُجرَ - انتهاء وعاذلة تقطعني ملاماً وفي زجر العواذل لي بلاء رفض عمُّ قيس تزويجه ابنته، فذهب إليه والد قيس وقال له إن ابن أخيك على وشك الهلاك أو الجنون، فما كان من والدها إلا أن زاد إصراراً فوق إصرار ورفضاً على رفض. وتزوجت ليلى العامرية رغم حبِّها لابن عمِّها. هام قيس في البلاد والوديان، يحدِّثُ الناس عن ليلى، حتى ذهب عقله أو كاد، وكان يقول: فؤادي بين أضلاعي غريبُ ينادي مَن يحبُّ فلا يجيب أحاط به البلاءُ فكل يومٍ تقارعه الصبابة والنَّحيب لقد جلب البلاءَ عليَّ قلبي فقلبي مذ علمت له جلوب فإن تكن القلوبُ مثالَ قلبي فلا كانت إذًا تلك القلوب يبدو أن هذه العادة المتأصلة في صعيد مصر، عن عدم تزويج الفتاة لمن ذكر حبَّها، هي عادة جاهلية أصيلة، جاهلية صفةً وليس زمناً. فامتدت لما بعد العصر الجاهلي، مروراً بالأموي، ووصولاً إلى العصر الحديث. وما زال الحب جريمة يعاقب عليها المجتمع حتى وإن تطلَّع المحبون للزواج.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard