حين يتّحد المسلمون واليهود

الخميس 5 يناير 201708:14 م
"نحن نؤمن إيماناً عميقاً أن اليهود والمسلمين لا يشتركون في أساسيات الإيمان الديني فقط، ولكنهم يشتركون في المصير ذاته أيضاً"، هكذا عبّر الإمام “شمسي علي” عضو المجلس الاستشاري الإسلامي-اليهودي الذي أنشئ حديثاً في الولايات المتحدة عن الفكرة الأساسية الكامنة وراء هذا الاتحاد غير المسبوق بين ناشطين يهود ومسلمين. في الصيف الماضي، قامت اللجنة الأمريكية اليهودية AJC، وهي من أقدم المنظمات اليهودية التي تدافع عن حقوق اليهود في أمريكا وتدعم إسرائيل وتأسست عام 1906، بالاتصال بجمعيات إسلامية لتعرض عليها فكرة إنشاء هيئة تضم الطرفين وتعمل على مواجهة التحديات المشتركة بينهما. وحسب تصريحات السيد “روبرت سيلفرمان” مدير العلاقات الإسلامية-اليهودية في اللجنة الأمريكية اليهودية، فإن هذه التحديات كانت ماثلة منذ فترة طويلة وتتمثل في تنامي المشاعر السلبية في أمريكا تجاه المجتمعين اليهودي والمسلم هناك. وقد تزايدت هذه المشاعر مع تصاعد الحملة الانتخابية وطرح مواضيع شائكة مثل المهاجرين وربط وجودهم بالإرهاب، وموضوع الهوية المسيحية البيضاء التي ربطها البعض بشعار حملة ترامب في "استعادة عظمة أمريكا". وقد استجاب العديد من الناشطين المسلمين للدعوة وتم بالفعل تشكيل المجلس الاستشاري الإسلامي-اليهودي في إعلان مشترك في نوفمبر الماضي بين اللجنة اليهودية الأمريكية والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية ISNA، في سابقة لم تعهدها الولايات المتحدة من قبل. وقد حدد المجلس في بيانه الأول ثلاث نقاط أساسية ستحكم عمله المستقبلي وهي: إلقاء الضوء على إنجازات اليهود والمسلمين في الولايات المتحدة، والعمل على إنجاز خطة موحدة لمواجهة العنصرية ضد المسلمين واليهود، والعمل على حماية وتوسيع حقوق الأقليات الدينية في أمريكا. ولتحقيق هذه الأهداف تعمل لجنة الصياغة التي انبثقت عن المجلس الاستشاري الإسلامي-اليهودي على وضع مقترحات محددة ستطرحها على الكونغرس في فبراير القادم. هذه المقترحات كما حددها السيد سيلفرمان، تركز على إبقاء باب الهجرة مفتوحاً بدون تمييز بسبب الدين، وتفعيل القوانين التي تعاقب على خطاب الكراهية سواء ضد المسلمين أو اليهود، وحماية حقوق الأقليات الدينية بشكل عام. يصر المؤسسون لهذا المجلس على أنهم ليسوا في صدام مباشر مع إدارة ترامب. ولكنهم يعترفون ضمناً أن تشكيل المجلس، وإن جاء استجابة لمخاوف قديمة، إلا أن الطروحات الانتخابية التي غذتها حملة ترامب كان لها أثر مهم في تسريع إتمام هذا العمل اليهودي-الاسلامي المشترك. يبدو من المثير للاهتمام هنا أن نرى أن اليهود والمسلمين على حد سواء يشتركان في نفس المخاوف من تنامي العداء للسامية والاسلاموفوبيا. فمنذ نشوء إسرائيل والمجتمعات المسلمة واليهودية ترى نفسها على طرفي نقيض بسبب الصراع العربي الاسرائيلي الذي يكتسب بعداً دينياً إضافة إلى البعد القومي. ولكن صعود اليمين المتطرف في الغرب كرد فعل على الإرهاب الديني المتطرف المتمثل بداعش وغيره من التنظيمات التكفيرية بعث كل مشاعر الكراهية القديمة التي ظن الناس في الغرب أنها قد خمدت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويبدو أن مناخ الخوف من الآخر قد تصاعد إلى درجة أنه خلط المخاوف القديمة بالمستحدثة. فبدأنا نرى شعار النازية يرسم في مساكن الطلاب في جامعات أمريكية، أو على جدران المنازل، كما رفع بعض الناشطين من اليمين المتطرف التحية النازية في تجمع لهم مؤخراً في العاصمة واشنطن في مشهد أذهل المراقبين والرأي العام. وفي الوقت ذاته تصاعدت مشاعر الكراهية ضد النساء المحجبات، والمسلمين الأمريكيين وبدأت عبارات الكراهية ضد العرب والمسلمين التي كانت في الماضي أمراً محرماً، تتحول إلى قصص معتادة نقرأها على صفحات الجرائد، وفيديوهات نراها على وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن كيف كان تقبل المنظمات الإسلامية واليهودية في أمريكا لمثل هذه الخطوة؟ تراوحت ردود الفعل بين نعت المشاركين في التحالف من المسلمين بالخونة الذين قبلوا التعاون مع الصهاينة، إلى سحب جوائز ودعوات كانت قد قدمت سابقاً إلى ناشطين مسلمين شاركوا في هذا المجلس. كما أن اللجنة اليهودية استلمت العديد من الرسائل من المجتمع اليهودي تعبر عن القلق من العمل مع منظمات إسلامية لها أجندات تتعارض مع أهداف الناشطين اليهود في أمريكا، وخصوصاً فيما يتعلق بإسرائيل وأمنها ومساعدة الولايات المتحدة لها والعمل على مقاومة أي عمل لمقاطعتها. وتعليقاً على هذا، تقول المحامية والناشطة الإسلامية رابعة تشودري Rabia Chaudry والتي انخرطت في هذا المجلس الاستشاري "إننا لا نستطيع اليوم أن نبقى رهائن لقناعاتنا السياسية فيما يخص الشؤون الدولية". وهي هنا تشير بشكل واضح إلى النزاع العربي-الإسرائيلي. وتقول إن هناك مخاوف جدية في الداخل الأمريكي بسبب التعيينات التي بدأها ترامب في إدارته المقبلة والتي تضم أشخاصاً عرفوا بمواقفهم السلبية من اليهود والمسلمين على حد سواء. وتضيف "إنه لخطأ فادح أن نظن أن بإمكاننا أن نحمي حقوق من هم في الخارج في الوقت الذي تتآكل فيه حقوقنا ويتم تهديد أمننا داخل الولايات المتحدة". إن نظرة على المؤسسين لهذا المجلس تبين أن الطيف السياسي يشمل جمهوريين وديمقراطيين إضافة لزعماء دينيين وناشطين مدنيين من المسلمين واليهود. وهذا يعطينا فكرة عن جدية المخاوف التي يشعر بها كل هؤلاء بسبب تنامي مشاعر العنصرية في أمريكا. مما جعلهم ينحون جانباً أية خلافات حول السياسة الخارجية والنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي المزمن لمصلحة أمور هي أشد إلحاحاً في المستقبل القريب. ويقول السيد ”روبرت سيلفرمان” رداً على أسئلة رصيف22 إن الانتخابات الأمريكية كان لها أثر في تسليط الضوء على التعاون الإسلامي-اليهودي في المجالات التي تجمع الطرفين. ولكن هذا التعاون هو إستراتيجية سابقة للانتخابات وليست نتيجة لها. كما أضاف أن هناك أعضاء عرباً في المجلس من أصول فلسطينية، وعراقية، وسودانية، وأن المجلس يهدف للتعاون بين اليهود والمسلمين فيما يخص شؤونهم المحلية داخل أمريكا وليس في نيته التوسع للتعامل مع قضايا سياسية شائكة مثل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي أو الوضع في سوريا. وحين سئل عن الرسالة التي يود توجيهها للشعوب العربية قال: "رسالتنا هي أن ما هو مشترك بيننا أكثر بكثير من الاختلافات. إن هذا المجلس يبين أنه يمكننا أن نحترم الاختلافات فيما بيننا في الوقت الذي نعمل فيه معاً على قضايا غاية في الأهمية. وإذا استطعنا أن نحقق نتائج ملموسة في الولايات المتحدة، وهو هدفنا الوحيد، فإنه يمكننا يوماً ما مساعدة إخوتنا وأخواتنا عبر المحيطات".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard