بين نقل السفارة ووقف الاستيطان: ترامب يغدق إسرائيلياً ويهدّد الأمم المتحدة

الجمعة 13 يناير 201707:45 م
"أتريدون انتفاضة ثالثة؟ حسناً نفذوا قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس". يأتي السؤال وجوابه تعليقاً على مضيّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مخططه بنقل السفارة، في فكرة اعتبرها كثر مرعبة للولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط. في البداية عيّن ترامب المحامي ديفيد فريدمان سفيراً للإدارة في إسرائيل، والأخير لمن لا يعرفه ليس معادياً للعرب فحسب، بل هو معاد لكل من يخالفه الرأي من اليهود، حتى أنه اتهم جماعة "جي ستريت" اليسارية اليهودية بأنها تعاونت مع النازيين. بعد ذلك، يأتي تمسك ترامب بفكرة نقل السفارة، ليؤكد على خطر انقلابه على السياسة التقليدية الأميركية، "في واحدة من تعهداته الأكثر إثارة للخوف والقلق"، بحسب ما جاء في وصف مجلة "فورين بوليسي".

وإلى جانب قضيتي السفير والسفارة، انعكست حالة الشدّ والجذب بين الإدارة الأميركية الحالية والأخرى القادمة في أواخر يناير بوضوح على ضوء قرار مجلس الأمن الجديد حول وقف الاستيطان. مشروع القرار الذي كانت تقدمت به مصر لوقف الاستيطان في الأراضي المحتلة، ثم سحبته نهائياً بشكل مثير للجدل، عاد وطرح للنقاش مع دعم كل من السنغال وفنزويلا وماليزيا ونيوزيلندا، وأقرّ  بموافقة 14 دولة. بطبيعة الحال ضغطت إسرائيل لسحب القرار، وأعلنت رفضها له بعد إقراره. لكن اللافت كان ترحيب الإدارة الحالية برئاسة أوباما بالقرار، بينما هدّد ترامب قائلاً في تغريدة على تويتر إن "بالنسبة للأمم المتحدة، ستختلف الأمور بعد 20 يناير". وكان ترامب حثّ الإدارة الأميركية على استخدام حق النقض (الفيتو) ضدّ مشروع القرار.

https://twitter.com/realDonaldTrump/status/812390964740427776

"السفارة" من كلينتون إلى بوش، فترامب

أما في ما يتعلق بمخطط النقل، فهو ليس جديداً في الواقع. منذ تبني الكونغرس، في العام 1995، قراراً بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وعد كل من بيل كلينتون وجورج دبليو بوش بحصول ذلك بمجرّد تنصيبهما، ولم يحصل. في المقابل، دأب الرؤساء على توقيع قرارات كل 6 أشهر من أجل تأجيل النقل، وهذا كان الحال مع باراك أوباما الذي اعتبر في ذلك "حماية للمصالح القومية للولايات المتحدة". لكن ترامب يبدو أقل ميلاً ممن سبقه إلى التراجع عن فكرته. تقول المجلة إن ذلك سيكون "خطأ قاتلاً، ليس فقط للفلسطينيين ولكن لسمعة أميركا ودبلوماسيتها، كما للأمن القومي الإسرائيلي". وكشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ما دار في الاجتماع المغلق بين مايكل فلين، الذي كان قد اختاره ترامب لمنصب مستشار الأمن، ورئيس "الموساد" يوسي كوهين، حيث نقل الأول رسالة مفادها أن "ترامب جاد في نقل السفارة إلى القدس". كما نقلت صحيفة "فاينانشال تايمز" عن المستشارة البارزة لترامب كيلي-آن كونوي ما قالته عن أن السفارة في القدس تُعد "أولوية كبرى" للرئيس الأميركي المقبل، معلقة بأنه "كان واضحاً في حملته الانتخابية" حول ذلك، كما حول اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل.
"أتريدون انتفاضة ثالثة؟ حسناً نفذوا قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس"
مجلس الأمن يتبنى قراراً بوقف الاستيطان.. اسرائيل ليست الوحيدة التي فقدت صوابها، بل معها ترامب الذي يهدد الأمم المتحدة
بدورها، أفادت القناة العبرية الثانية عن وصول فريق من مساعدي ترامب إلى مدينة القدس، للبحث عن الموقع الذي ستنقل إليه السفارة بالتعاون مع مسؤولين إسرائيليين. وبحسب القناة، وقع الخيار على فندق "ديبلومات" في البداية، لكن اتضح بعد لقاء مع ممثلي وزارة الاستيعاب والهجرة أنه مشغول من مؤسسة ترعى مسنين، لغاية العام 2020، ما دفع الفريق للبحث عن بدائل أخرى.

لا سفارات في القدس

يُنظر لخطوة ترامب، إن تحققت، باعتبارها ستجهز على ما تبقى من صورة للولايات المتحدة كراع التسوية، كما تعدّ انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وللأعراف الدبلوماسيّة المعتمدة. عقب القرار الإسرائيلي بضم "القدس الشرقية" في العام 1980، نقلت معظم الدول سفاراتها من القدس الغربية إلى تل أبيب رغم إقرارها بأن الشطر الغربي من المدينة أراض إسرائيلية، في وقت أبقت بعض الدول قنصلياتها في القدس الشرقية لخدمة الفلسطينيين المتبقين. وتشترط السفارات الأجنبية حتى تعيد مقارها إلى الشق الغربي، اعتراف إسرائيل بأن القدس الشرقية ليست جزءاً منها، إنما جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة. بينما يتجه ترامب لليمين المتطرف في إسرائيل، يصعب التنبؤ بردّ فعل الفلسطينيين على الأمر، لا سيما وأن القدس هي القضية الأكثر حساسية بين طرفي الصراع، كما ظهر الأمر في الانتفاضة الثانية وفي محطات أخرى. الانتقال قد يجهض الآمال بأن تكون القدس عاصمة لدولة فلسطين المستقبليّة كما يراها الفلسطينيون، وهذا قد يوّلد ردة فعل عنيفة، قد تكون عفويّة أو منظّمة. يُذكر أن المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية توقفت في العام 2014، بعد رفض إسرائيل وقف الاستيطان والإفراج عن المعتقلين القدامى والالتزام بحل الدولتين على أساس حدود العام 1967. وحذر المسؤول في ملف المفاوضات من الجانب الفلسطيني صائب عريقات من أن خطوة نقل السفارة "ستكون تدميراً لعمليّة السلام".  في وقت نقلت "فاينانشال تايمز" عن السياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي قوله إنه "صدم" من القرار، مضيفاً "لو اتخذت الولايات المتحدة هذا القرار، فإنها لن تقوم بانتهاك القانون الدولي فقط، لكنها تخرق أيضاً المبدأ الدولي، الذي حظي باحترام الجميع، وينص على عدم ضم دولة أراضي دولة أخرى بالقوة". أما بالنسبة للعرب، فقد حذرت "فورين بوليسي" من أن الخطوة ستؤثر على "مكتسبات إسرائيل الدبلوماسية"، فـ"رمزية" الانتقال تهدد الرمزية الدينية والثقافية التي تحظى بها القدس لدى العرب. وبالتالي ستجد كل من السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة نفسها مجبرة على اتخاذ موقف صريح ومتشدّد، بينما ستحظى الدول الأخرى بدفع إضافي في العداء لإسرائيل بسبب الحجة الدامغة التي تعطيها السفارة بشأن التهويد التام للقدس.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard