أساليب الخطاب الديني: من صراخ الشيخ كشك إلى هدوء السلفيين

الأربعاء 31 مايو 201705:59 م
"يا ملائكتي، أخرجوا من النار كل عين بكت من خشية الله… جمود العين من قسوة القلب... وقسوة القلب من كثرة الذنوب... وكثرة الذنوب من نسيان الموت... ونسيان الموت من طول الأمل.. وطول الأمل من شدة الحرص... وشدة الحرص من حب الدنيا... وحب الدنيا رأس كل خطيئة..." هذه الكلمات التي تطالب بلا مواربة، وبصوت يزعق باعثًا في المستمع إحساسًا بذنب ما، بالإدبار عن الدنيا والسعي وراء البكاء، هي مقدمة خطبة للراحل عبد الحميد كشك، عنوانها "كفى حزنًا".

كِشْك هو كبيرهم الذي علمهم الصراخ

من دون الدخول في تفاصيل أسباب رواج الخطاب "الكشكي" بين المصريين لفترة طويلة، فإن الأزاهرة الذين هم أئمة الأوقاف، وبسبب هذا الرواج، اندفع كثير منهم إلى تقليد هذا المنهاج: مقدمة نارية بصوت عال، يجد المصلي نفسه مداناً بسببها من زاوية ما، بينما يواصل الصوت العالي سوق الأدلة لإثبات المثبت ونفي المنفي.
ولسبب ما، سياسي بالتأكيد، فتح الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، الباب على مصراعيه أمام المد الوهابي، فدخل إلى مصر محملاً بخطاب أكثر حرصاً على صحة "النقل" من آيات وأحاديث، غير أنه لم يخرج من دائرة الموضوعات التي امتهنها كشك وآخرون، ليزداد الوضع زخماً في الشكل، وفراغاً في المضمون. لم يكن الأمر مجرد خطبة في يوم جمعة تليها ركعتان وينفض الحضور، فسوق "الكاسيت" انتبهت إلى هذا الشغف بالخطباء الذائعي الصيت، خاصة أن الوارد من الخليج لم يكن يلبي طلبات الجماهير الشعبية، ولسد هذه الفجوة، كانت هناك حاجة إلى عقلية تجارية دينية، استطاع أن يملأها شاب قادم من إحدى قرى المنصورة، عاصمة الدقهلية.

محمد حسَّان، كثير من الاستعراض ولا داعي للمعنى

في العام 1975، أمسك جد بيد حفيده ذي الثلاثة عشر عاماً، الحافظ للقرآن وأحاديث رياض الصالحين. اتجه الجد إلى مسجد دموه، وهناك أصعد الحفيد محمد إبراهيم إبراهيم حسان إلى المنبر، وهكذا أثار إعجاب المصلين بكثرة ما يحفظ من أشعار تخدم موضوع خطبته: "الموت". كان سهلاً على الشاب الذي لم يترك المنبر منذ ذلك الحين، أن يتفوق دراسياً لقدرته على الحفظ ويدخل جامعة القاهرة، وكلية الإعلام تحديداً. اكتملت الحلقة الناقصة في سوق الخطابة، فبدأ وقد انفتح المجال في الثمانينات أمام التيار الديني، يلقي خطبه الرنانة ذات اللغة السليمة، والموشاة بالآيات والأحاديث والأشعار، ولم يكن ينقصه إلا الأسلوب الجديد المغاير للأداء "الكشكي" الذي حرم السادات الناس منه باعتقال صاحبه. في هذه الأثناء كان هناك خطيب أزهري كهل ينتمي إلى الدلتا أيضاً، وتحديداً قرية "القرين" بمحافظة الشرقية، تلقى تعليمه في كلية الدراسات الإسلامية والعربية وتتلمذ على يد الشيخ محمد الغزالي، واستطاع أن يختار لنفسه أسلوباً مغايراً في الخطابة. إنه "إسماعيل الحميدي" الذي أسس لوناً خطابياً كان سيُسَمّى باسمه، لولا أن حسان - الذي عرف قواعد اللعبة مبكراً - اقتبس منه هذا الأسلوب واجتذب به أنظار الناس إليه.
&t=582s وبدا أن حسان، بعقليته الإعلامية، كان يعرف بالضبط ما يفعله، فلم يكتف بسرقة أسلوب الحميدي في الخطابة، بل كان حريصاً على حجب الأضواء عن ضحيته حتى لا يدخل في دائرة الحرج، وهو ما يظهر في قصة رواها الدكتور محمد الباز، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، في كتابه "الإسلامجي".
أساليب الدعاة، من الصراخ والانفعال على طريقة الشيخ كشك إلى الأسلوب "المودرن" لعمرو خالد
دعاة "مودرن"، تكفيروين ظرفاء وشيوخ يقدمون مسلسلات تلفزيونية... هكذا تطور أسلوب الدعوة الدينية
ومفاد القصة أن الباز نشر في جريدة "الدستور" المصرية موضوعاً بعنوان "جنة حسان" ينتقد فيه خطبة سمعها صدفة بينما كان في طريق سفر، وسأل عن صاحبها ليقول له السائق إنه محمد حسان، غير أن زملاء الباز عندما رأوا الموضوع أوضحوا له أن الخطبة التي يتحدث عنها إنما هي لإسماعيل الحميدي. ولم يشعر الباز طويلاً بالحرج، لأن حسان أرسل له في اليوم التالي رداً على الانتقاد مع صورة شخصية لنشرها في الجريدة. ويحكي الباز أن المستشار الإعلامي للشيخ أكد له بعدها بسنوات طويلة أن حسان كان يعرف أنها خطبة الحميدي، لكنه أراد أن يكون محط الأنظار، اعتماداً على تشابه الأسلوب بين الرجلين.
وإمعاناً في الركوب على ضحيته، حتى بعد وفاته، كتب حسان مقدمة لكتاب كان الحميدي قد أعده، بعنوان "خواطر الإيمان في فهم اﻷركان"، والغريب أن مدير صفحة الخطيب الراحل على موقع فيسبوك، نشر صوراً لهذه المقدمة بخط يد حسان، محتفياً بها. وكما استغل حسان قلة الإمكانات الإعلامية قديماً في التفرد بالظهور على الساحة، أجاد أيضاً استغلال تطور هذه الإمكانات عندما أتيح له أن يمتلك قناة فضائية من بابها، هي قناة "الرحمة"، حيث اجتذب فيها من الأشباه ما أمكن، ليظل النجم الأوحد في شاشته الخاصة، لدرجة أنه - وهو العارف باللعبة - أتاح الفرصة لأحد مقلديه، بل أشباهه في الملامح والبنية الجسدية، ليلقي على الناس دروساً بنفس أسلوبه الفارغ من المضمون، والمعتمد على الاستعراضات اللغوية التي تصاحبها لغة جسد أصبحت "ثيمة" معروفة عن حسان لدى كل متابعيه.

السلفية الإسكندرية: النقل بهدوء

شاشات الفضائيات الدينية، ومن قبلها سوق الكاسيت، أدركت أن جمهور الخطب، شأن أي جمهور، يمل التكرار، كما أن الذائقة تختلف من متدين إلى آخر، فعمدت إلى تقديم توليفة من الأداءات تضمن لها أعلى المستهدفات التسويقية، فإن كان مقلدو كشك وحسان لا يزالون على هديهما ولا يخرج من أمامهم المتفرج أو المستمع بجديد، فهناك من يقدمون المواد بطريقة قريبة من "الأكاديمية"، كونهم لا يفعلون إلا رص الآيات والأحاديث واجتهادات الفقهاء كما هي، بغية تلخيص ما لا يسع العوام الإحاطة به بحثاً. فبصوت رخيم وقور، عمد مؤسسو الدعوة السلفية بالإسكندرية إلى تقديم ما لديهم من "دروس" بالهدوء ذاته على المنبر وأمام الشاشات، ولولا اختلاف بصمة الصوت لظن من يسمع محمد إسماعيل المقدم أنه يسمع ياسر برهامي أو أحمد فريد أو أحمد النقيب، وما يزيد هذا الإحساس هو المنهج الموحد الذي يتبعونه جميعاً في تقديم المحتوى "العلمي" الذي لا يحتاج إلى انفعال كما يعتقدون.
وعلى الرغم من هذا التطابق بين رواد "الدعوة السلفية الإسكندرية"، في المنهج والأسلوب، يظل محمد إسماعيل المقدم هو الأبرز بينهم، على مستوى الدعوة الدينية، بينما نال رفيقه ياسر برهامي الشهرة من خلال السياسة.

الدعاة "المودرن": الدين في القلب والمنبر موضة قديمة

هذا الأسلوب، وإن كان يجذب الباحثين عن الهدوء، فإن أكاديميته لا تصلح للأغراض التجارية، ومن ثم كانت الضالة في الجمع بين الهدوء والمادة "اللايت" معاً، وهو ما أقدم عليه قاطعاً خطوات واسعة وسريعة، الداعية الشاب - وقت انطلاقته عام 2000 - عمرو خالد، الذي لم يكد يقضي أكثر من سنتين داخل مساجد الأحياء والأندية الراقية، حتى غمر سوق الدعوة بكتيبات وملصقات و"شرائط كاسيت"، لتتلقفه قناة "اقرأ" في العام 2005 ليقدم برنامجاً، في سابقة بين كل الدعاة المصريين غير الرسميين، أوصلته لاحقاً، في العام 2007 بالتحديد، إلى دخول قائمة مجلة "تايم" الأميركية لأكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم.
لم يكن الجديد في إطلالة عمرو خالد لغته العامية فقط، ولا حتى مادته المتلخصة في عبارة "ربك رب قلوب"، التي يناصبها الدعاة التقليديون العداء، فالتجديد طال مظهره. شاب "مودرن"، حليق اللحية، يرتدي حلة أنيقة، يبتسم كثيراً... كان تركيبة لا تشبه الدعاة الآخرين في شيء، وربما لذلك لم يجد مكاناً له على المنابر التي يحتلونها، فكان التلفزيون هو الحل، وبخاصة بعدما كثرت الفضائيات. الفضائيات تتنافس، وهناك "عمرو خالد" واحد، وهو منفي، فكان الحل في "شبيه" يأتي بالفائدة التجارية، وكانت قناة "المحور" هي السباقة، فأتاحت في العام 2008 مساحة لشاب لديه المواصفات نفسها، هو معز مسعود، الذي لم يتوقف عن تطوير هذا النموذج حتى وصلت به الحال عام 2013 إلى تقديم برنامج يشبه المسلسل الدرامي، بعنوان "خطوات الشيطان".
لم يتوقف أشباه عمرو خالد ومعز مسعود عن التناسخ، منذ ازدياد القنوات الفضائية واحتكارها تقريباً لنوافذ الدعوة، ومن أشهر هؤلاء مصطفى حسني، الذي بدأ حياته "مندوب مبيعات" مشتركاً مع النموذج الأصلي عمرو خالد في التخرج في كلية "التجارة". بالتوازي مع ذلك، انتبه إمبراطور الدعوة القديم "محمد حسان" إلى هذا النموذج، وبينما لم يكن باستطاعته أن يغير من أدائه العتيق بأكثر من محاولة التحدث بالعامية على استحياء، وجد الحل في تقديم آخرين بالهيئة السلفية على أن يكونوا قادرين على الاحتفاظ بالابتسامة لأطول فترة ممكنة، مع تقديم خطاب مادته الأساسية "الرقائق"، فأعاد اكتشاف الداعية الذي كان يوماً ما من منافسيه في "سوق الكاسيت" محمد حسين يعقوب، لكنه بالطبع لم يكتف به، فحشد عدداً من هؤلاء الذين يستطيعون الجمع بين ابتسام الشفتين وتقطيب الجبين تأثراً، مثل أمين الأنصاري، وأيمن صيدح. غير أن إمبراطوراً آخر كان الأول في مجال "الإعلام الديني"، إذ أطلق قناة "الناس" في العام 2006، لم تفته هذه التفصيلة، فبينما خرج من قناته حسان ساحباً معه يعقوب وآخرين إلى قناة الرحمة، فرَدَ المليونير "عاطف عبد الرشيد"، وهو صاحب قناة "البركة" أيضاً، مساحة يومية واسعة على "الناس" للداعية "محمود المصري" الذي كان أبرز المطابقين للمواصفات، لقدرته الإضافية على التحول من الابتسام إلى الضحك، ومن ثم اجتذاب عدد أكبر من الشباب والأطفال والسيدات.

تكفيريون ولكن ظرفاء

وعلى ذكر "الضحك"، فلم يكن أحد ليتغلب على واحد من أقدم الدعاة المعاصرين، وأشدهم إثارة للجدل لاعتماده الدائم على السخرية في تعليقه على الأحداث السياسية والاجتماعية، بلهجته العامية الـ"سكندرية"، عدا كونه من أرباب الدعوة بـ"البذلة والكرافات" منذ سبعينات القرن الماضي. هو وجدي غنيم، الذي صال وجال على قناة "الناس" أيضاً، لكن تطرقه الدائم للسياسة أفقده الأصدقاء قبل الخصوم سريعاً، فانتهت به الحال إلى الهروب ملاحقاً بتهم الإرهاب، من مصر إلى ماليزيا، حيث اكتفى ببث مقاطع فيديو قصيرة، يعلق فيها على الأحداث السياسية، بمزيج مثير للعجب من الكوميديا والخطاب التكفيري. الخطاب الذي دخل المعتقل بسببه 8 مرات، والذي تلقاه وجهاً لوجه من أول الخيط عبد الحميد كشك.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard