لماذا قال قاتل السفير الروسي في تركيا: "نحن الذين بايعوا محمداً..."؟

الخميس 1 يونيو 201710:24 م
لم يكن أندريه كارلوف، سفير روسيا في أنقرة، حين كان يقف متحدثاً عن تقارب الروس والأتراك، في معرض فني بعنوان "روسيا بعيون أتراك"، يعرف أنه على موعد مع موت بطريقة حملت صبغة الثأر لآخرين ربما لا يعرفهم لا هو ولا القاتل. على بعد مترين فقط منه، وقف مولود آلطنطاش. أطلق رصاصاته في ظهره ثم صرخ بعربية غاضبة: "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً".

تجذّر في عمق التاريخ

ورث مسلمو العالم تاريخاً غاضباً وأدبيات ثائرة خضع لها في وقت من الأوقات ما يقارب ثلث العالم. سطرت تلك الأدبيات تاريخاً طويلاً من المعارك والصراعات لم تهدأ بعد حتى الآن. فما زالت تؤلب القلوب وتحرّك السواعد. وكان أول من استخدم الجملة التي ردّدها الضابط التركي هم صحابة نبي المسلمين. فحين كان معشر المهاجرين والأنصار (المهاجرون هم مَن هاجروا مع النبي من مكة إلى يثرب، والأنصار هم ساكنو يثرب الذين آمنوا بنبوة محمد) يحفرون خندقاً، استعداداً لمواجهة مناهضي رسالة الإسلام ولصدّ غزوتهم المرتقبة ومنعهم من اقتحام يثرب، كانوا يتغنون بهذ الجملة ليحفّزوا أنفسهم على العمل.

البخاري فصّل القصة

وفي كتاب "صحيح البخاري"، في باب: "التحريض على القتال وقوله تعالى حرض المؤمنين على القتال"، نقرأ: عن أنسٍ (هو أنس بن مالك، صحابي عرّف بأنه يعمل خادماً أو ربما المعنى الأقرب للواقع مساعداً لنبي المسلمين): فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة (الوقت من طلوع الفجر وشروق الشمس) باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع (يقصد نبي المسلمين) قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً.

استدعاء الماضي للثأر في الحاضر

وفي العصر الحديث، استدعت التنظيمات الإسلامية سيرة نبي المسلمين وصحابته واستخلصت عِبَراً وجملاً تغنت بها وأسقطتها على واقع اليوم كنوعٍ من التحفيز. ففي أواخر القرن الماضي، ظهرت "أناشيد" متأسلمة دعت إلى الجهاد ضد ما بقي من القوى الاستعمارية سواء في الشيشان أو جنوب لبنان أو فلسطين وأخيراً في العراق ثم سوريا. واستخدمت هذه التنظيمات عبارات الجهاد والمبايعة والاستشهاد والبارود، وغيرها من عبارات تليق بالمقام العسكري لتحفيز الهمم القتالية. بل وتغنى بهذه العبارات أطفال تربّوا على الفكرة الجهادية، حتى تأصلت تلك الأدبيات في عقيدة أجيال كاملة تأهبت للصعود كلما كان هناك مجال لذلك. https://youtu.be/7rdDsVQXJY4 وفي تلك المرحلة التاريخية، قام أحد منظري التنظيمات الإسلامية بكتابة أرجوزة شعرية (الأرجوزة: قصيدة على وزن بحر الرجز، وهو بحر سهل في استخدامه) يكمل مقولة الأنصار والمهاجرين "نحن الذين بايعوا محمداً"، لتتأصل كلماتها في عقيدة جيل بعد جيل. وتقول الأرجوزة الشعرية: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهـاد ما بقينا أبدا نحن الذين بايعوه على الهدى نحن دعاة الله أبطال الفدا إنا إذا ما شئت مصباح الهدى أو إننا نار على كل العدا بالحق قمنا رافعين صوتنا وحاملين في الورى دستورنا لا نرهب الدنيا ولا نخشى الفنا وهل يهاب الناس مَن يهوى الردا سلوا الدماء في السهول والربا كم من طغاة لم ننلها مأربا فينا رجال لا يهابوا مرهبا لما الندا في العالمين لهم صدا لله نحيا أو نمت في حبه ولنقف إثر المصطفى وصحبه فكل شيء قد غدا في جنبه شيء يسير من لدن رب الهدى https://youtu.be/2hQ78DDHrPQ وبعد كل هذا يُفهم كيف ردد شرطي شاب جملة تاريخية وهو يصوّب فوهة مسدسة ليغتال ديبلوماسياً، ظناً منه أنها معركة عقائدية بين قوى المسلمين وقوى المشركين تمتد من قرون سحيقة إلى حاضرنا، إلى قلب متحف الفنون في مدينة أنقرة العلمانية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard