لماذا لا يمكن أن تشكّل الدول الإسلامية تحالفاً مشتركاً؟

الأربعاء 31 مايو 201705:26 م
مسار طويل من التحالفات الفاشلة بين الدول الإسلامية والعربية، خلدت صفحات التاريخ بعضه، بينما طوى النسيان البعض الآخر. وأحدث تلك المحاولات كان التحالف الإسلامي العسكري الذي كشفت عنه السعودية في الخامس عشر من ديسمبر الماضي. ولكنه "وُلد ميتاً" حسب وصف معظم الخبراء والمحللين الذين اتفقوا حول أسباب فشل أي تحالف مستقبلي بين الدول الإسلامية، مشيرين إلى عدد من نماذج التحالفات الفاشلة خلال العقود الأخيرة.

أسباب كثيرة للفشل

عدّد الكاتب والباحث الليبي عز الدين عقيل أسباب فشل التحالفات بين الدول الإسلامية والعربية، ولخصها لرصيف22 كما يلي: أولاً، "تفعيل التحالفات العسكرية يحتاج إلى إرادة حرة، وهي ما لا تملكه الدول الإسلامية، إذ تخضع لهيمنة الدول الكبرى، التي لها مواقف من كل القضايا الدولية، ما سيدفعها إلى مطالبة الدول التي تؤثر بها برفض المشاركة بهذه العملية أو تلك، الأمر الذي يصيب التحالف بالتصدع الدائم وفقدان الفعل الجماعي". ثانياً، "استمرار الصراعات على المصالح الاقتصادية أو الزعامية، مثلما هو الحال في الصراع بين المغرب والجزائر، والجزائر ومصر، والسعودية ومصر، فضلاً عن تحول قيادات الأقطار الإسلامية إلى رفض الاعتراف بالتعاون مع الآخر على أساس ديني أو مذهبي، مثل التحالف الخليجي السني الذي تخالفه سلطنة عمان بامتلاك علاقات مميزة مع طهران". ثالثاً، "براغماتية الدول الإسلامية والعربية، فهي تعرف أن المصالح تحكم العالم. وهذا التفكير دفعها إلى التعامل مع الأنظمة السياسية المختلفة وفقاً للقيم العلمانية للسياسة الدولية، باعتبارها القيم الأفضل والأكثر أماناً وحماية للمصالح وتقريب وجهات النظر تجاه القضايا المختلفة، خاصة أن معظم الدول وجدت في التعامل القيمي العلماني السبيل الأفضل لمواجهة التباينات المثيرة للخلافات التي تظهر كلما تدخلت الثقافة الدينية في صياغة العلاقات الدولية". رابعاً، "عدد من الدول الإسلامية، بينها مصر - وقد يكون هذا هو العصب الرئيس لفشل التحالف العسكري الإسلامي - اكتشف أن هدف التحالف المطلوب ليس حماية كل أعضائه وتوفير استقرارهم، بل تحويل جيوش الدول الأضعف اقتصادياً إلى شركات قتالية تعمل لصالح دول النفط".

امتداد للفشل

وأكد هاني سليمان، كبير الباحثين في المركز العربي للبحوث والدراسات، أن التحالف الإسلامي بقيادة السعودية يعد نموذجاً وامتداداً لفشل التحالفات الإسلامية، "فمنذ البداية لم يكن له أي أطر واضحة أو أهداف محددة، وضم عدداً كبيراً من الدول الإسلامية، منها دول ليس لها ثقل سياسي وكان انضمامها لمجرد كونها في عداد. أعضاء الهيئات الإسلامية، مثل جزر القمر وجيبوتي وغيرهما". وأضاف لرصيف22 أن "السعودية استهدفت من خلال التحالف تحسين صورتها دولياً في ظل الأزمات التي تمر بها مثل النزاع القائم في اليمن أو موقفها من الصراع السوري، وهي قضايا لم تحقق فيها المملكة نجاحات تذكر. فكان التحالف منذ البداية هشاً وشكلياً، ويخلو من الأطر والأهداف الواضحة". واعتبر سليمان أن هذا التحالف تم التعامل معه عالمياً كتحالف سني مذهبي أو طائفي في مواجهة القوى الشيعية، إذ استثنى بعض الدول الإسلامية والعربية المحسوبة على المحور الشيعي مثل العراق وسوريا ولبنان، وكذلك أذربيجان. فقد كان “هاجس التمدد الإيراني في المنطقة هو المحرك الرئيس للسعودية لتشكيل مثل هذا التحالف دون دراسة جادة للأوضاع الإقليمية، ما كلفها المزيد من الأعباء المادية والسياسية". وأشار إلى "أن عدم الحصول على توافق تام بين دول التحالف، مثل تراجع باكستان في موقفها، واختلاف مصر مع المملكة إزاء النزاع اليمني والموقف في سوريا، أفقد التحالف أهميته وثقله".

ما هي البدائل؟

وأوضح سليمان أن السعودية حالياً تعمل على البحث عن بدائل عسكرية واستراتيجية عن التحالف العسكري الذي لم يُكتب له النجاح، وذلك عبر التقارب مع تركيا وقطر والبحث عن تأسيس حلف إقليمي أكثر اتساعاً يتوافق مع السياسات الخارجية للمملكة، وذلك بالتوازي مع تحالف آخر في ضوء التشكل يضم مصر وإيران والعراق ولبنان وسوريا.

نماذج فاشلة

وعدّد السفير أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لرصيف22 نماذج عن التحالفات الفاشلة بين الدول الإسلامية والعربية. وقال إن "هناك تحالفات كثيرة فشلت عبر التاريخ العربي والإسلامي الحديث، مثل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والقوات العربية المشتركة التي اقترحتها مصر، وحدث بشأنها انقساماً عربياً، وعارضها بعض الدول مثل الجزائر ودول المغرب العربي التي اعتبرتها مقترحاً للتدخل في الشؤون الداخلية، واتخذت عمان موقفاً محايداً منها، وأيدتها دول أخرى، إلا أنه عندما ارتقت الفكرة إلى حيز التنفيذ، وقع الخلاف على قيادة هذه القوات، إذ طالبت السعودية بالقيادة في حين طالبت مصر بذلك أيضاً، ما أدى إلى فشل الفكرة". وعن جدوى التحالف الإسلامي الذي أعلنت عنه السعودية، قال: "علينا أن نتخيل مثلاً أن إندونيسيا تتحالف مع السنغال عسكرياً من أجل شن عملية عسكرية. ضد من ستكون العملية؟ لا توجد أهداف أو مخاطر أو مصالح مشتركة بين معظم دول التحالف". وتساءل: "كيف ستتم محاربة الإرهاب، ومعظمه من عناصر إسلامية، بل هناك بعض الدول الإسلامية والعربية التي تموله وتشجعه؟".

عدم توافر المقوّمات

كما شدد السفير في تصريحه على عدم توافر أي عناصر أو مقومات لنجاح تحالفات بين الدول الإسلامية، قائلاً "لن نشهد تحالفاً عسكرياً ناجحاً بين الدول الإسلامية، فلماذا قد ترسل دولة باكستان الإسلامية مثلاً، التي تشارك ضمن تحالف عسكري مع الولايات المتحدة ودول غربية، قواتها للحرب في الشرق الأوسط في ظل تباعد المصالح المشتركة وكثرة التحالفات الإقليمية الحاكمة للدول الإسلامية والكيانات السياسية، مثل الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومجموعة الآسيان ومجموعة دول عدم الانحياز وغيرهم، فكل منها يضم عدداً من الدول الإسلامية، إلا أن لكل كيان أهدافاً مختلفة وقد تكون متعارضة أحياناً". ولإيضاح فكرة استحالة التحالف بين الدول الإسلامية، قال سليمان: "يكفي أن نتطرق إلى جامعة الدول العربية لنتعرّف على الخلافات التي تعيق ولادة أي تحالف جاد بين الدول الإسلامية في الوقت الراهن. لا يوجد توافق تام بين النخبة السياسية والحاكمة لهذه الدول إزاء القضية الفلسطينية والصراع السوري والحرب على الإرهاب، فضلاً عن النزاعات البينية لحكومات هذه الدول وتقديم المصالح الشخصية والداخلية على القضايا القومية العربية والإسلامية". وبرأيه، هذه الخلافات "تعيق الوصول إلى قرارات موحدة جادة، فعلى سبيل المثال أصبحت جامعة الدول العربية عندما يُطرح عليها ملف أزمة مثل ليبيا أو الملف السوري تحيله إلى مجلس الأمن، وكأنها تعلن عدم مسؤوليتها عن هذه القضايا". واستنتج أن "أي تحالف عسكري أو اقتصادي بين الدول الإسلامية في ظل هذه المعوقات والتباعد بين الرؤى السياسية سيكون محكوماً عليه بالفشل في أي حال من الأحوال".

سبل إنجاح التحالفات مستقبلاً

أوصى الباحث التاريخي سامح عسكر، في إحدى مقالاته، بتوفير ستة عوامل لتمهيد طريق النجاح أمام أية تحالفات إسلامية عسكرية مستقبلاً، تمثلت في إعلان المواجهة الفكرية بتصفية جذور داعش وتيارات الإسلام السياسي، عبر لجان ثقافية ودينية مشتركة؛ والإعلان عن بروتوكول أولي يجمع دول التحالف ضمن جهاز أمني؛ وتحديد قائمة (موحدة) للمنظمات الإرهابية؛ وإشراك دول شيعية في التحالف ليصدق عليه الوصف الإسلامي، إذ إن اقتصار أعضاء التحالف على الدول التي تتبع المذهب السني يحوله إلى تحالف طائفي بامتياز لمواجهة الشيعة. واستطرد عسكر في سرد هذه العوامل، مضيفاً إليها ضرورة عدم ضم أي دولة يقل التجمع الإسلامي بها عن نحو 70 بالمئة، وتوفير خطة اقتصادية لدعم الدول الأعضاء ورفع كفاءة أجهزتها الأمنية، وإعداد لائحة تمنع أعضاء التحالف من التعاون أو التعامل مع أي منظمة متفق على أنها إرهابية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard