السعوديون يخلعون ثوب الإسراف ليرتدوا زيّ التقشف

الخميس 3 نوفمبر 201605:13 م
لم تُبقِ الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد خياراً آخر لعبد الله الحربي، وهو شاب سعودي يعمل في مجال التسويق، سوى تأجيل خططه لشراء سيارة جديدة عبر نظام التقسيط، إذ تعاظمت مخاوفه من التسرع في الشراء، في ظل المصاعب المالية التي تمر بها الشركة التي يعمل فيها، نظراً للانخفاض الحاد في مبيعاتها. ففي حال لجأت الشركة إلى تسريح موظفيها، سيكون من العسير الالتزام بسداد أقساط سيارته الجديدة. انخفضت أسعار النفط مطلع هذا العام، والقطاع الخاص في السعودية بات يئن من الألم، بسبب حالة الانكماش التي ضربت السوق السعودية. فالجميع يترقب ما ستسفر عنه تداعيات انخفاض أسعار النفط. والمخاوف من نقص السيولة، دفعت التجار والمستهلكين إلى الإمساك بجيوبهم، والزهد عن ملذاتهم في الشراء، انتظاراً للضوء الآتي من أقصى النفق. بلغة الأرقام الاقتصادية، واصلت الموجودات الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي انخفاضها خلال شهر سبتمبر الماضي، لتتراجع نحو 1% مقارنة مع الشهر الذي سبق، أي نحو 27 مليار ريال. وبلغت قيمة الموجودات الأجنبية في سبتمبر الماضي 2.05 تريليون ريال، مقارنة بـ2.07 تريليون ريال في الشهر السابق، ومقابل 2.42 تريليون ريال في سبتمبر 2015. أما إجمالي الموجودات، فبلغ نهاية سبتمبر الماضي 2.165 تريليون ريال، مقارنة بـ2.169 تريليون ريال في أغسطس الماضي، أي تراجع نحو 4 مليارات ريال مقابل 2.500 تريليون ريال في أغسطس 2015. وبحسب بيانات "ساما"، تراجع إقراض المصارف بنسبة طفيفة، بقيمة بلغت 2 مليار ريال، في شهر سبتمبر. أما إقراض المصارف للحكومة فارتفع بنحو 4 مليارات ريال، إلى 173 مليار ريال، مقارنة بـ169 مليار ريال في الشهر السابق. تلك التطورات الاقتصادية المؤلمة، أدت إلى تخفيض راتب الوزير بنسبة 20%، وتخفيض المكافأة والإعانة السنوية لعضو مجلس الشورى 15%، وتحميل الوزير المستحقات المترتبة على تأمين الهواتف الثابتة والمتنقلة المخصصة له من الدولة، وإيقاف تأمين السيارات لكبار مسؤولي الدولة إلى نهاية السنة المالية. الكثير من تلك الوقائع الاقتصادية، التي تثقل كاهل السعوديين من وقت لآخر، أجبرتهم على عدم الاندفاع إلى السفر إلى الخارج لقضاء إجازة سنوية، أو السفر إلى دول تستنزف ما في جيوبهم. ودفعت آخرين إلى التريث في شراء منزل جديد، والبعض الآخر فضل الزهد بما عنده، فدخل المستهلكون في سبات عميق. ويؤكد عبد الله الحربي لرصيف22 أن زمن الاستهلاك قد ولّى، وحان موعد الإمساك ولو قليلاً، معبراً في الوقت عينه عن أمله في عودة الأوضاع الاقتصادية إلى ما كانت عليه في السابق، خصوصاً أن الحكومة السعودية لديها ما يكفي من الأوراق الاقتصادية للخروج من النفق المظلم.

لا للإسراف ونعم للتقشف الذكي

يقول أحمد شريف، سعودي يعمل في الموارد البشرية: بعدما اعتدت سنوياً السفر إلى الخارج، تركيا، ماليزيا، دبي... أجد نفسي هذا العام مجبراً على المكوث في جدة، نتيجة اضطراب الأحوال المادية. إذ تنوي الشركة التي أعمل فيها تسريح جزء كبير من موظفيها، وأخشى أن أكون من بينهم". ويضيف: "لا أعلم ماذا تخبئ لنا الأيام المقبلة، لكن يتوجب علي عدم الاندفاع في الإنفاق، والتريث حتى تنجلي تلك الغمامة".
زمن الاستهلاك قد ولّى في السعودية، وحان موعد الإمساك ولو قليلاً
وليد شاكر، شاب سعودي آخر يعمل في مجال تسويق المعدات الطبية، لديه رأي مختلف. يقول لرصيف22: "قد تجد نفسك مجبراً على الابتعاد عن مصاريف السفر، لكن أسعار السلع في السعودية تشهد انخفاضاً هي الأخرى، فالتجار مجبرون على مسايرة أوضاع الناس". ويضيف: "حتى الآن لا أنوي الزهد المطلق عن شراء حاجياتي أنا وأسرتي الصغيرة. بحلول عطلة الأسبوع، نذهب جميعاً إلى الأسواق للتبضع، ولكن قد نضطر الابتعاد قليلاً عن الدخول في المشتريات ذات الكلفة المرتفعة، كشراء أثاث جديد مثلاً أو شراء سيارة جديدة، لا أدري مدة استمرار تلك الأزمة الاقتصادية، ولكن التقشف الجزئي لمدة عام أو عامين، لا ضرر منه". ويتفق معه سعيد عطا الله، الذي يعمل في أحد المصارف السعودية في جدة. ويؤكد لرصيف22 أن الإسراف في هذه المرحلة يعد أمراً غير مبرر، لأن الأموال المنفقة في شراء منتجات كمالية أمر جنوني. فالعديد من السعوديين يعملون في شركات تضررت من تداعيات انخفاض أسعار النفط، التي قد تنعكس على اتخاذ إجراءات سيئة للحد من خسائرها، وهي في نهاية الأمر مؤسسات ربحية". وأوضح عطالله: "الجميع شاهد كيف كانت النهاية المؤسفة للعاملين في شركتي بن لادن وسعودي أوجيه، وهما من الشركات الرائدة في السعودية، والجميع يخشى من أن تطاله تلك العاقبة في الشركة التي يعمل فيها. كعدم استلام الراتب الشهري لشهرين أو أكثر، أو التسريح الجماعي للموظفين، إلا أن هذه الظروف تعد فرصة أخرى لتحسين الأمور المعيشية. إذ قمت بالانتقال إلى شقة مكونة من أربع غرف، إيجارها لا يتعدى 7 آلاف دولار سنوياً، بعدما كنت مضطراً لدفع قيمة إيجار سنوي يصل إلى أكثر من 10 آلاف دولار". ويشير إلى أن العديد من ملاك المباني السكنية وجدوا أنفسهم مضطرين لخفض أسعار إيجارات شققهم، بعدما أخليت من قاطنيها بسبب ارتفاع أسعارها في الفترات السابقة.

انخفاض الطلب + ارتفاع العرض = انخفاض الأسعار

عادت من جديد هذه المعادلة الاقتصادية، التي غابت عن السوق السعودية لأكثر من عقد ونصف العقد. فعزوف المستهلكين عن التبضع بتلك المعدلات التي راجت في الأعوام الأخيرة، أجبرت التجار على التنازل عن كبريائهم. وها هم الآن يعلنون من حين لآخر عن تنزيلات في الأسعار، تكاد تلامس الـ50%، إضافة إلى تراجع أسعار الإيجار السكني وأسعار السيارات. تلك كانت الأخبار السارة التي حملتها الأزمة الاقتصادية. وفي وقت سابق، تنبأ رئيس جمعية حماية المستهلك سلميان السماحي بانخفاض أسعار السلع الاستهلاكية خلال الشهرين المقبلين، بنسبة 40 إلى 50%، نتيجة ارتفاع وعي المستهلك الذي سيجبر التاجر على خفض الأسعار. وطالب الحكومة بإجبار التجار على خفض أسعار بضائعهم بالقوة، إذا لم يوافقوا على تخفيضها، وحثّ المواطنين والمقيمين على مساعدة الدولة في خفض تضخم الأسعار، بالامتناع عن شراء السلع التي لا يحتاجون إليها، ومقاطعة البضائع التي ترتفع أسعارها. وأوضح السماحي أن الأزمة المالية العالمية وترشيد رواتب موظفي الدولة والمميزات التي يتمتعون بها، سينعكس إيجابياً على زيادة وعي المستهلك السعودي. مؤكداً أن زيادة هذا الوعي سيضطر التجار لخفض الأسعار. وفي السياق نفسه، يؤكد الدكتور عبد الرحمن القحطاني، أمين عام جمعية حماية المستهلك، أنه لا يوجد مبرر الآن لاستمرار رفع الأسعار. وتدعو جمعية حماية المستهلك وزارة التجارة لضبط الأسعار في السوق، لا سيما في مثل هذه الظروف، مضيفاً لرصيف22: "الجمعية لمست انخفاضاً في أسعار الأرز، وكان ذلك نتيجة للرقابة المستمرة على الأسعار، إلا أن الجمعية تدعو عموم المستهلكين للتكاتف بمقاطعة التجار لثنيهم عن رفع أسعار منتجاتهم" لكن تبقى اسعار المنتجات في السوق عرضةً للاسعار العالمية كون أكثر هذه المنتجات مستورد.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard