قطاع غزة كان من أهم مصدري الورد إلى أوروبا

الاثنين 18 يوليو 201603:42 م

"نحب الورد كثيراً لكننا نحب الخبز أكثر"، لسان حال مزارعي الورد في قطاع غزة، وقد بات رصيد تصديرهم للورد هذا العام صفراً، بعد توقف دعم الحكومة الهولندية للقطاع الذي يعد سفير غزة إلى أوروبا.

المزارع مازن حجازي، 33 سنة، توقف كلياً هذا الموسم عن زراعة الورد واستبدلها بالخضر. يقول: "أجبرت على ذلك حتى لا أخسر"، مضيفاً "17 سنة وأنا أزرع الورد، بمشاركة أشقائي، لم أتركه بسهولة، لولا أن تسويقه دولياً أصبح سيئاً". كان يعمل لدى مازن نحو 40 عاملاً، يتقاضى كل منهم شهرياً 1200 شيكل، أو ما يعادل 280$ في دفيئات الورد، إلا أنه استغنى عن 20 منهم، وانتقل الباقون إلى زراعة الخضروات، فهي، على حد قوله، لا تحتاج إلى عمّال كثر. بدوره، يملك حمدان حجازي 60 دونماً كان يزرعها وروداً، في رفح جنوب قطاع غزة، إلا أنه زرع نحو 59 دونماً منها خضراً هذا العام، وأبقى على دونم واحد من الورود للتسويق في السوق المحلية.يقول: "كنت أزرع 60 دونماً من القرنفل، تكلفة الدونم 5000$، رعايةً وأجوراً، كانت أرباحي تراوح بين 35 و 40 ألف شيكل سنوياً، أو ما يعادل 9000$، إلا أنني وجميع المزارعين مُنينا بخسارة كبيرة جراء تراجع أسعار البورصة وتوقف دعم الهولنديين لنا". كان يعمل لحمدان 40 عاملاً، يعيلون أسراً فقيرة، وقد استغنى عن غالبيتهم، واستبقى 8 لمساعدته في زراعة الخضر كالطماطم والفلفل الحلو والشمام والباذنجان. يقول: "تسويق الورد أفضل بالنسبة لي برغم تكاليفه المرتفعة مقارنة بالخضر. إلّا إنني في كل عام أخسر، لذا ما أجنيه من الخضر يكفي لسد حاجات أسرتي والأرض وأجور العمال". برغم بُعد حمدان عن الورد، ظل متعلقاً بزراعته، إذ لا يزال يملك حساباً في البورصة العالمية يتابع عبره أسعار الورود، لعله يوماَ ما يستعيد عافية الزراعة التي أحبها وتعلق بها. يقول إنه من خلال متابعاته لبورصة الورود كان الورد الغزاوي يحصل على المرتبة الأولى في الجودة إذ "كانت الوردة الواحدة تباع بـ30 سنتاً، بينما الأوروبية بـ15". لكن في السنوات الأخيرة "انخفض سعر الورد، وتلا الانخفاض إغلاق المعابر ووقف الدعم الهولندي، وهذا ما أثر على جدوى زراعته". ويضيف "أبقيت على دونم واحد لزراعة الورد، ولكن أملي في أن يتحسن الوضع فأعود لزراعة الورد الذي اعشق، فأنا على استعداد لاستئناف هذه الزراعة حتى لو خارج غزة، وبمواصفات عالية الجودة".

القطاع أهم مصدري الورد لأوروبا

كان قطاع غزة قبل العام 2007 أهم مصدّري الورود لأوروبا، لأن طقسه ونوعية تربته وأراضيه الساحلية مناسبة لزراعة الورود. لكن الحال تغير بعد ذلك العام الذي فرضت إسرائيل فيه حصاراً على صادرات القطاع كافة.

كان الغزيون يهتمون بزراعة الورد في حدائقهم المنزلية، وعرفت زراعة الزهور لأغراض التجارة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، واتسع نطاقها في العام 1998؛ إذ وصلت إلى أكثر من 100 مشروع على مساحة نحو 1200 دونم، معظمها في بيت لاهيا في أقصى الشمال، وكذلك في رفح أقصى الجنوب. لكن المساحة تقلّصت لاحقاً إلى 180 دونماً، فيما يزرع اليوم عدد قليل من الدونمات وهو موجه للسوق المحلي الذي يستوعب سنوياً حوالي نصف مليون زهرة. يقول تحسين السقا، مسؤول ملف الاستيراد والتصدير في وزارة الزراعة الفلسطينية، إن رصيد تصدير الورد من غزة إلى أوروبا هذا العام بلغ صفراً، عازياً ذلك إلى الحصار والإغلاق وتوقف دعم الحكومة الهولندية لمزارعي الورد في غزة، فضلاً عن انخفاض أسعار البورصة، وهو ما كبد المزارعين خسائر فادحة خلال السنوات الثلاث الماضية. يشير السقا إلى أنه قبل العام 2007 كانت صادرات قطاع غزة من الورد تصل إلى 40-50 مليون زهرة سنوياً، قيمتها 8 ملايين دولار، تشكل ما نسبته 20% من إجمالي صادرات القطاع الزراعي إلى الضفة الغربية وإسرائيل وأوروبا. ويضيف "في سنوات الحصار على غزة (2007-2010) توقف تصدير الورد، بسبب إغلاق المعابر، واضطر عدد كبير من المزارعين إلى تجربة زراعات أخرى. لكن في العام 2011 سمحت إسرائيل بتصدير ورد غزة إلى أوروبا مجدداً، وذلك بضغط من الأوروبيين. فصدّر القطاع إلى أوروبا 10 ملايين زهرة، وساهم في ذلك دعم قدمته الحكومة الهولندية بنسبة 60% للمزارع الفلسطيني كي يعود إلى زراعة الورد، التي تعثرت بسبب الحصار ووقف التصدير. استمر الدعم 3 سنوات، إلا أنه توقف.  فوق ذلك، جاء انخفاض أسعار البورصة ليزيد الطين بلة". ويلفت السقا إلى أن عودة زراعة الورد إلى غزة، عما قريب، مرتبط بفتح المعابر وتوفير تمويل من جهات مانحة تدعم المزارعين الفلسطينيين وتقف إلى جانبهم.

يزرع برغم الخسائر

تعلّق المزارع الشاب محمد حجازي، 28 سنة، بزراعة الورد منذ طفولته، جعله يزرع دونمين من القرنفل الأشهر في غزة، وذلك برغم خسارته خلال السنوات الماضية. يقول محمد "أحب الورد كثيراً، ارتبطت به مذ كان عمري 11 سنة، ولا أجيد زراعة أنواع أخرى".

دأب محمد على سقي مزروعاته وقطف وروده بمفرده في دفيئته الزراعية برفح جنوب قطاع غزة. يقول "اشتاق إلى أجواء موسم القطف، كنا نقضي يومنا كله ونحن نحضّر الورد للتصدير، بمقاسات مختلفة مع عشرات العمال". يضيف "بقية الدونمات تحولت إلى زراعة الخضر للسوق المحلية الفلسطينية. برغم خسارتي التي أسدد ديونها حتى الآن، قررت زراعة هذين الدونمين بالورد". يتابع، ممسكاً ضمة من الورود الحمراء والبيضاء: "حياتي بين الورود لا استغني عنها، أحبها كثيراً، أربيها كما لو أنها أحد أطفالي، وأهديها إلى أصدقائي في مناسباتهم السعيدة، كعيد الحب وعيد الأم وفي الأعراس". السوق الفلسطينية المحلية التي يعول عليها محمد في تسويق وروده، تعاني من الحصار وسوء الأوضاع المعيشية وعدم صرف رواتب الموظفين في القطاع الحكومي، لذا فالإقبال على شراء الورود ضعيف جداً، ويقتصر على مناسبات موسمية. إذ حال سكان غزة كحال مزارعي الورود "نحب الورد، ولكن نحتاج إلى الخبز أكثر".

نشر الموضوع على الموقع في 15.02.2015

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard