"ملحمة الحرافيش" الرواية التي قدمت الكثير للسينما المصرية

الثلاثاء 30 أغسطس 201608:41 م
لا شيء يسعد الروائي مقدار ما يسعده تحويل نصه الأدبي عملاً سينمائياً أو درامياً. لأنه بذلك يضمن وصول صنيعه الفني إلى شريحة عريضة من الجمهور. والسينما المصرية زاخرة بالأعمال المقتبسة من روايات، غير أن رواية "ملحمة الحرافيش" للكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ كان لها نصيب الأسد، إذ تحولت تسعة أعمال تلفزيونية وسينمائية وإذاعية. تدور أحداث الرواية في عشر حكايات عن "عاشور الناجي" ونسله، وعن السلطة وإغراءاتها، والإنسان ونزاعاته. إنها رواية استحقت عن جدارة أن تكون ملحمة، نستعرضها هنا من خلال الأعمال الفنية التي نُقلت عنها.

السيرة ترافقها أشعار جاهين وألحان مكاوي...

كانت الإذاعة المصرية أول من نقلت رواية "ملحمة الحرافيش" حين قدمت مسلسلاً إذاعياً بعنوان الرواية نفسه. لم تحتفظ الإذاعة بالاسم فقط، بل حرصت على تقديم الحكايات العشر كما وردت في الكتاب. ولعل ما فعله "فراج اسماعيل" لم يتعدّ الإعداد، فقد اكتفى بتحويل النص للعامية كي ينقل الحكاية سمعياً مع بعض الأغاني التي توثق تلك المرحلة. أما أشعار صلاح جاهين التي كانت تتخلل الأحداث، فأضافت أبعاداً أخرى للحكاية الأم، ناهيك بألحان سيد مكاوي، ليكتمل مثلث الإبداع محفوظ/ جاهين/ مكاوي، وتقدم الإذاعة سيرة شعبية جديدة للمجتمع العربي والمصري.

قصة عاشور الناجي في دراما تلفزيونية

عام 2002، عُرض مسلسل "السيرة العاشورية" على التلفزيون المصري للمرة الأولى، وقد أخرجه وائل عبد الله، وقام بدور "عاشور الناجي" الفنان نور الشريف. المسلسل من "إعداد" محسن زايد، الذي كان أيضاً كاتب السيناريو والحوار، ولعل ذلك يعود إلى الطابع السينمائي الذي تتسم به الرواية، ففصولها مشهدية تماماً ومكتظة بالحوارات، كأنها معالجة درامية. وهي من الأعمال التي كتبها محفوظ بعد احترافه كتابة السيناريو لأعوام، وقد يقف ذلك وراء ما حققته الرواية من نجاح سينمائياً. الجزء الأول من السيرة يتضمن سيرة "عاشور الناجي" أصل الحكاية. فعاشور هو الأسطورة الذي جاء من المجهول، وصدّق الحلم فنجا، واستسلم للإغواء فدفع الثمن، واستغل قوته في قهر الظلم ومناصرة الحرافيش، حتى عم الاستقرار، فرحل نحو المجهول مجدداً ليكون نموذجاً.

شمس الدين والصراع مع الزمن

حكاية "شمس الدين" هي الحكاية الثانية في الرواية، وتجسدت تلك الشخصية في الجزء الثاني من مسلسل "السيرة العاشورية"، الذي عرض عام 2005. قام بأداء الشخصية هشام سليم، وكتب السيناريو والحوار محسن زايد، وظلت إلهام شاهين محتفظة بدور فلة. وتولى الإخراج خالد بهجت، الذي التزم خط الجزء الأول نفسه، وإن كانت شخصية "شمس الدين الناجي"، التي رسمها نجيب محفوظ في روايته أكثر تعقيداً وعمقاً مما قدمه المسلسل، الذي انهمك بالأحداث السطحية، وغفل تماماً أبعاد الشخصية الرئيسية. شمس الدين هو الابن الوحيد لعاشور الناجي، وقد تمكن من استرداد عرش والده، وراح ينهج نهجه، إلا أن ماضي والدته "فلة" ظل يطارده.

"الحب والقضبان" في فيلم سينمائي

"الحب والقضبان" هي الحكاية الثالثة من حكايات ملحمة الحرافيش، وقد تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1986 عنوانه “الحرافيش"، بطولة محمود ياسين وليلى علوي، وإخراج حسام الدين مصطفى، وسيناريو وحوار أحمد صالح. تدور أحداث الفيلم حول "سليمان الناجي" ابن شمس الدين الناجي، الذي ورث الفتوة وحب الناس والعدل، فاستمر في مهنة العائلة كسائق كارو، ورضي بحياته البسيطة. غير أن ظهور سنية في حياته، وهي ابنة أحد الأعيان، قلب الأمور. سنية جميلة بعكس زوجته فتحية، فيقرر أن يتزوجها، وتتبدل حياته وقيمه بعد النعيم الذي يغرق فيه، ليبدأ عهداً جديداً من الفساد.

الحكاية الرابعة: المطارد

أما الحكاية الرابعة "المطارد"، فقد جاءت في فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه، بطولة نور الشريف وسهير رمزي، وأخرجه سمير سيف، وكتب السيناريو والحوار أحمد صالح، وعُرض للمرة الأولى عام 1985. تدور الحكاية حول "سماحة الناجي"، وقد انتقل بنا محفوظ في تلك الحكاية تحديداً من الطامعين بالسلطة إلى الطامعين بحياة بسيطة وآمنة. فسماحة رغم أنه من نسل "عاشور الناجي"، لم يتردد في التودد للفتوة الجديدة عله ينال رضاه. ولكن المعلم على علم مسبق بحب سماحة السري لمهلبية ابنة كودية الزار، فيطلب منه أن يخطبها له. يدرك سماحة ورطته فيقرر الهرب مع مهلبية. غير أن أتباع الفتوة يلاحقونه ويقتلون الفتاة ويتهمونه بقتلها.

شهد الملكة: للجمال سلطته أيضاً

في السنة التي عُرض فيها فيلم "المطارد" عام 1985، كانت نادية الجندي تعرض فيلمها "شهد الملكة"، وهي الحكاية السادسة من رواية ملحمة الحرافيش. شاركها في الفيلم فريد شوقي وحسين فهمي وسعيد صالح. والسيناريو كتبه مصطفى محرم، والإخراج تولّاه حسام الدين مصطفى. تدور الأحداث حول زهيرة البنت الجميلة المتمردة، التي تنتسب لآل الناجي. ويلعب بها الطموح فتأسر قلب الفتوة ومأمور المركز والفسخاني والخباز، حتى تموت مقتولة على يد زوجها الثاني محمد الفسخاني.
رواية "ملحمة الحرافيش" للكبير نجيب محفوظ كان لها نصيب الأسد في السينما المصرية...

جلال: التحالف مع الشيطان من أجل الخلود

الحكاية السابعة من حكايات الرواية، قدمها المخرج أحمد ياسين في فيلم "أصدقاء الشيطان"، بطولة نور الشريف ومديحة كامل. تروي قصة جلال، وهو ابن زهيرة من زوجها الأول عبده الفران. تعلق الولد بأمه وشاهد مقتلها، وعانى من معايرة الناس له بسبب سمعتها، فتحصن منهم بأخلاقه الحميدة، وانصرف عن الفتوة إلى حب قمر. غير أن الموت نال من قمر قبيل الزفاف، فسقط هو في أزمة وجودية دفعته لضرب الفتوة، وسلب سلطته وإعادتها إلى نسل الناجي من جديد. لكن جلال راح يفرض الضرائب ويبطش بالحرافيش، وأسرف في الملذات والعلاقات النسائية، وكانت زينات هي المفضلة لديه. غير أن الموت يسلبه الراحة، فيعزم على الانتصار على الموت متحالفاً مع الشيطان، ولكنه يموت مقتولاً على يدي زينات.

سارق النغمة: مفهوم الثورة عند محفوظ وبدرخان

"فتح الباب" نموذج آخر للسعي إلى السلطة لتحقيق العدالة المنشودة، وهو صاحب الحكاية التاسعة. وقد أعدّ علي بدرخان تلك الحكاية بشكل مختلف قليلاً عما ورد في الرواية، إذ استعان بشخصية "سليمان الناجي"، وصنع منها نموذجاً لصعود الدكتادور الذي تخلى عن عمله، وفضل أن يجمع المال الوفير لنفسه، ولو على حساب الحرافيش. في المقابل، نرى "فتح الباب" الهزيل والمناضل الذي كان يصدق الأحلام وفكر في لمّ الحرافيش كي يكوّن جبهة لمقاومة الطغيان. فتكاتفوا على الفتوة وقتلوه رجماً ليبدأ عهد جديد. تلك المعالجة قدمها علي بدرخان بمشاركة الكاتب مصطفى محرم لفيلم "الجوع" عام 1988. والفيلم من بطولة سعاد حسني ومحمود عبد العزيز وعبد العزيز مخيون. أما في الحكاية الأصلية، فلم يكن الجوع كافياً لدى محفوظ حتى تنجح الثورة. فالثورة لا بد من قوة تحميها. لذا، ظل فتح الباب محبوساً إجبارياً في بيته، ثم اغتالوه ليقضوا على حركته تماماً.

التوت والنبوت: العودة للعهد الأول

الرواية تسير في دائرة مغلقة، تبدأ بعهد عاشور، عهد العدل وإعلاء قيمة الحرافيش، لتنغلق في النهاية على عاشور بن "حليمة البركة"، التي هي من نسل عاشور، غير أنها تنتسب إلى أفقر فرع في العائلة، ولها ثلاثة أولاد يعيشون تحت وصاية حسونة السبع، الفتوة الظالم الذي لا يتوقف عن فرض الضرائب. وبسبب ضيق الحال، اضطر ضياء أن يعمل حَمّاراً، وأن تبيع الأم الترمس للسكارى، بينما يختفي فائز بشكل غامض ثم يعود محملاً بالمال الوافر ليذكرنا بالنعيم الذي عاش فيه عاشور قديماً. لكن فائز ينتحر، فتكتشف الأسرة أن ابنها سارق ومحتال، وتضيع الأموال ويُجبر عاشور على طلاق عزيزة التي يحبها. غير أن عاشور لم ينهزم، فيشحذ همم الحرافيش ليشكلوا قوة ضخمة تطيح الفتوة ورجاله. ويرفض عاشور الفتونة، ويطلب من الحرافيش أن يكونوا أسياد أنفسهم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard