العرب ينعشون اقتصاد تركيا رغم الأزمات

الأحد 28 أغسطس 201607:33 ص
تستقطب تركيا رجال الأعمال من كل مكان، وفق سياسة جديدة واضحة، تحاول من خلالها الدولة التركية أن تدعم اقتصادها وتنمّيه بشكل متسارع، ولو على حساب الملف الأمني الداخلي. يظهر ذلك من خلال فتح العلاقات الاقتصادية مع عشرات الدول، خلال النصف الأول من السنة الجارية، إذ كان للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه السابق أحمد داوود أوغلو، جولات عديدة في دول مختلفة، تهدف لفتح علاقات اقتصادية وتوقيع عقود بين شركات تركية وأجنبية لدعم المنتجات التركية. الجمال العمراني لتركيا والمناطق السياحية المتنوعة في مناخها، والأماكن التراثية والآثار، التي تعود لآلاف السنين، إضافةً إلى نمو اقتصاد الدولة، ودخول شركاتها الكبرى إلى السوق التجاري العالمي، ومنافسة المنتج التركي للمنتجات الأجنبية، بقلة الكلفة وجودة المنتج، هذه كلّها عوامل جعلت من تركيا الدولة المقصد التي أخذت حيزاً كبيراً من الاهتمام لدى السياح ورجال الأعمال الأجانب.

الجامعات التركية تستقبل العرب والأجانب

يوجد في تركيا أكثر من 160 جامعة حكومية، تفتح أبوابها كل عام لاستقبال الطلبة الأجانب بشروط سهلة، وتقدم لهم المنح بشكل دوري. إذ يُقدّم للطلاب غير الأتراك، وتحديداً السوريين عدد كبير من المنح التي تسمح لهم باستكمال دراستهم، أو الاختيار من اختصاصات متنوّعة. يضاف إلى ذلك، تنسيق بعض البرامج التعليمية باللّغة العربية داخل تركيا، كي لا يخسر الطلاب السنة الدراسية ريثما يتعلمون اللغة التركية. وعلى الرغم من حاجز اللّغة، فإن التنوع واضح في جنسيات وخلفيات الطلاب في الجامعات التركية، في السنوات القليلة الماضية. ومن التجارب الطلابية التي تجمع بين شابتين، رانيا عيتاني (مها) من لبنان، واستيفانيا سييرا (صوفيا) من المكسيك، تدرسان التخصص نفسه (راديو وتلفزيون) في إسطنبول. كان الـ web series أو المسلسل الرقمي "My Single Married Friend، يهدف إلى تقريب العوالم المختلفة بين الناس في مناطق متباعدة، لاكتشاف أن الثقافات متقاربة عملياً، على الرغم من بعدها الجغرافي. تضع السلسلة البطلتين في مواقف كوميدية، محاولتين التأقلم في مجتمعاتهما، متخطتين حواجز التصنيفات.

العرب مصدر دخل إضافي للبلاد

أثناء التجول في شوارع إسطنبول ضمن الأحياء التي تشهد نشاطاً تجارياً، يمكن للمشاهد أن يتعرف على أكثر مجالات العمل التي يتقنها العرب في تركيا، هي النشاطات في مجال السياحة، فهناك آلاف المكاتب السياحية التي تعمل كوسيلة ربط بين المجموعات العربية، التي تأتي إلى تركيا والمناطق السياحية المتنوعة فيها. في المقابل، معروف عن تركيا أنها دولة صناعية ومصدر رئيسي للعديد من الدول العربية، في مجال استيراد الآلات الصناعية والغذائيات. فالجزائر تعتمد في مجال استيراد الآلات الصناعية على الأسواق التركية، التي تقدم منتجاً عالي الجودة نسبياً وأرخص من المنتج الألماني. كما هناك مشاريع تجارية افتتحها العرب مثل المطاعم التي تقدم الوجبات العربية المعروفة، والمكاتب الطلابية التي تؤمن القبول الجامعي للطلبة العرب، ومكاتب السياحة والسفر، ومكاتب الاستيراد والتصدير والاستثمار العقاري، الذي نهض بسوق العقارات بشكل ملحوظ. فضلاً عن المعامل التي يمتلكها رجال أعمال عرب، والمنتشرة في معظم الولايات التركية.
المصالح الاقتصادية قبل أي شيء... لذا يدعم غالبية العرب المقيمين في تركيا أردوغان
بنظرة سريعة، ينظر قسم من الأتراك، خصوصاً الذين ينتمون إلى فئات عمرية أكبر، إلى العرب على أنهم الخونة الذين تواطأوا مع فرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الأولى، لإخراج العثمانيين من الدول العربية. و"لا تزال هذه النبرة العدائية في نفوس العديد من المدنيين الأتراك"، كما قال المواطن التركي المقيم في إقليم هاتاي، عصمان يردوغان. ما سبق حصوله في تركيا يجعل هؤلاء مسلّمين تماماً بأن العرب عموماً، والسوريين خصوصاً، أدخلوا الفوضى إلى تركيا، وهم سبب كل حادثة تقع فيها، بحسب رأي يردوغان. ويضيف: "لكن حزب التنمية والعدالة خفف من وطأة هذا الأمر، عن طريق تشجيعه للأتراك على احتواء العرب، وإقناعهم بأن أي مصدر دخل اقتصادي يدخل للبلاد هو أمر إيجابي لها". ويشير إلى أن عائدات السياحة مستقرة، وإذا ربطنا ذلك بالهجمات الإرهابية التي حدثت في ولايات تركية عديدة، فإن ذلك يؤكد أن العرب ليسوا مصدرين للإرهاب في تركيا، ولو كان كذلك لرأيت اليوم حملات شعبية تنادي بطردهم من البلاد.

اللغة التركية ضرورة ملحة

أصبح تعلم اللغة التركية بالنسبة للعرب ضرورة ملحة، خصوصاً أن قلة من الشعب التركي، يتعلمون لغة أخرى غير لغتهم، ما يشكل صعوبة في التواصل بين المواطن التركي والزائر العربي. ساعدت هذه المشكلة في طرح فكرة مشروع نفذه عرب في تركيا، هي معاهد اللغات، التي تحرص على تعليم اللغة التركية قواعد ومحادثة. وتحضر يومياً آلاف الدروس التعليمية، لإتقان الزائر العربي للغة التركية. ونجح كثير من العرب في تركيا في تعلم اللغة التركية، خصوصاً لهجة إسطنبول، المفهومة لدى الأتراك في جميع الولايات الأخرى. كذلك اعتمد الشباب على تطبيق ترجملي لتسهيل عملية التعلم. لكن ما يثير قلق أصحاب مئات المعاهد التعليمية للغة التركية، هو أنهم يعملون من دون ترخيص من الحكومة، ما يجعلهم مهددين في أي لحظة بالإغلاق. ويقول مهند الحمود، أحد الشبان السوريين المقيمين في قيصري: "من مصلحة الأتراك أن يتعلم الأجانب لغتهم، ولو كان الأمر بطريقة غير قانونية أو تخالف ما نصت عليه القرارات الإدارية التركية، التي توجب على الأجنبي أن يرخص لمشروعه قبل البدء بالعمل به". ويضيف: "إن كانت المشاريع الاقتصادية التي تعود للعرب في تركيا تدعم اقتصاد الدولة المضيفة، فمِن الأولى ترك المعاهد التدريسية تعمل. فهي تقدم خدمتين: تعميم اللغة التركية لدى الأجانب، ودعم اقتصاد الدولة".

الانقلاب وموقف عرب تركيا منه

حافظ قسم كبير من العرب على الحياد وعدم المشاركة في طرح الآراء ووجهات النظر، بعد حادثة الانقلاب التي باءت بالفشل. والسبب خوفهم على مستقبل مشاريعهم الاقتصادية والمشاريع الأخرى في تركيا، بينما لجأ قسم آخر إلى دعم الحكومة بشكل واضح وصريح، عن طريق إقامة الندوات، والمشاركة في التظاهرات الشعبية، والتنديد بمحاولة الانقلاب الفاشلة. يبدو أن جميع العرب في تركيا كانوا ضد فقدان تركيا للاستقرار الذي كانت تنعم به. فهي تُشعرهم بالطمأنينة لتطوير مصالحهم الاقتصادية ومشاريعهم من جهة، واعتبارها مسكناً قريباً من بلدانهم الأم من جهة ثانية. ويقول محمد الأحمد، وهو أحد الشبان السوريين المتابعين لتطورات الأحداث في تركيا: "الجميع وقف إلى جانب الحكومة ضد الانقلاب، بمن فيهم العرب في تركيا، والسبب يكمن في الحفاظ على الاستقرار الذي يضمن سريان مصالحهم في البلاد". ويشير إلى أن السوريين كانوا أكثر الأجانب العرب، الذين وقفوا إلى جانب الحكومة التركية، عبر الخروج في التظاهرات الشعبية التي تندد بالانقلاب وتدعم الديمقراطية والشرعية. مؤكداً: "أن الانقلاب أثار الذعر والخوف لدى العرب بشكل عام والسوريين بشكل خاص، لا سيما أن هناك نحو 3 ملايين سوري نزحوا مرغمين من سوريا". ويلاحظ، أنه لم تتبنّٓ جهة عربية في تركيا فكر الانقلابين، ولم تدعمهم. بل على العكس، هناك فئات عربية هاجمت الانقلابين بشراسة تفوق الأتراك شراسة أنفسهم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard