العقل الغيبي العربي: جذور الوهم الذي أنتج سفاحي التطرّف

الجمعة 9 سبتمبر 201607:38 م
يفتح راهن البلدان العربية الباب على جذور تاريخية، تعود إلى ذروة النهوض الحضاري عند العرب والمسلمين. إذ لا يمكن قراءة حضور التنظيمات الجهادية والظلامية وما يمثلها على الأرض، مما يعرف بداعش، من دون الالتفات إلى تاريخها المعرفي الذي ظل يتنامى منذ القرن الثاني الهجري حتى اليوم، ليصبح كتلة معقدة يصعب حلها بجهد فردي أو مؤسسي. يظهر هذا لدى الوقوف عند تاريخ العقل الغيبي في الثقافة العربية، فما تؤمن به جماعات مثل "داعش" من أساطير وخرافات وتصورات حول الدين والآخرة، يشبه تماماً ما قدمه الفقيه والمؤرخ العربي تاريخاً. إذ يعثر الباحث على أنماط من الغيبيات المسلم بها، والراسبة في مدونة التراث العربي، لا يمكن النظر إليها وفق العقل العلمي والمنطقي، إلا بوصفها خرافات ليس لها أساس من الصحة، ولا يمكن لأي عقل عارف تقبلها. يطرح هذا الواقع تساؤلات حول الذهنية العربية، ليس في سياقها العام وما مثلته المجتمعات في صدر الإسلام وما بعده، حتى دول الخلافة الأموية والعباسية، إنما يتعدى ذلك ليكون راسخاً عند كبار الفقهاء المؤرخين. يمكن قبول مساحة من الخرافة والأسطورة في الأوساط الشعبية عند كل الحضارات. فهذا النوع من الحكايات، يشكل ذاكرة المجتمعات، ويرسم تاريخها التراثي، للحد الذي تصبح فيه بعض الحضارات خاوية، إن هدم جانبها الشعبي والأسطوري. لكن هذه المساحة تصبح خطراً معرفياً، حين يتعامل معها العالِم والمؤرخ بوصفها حقائق تاريخية خاضعة لأصول المنهج التاريخي، أو العلمي، أو المنطقي. تشكل تلك المساحة الخرافية والأسطورية خطراً حقيقاً مع مرور الزمن، للحد الذي يمكنها أن تنتج جماعات قتالية، وأفكاراً ظلامية مقبلة على القتل، والسفك بما يفوق ما نشهده اليوم على الساحة العربية في العراق، وسوريا، واليمن، غيرها من بلدان النكبة العربية. فهذه الأساطير حين ترد على لسان كبار الفقهاء والعلماء والمؤرخين، تنزاح إلى مساحة جديدة، وتنفصل عن حقيقتها الأسطورية، لتحضر في المساحة المعرفية التاريخية الثابتة والراسخة. يمكن قراءة هذا الشكل من الانزياحات بالوقوف عند الغرائب المعرفية التي ذكرها مؤرخون كبار، كتبوا سيرة الحضارة العربية وباتوا مراجعها الذين لا يمكن تجاوزهم. فمن يمكنه اليوم قراءة تاريخ الثقافة العربية من دون الوقوف عند مؤرخيها البارزين، أمثال أبو جعفر الطبري في كتابه "تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك"، أو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتابه: "اخبار الزمان"، أو حتى المطهر بن طاهر المقدسي في مؤلفه "البدء والتاريخ"؟

المخلوقات قبل آدم

وقفات عجلى في مؤلفات هؤلاء المؤرخين، يمكنها أن تكشف جذر العقل الغيبي في الحضارة العربية، وغياب المعاول المتينة القادرة على هدم سطوتها، ورسوخها. فما يقدمه المسعودي في "أخبار الزمان" حول الأمم التي كانت قبل خلق آدم، يشبه الحديث عن أحلام سلفادور دالي. فهو يقدم وصفاً دقيقاً لأشكال المخلوقات، وطباعها، وأنماط أكلها وشربها، غير حافل بملايين السنوات التي تفصله عنها. مكتفياً بذاكرة رواة عاصروه، فيكتب: "يقال إنه كانت الجملة 28 أمة بإزاء المنازل العالية التي يحلها لقمر، لأنه المستولي عندهم لتدبير العالم الأرضي باذن الله تعالى جل ذكره خلقت من أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والنار والأرض، فهي متباينة الخلق ومنها أمة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمة أبدانهم كأبدان الأسد ورؤسهم رؤوس الطير لها شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها أمة لها وجهان قدّامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير، ومنها الجن". ويضيف: " ومنها صفة الجن، وهي أمة في صور الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم، ومنها أمة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيراً، ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمة يشبهون نصف شق الإنسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزاً، وكلامهم مثل كلام الغرانيق، ومنها أمة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي أيديهم مخالب وفي رؤوسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب، ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الأسد طوال لا يفهم كلامهم". يحق لقارئ هذا التوصيف الدقيق، أن يتساءل ما هي الذهنية التي ذهب فيها المسعودي في سرده لتاريخ الكون؟ وما الذي كان ينقصه ذهنياً ليتجاوز هذه المعلومات المتجاوزة لكل أشكال الترصين المعرفي؟ وما الإضافة التاريخية التي قدمها في هذا السرد؟ أكان محتكماً لمنهج تاريخي في تقديم رواياته، أم جامعاً لكل ما ورد وحسب؟ وهل يثير ذلك تساؤلات حول كل ما قدمه المسعودي، ومن استند إليه ممن جاء بعده من المؤرخين؟ تظل الإجابات متروكة للعقل العلمي والمنطقي اليوم، فهو كفيل بغربلتها، وكشف زيفها وصحتها إن كان منها ما هو صحيح. وفي الوقت نفسه، يظل الباب مفتوحاً على كل الإشكاليات، ونقاط الضعف التي قدمها المؤرخون لاحقاً، في جهود المسعودي. فالأخذ والجذب أصابا مؤلفاته للحد الذي بات عند البعض، يمكن ترك ما جاء به، على اعتبار أن رواياته ضعيفة.

ساعة خلق الله السماوات والأرض

لكن المعاين لهذا التاريخ العربي، وما قدمه فقهاؤه، لا يجد هذا الطرح في مؤلفات المسعودي وحسب، إنما تتمدد هذه الروايات الغيبية، لتحضر عند كبير مؤرخي العرب في كتابه الشهير "تاريخ الطبري". هو الآخر وقع في هذه المساحة الغيبية، وقدم ما يكفي من الأدلة التي يمكن الارتكاز عليها، لكشف جذور العقل الغيبي في الحضارة العربية. يظهر هذا في ما يورده الطبري حول حكاية خلق السماوات والأرض، والأيام التي تكونت فيها، فيصل فيه الهيام الغيبي للحد الذي يعيّن ما خلق في كل يوم من الأيام الستة لخلق الكون. إذ يذكر ما نصه: "حدَّثنا عبد اللَّه بن صالحٍ، حدَّثنِي أَبو معشَر، عن سعيد بنِ أَبي سعيدٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ سلام، أَنه قال: إِن اللَّه بدأَ الخلق يوم الأحد، فخلق الأَرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرَّواسي في الثُّلاثاء والأربِعاء، وخلق السَّموات في الخميس والجُمعة، وفرغ في آخِر ساعة من يوم الجُمعة، فخلق فيها آدم على عجَل، فتلك السَّاعة التي تقوم فيها الساعة". يتحدث الطبري في توصيفه هذا، على اعتبار أن الزمن كان له شكله الذي عمل به العرب في لحظة الخلق القديمة. ويحدد في اليوم والساعة، الوقت الذي خلقت فيه الجبال، والبحار، وآدم، وسائر عناصر الأرض والكون. فلا يقف عند الفارق المعرفي القائم في القصور العقلي على استيعاب تلك اللحظة، ولا يحفل بكل ما ورد في الحديث من نصوص وروايات، ظلت تتنامى منذ ما قبل التاريخ، مروراً بالفراعنة، والإغريق، وصولاً إلى عصره المتأخر. يبدو الطبري، من كتابه، واثقاً وعاملاً بالمنهج الرصين الذي عرفه عصره من سرد الرواة بالتتابع. ويتجاوز حتى في روايته، ما يقدمه الرواة من حديث نبوي لم يجتمع على صحته أحد من كبار الفقهاء والعلماء. فيكاد يقول إن مَن نقلوا الرواية في سلسلتهم المتتابعة، هم ثقات، ولا يمكن أن نشكك في حديثهم، فيتعامل معهم وكأنهم كانوا شاهدين على لحظة الخلق، وينظرون بأم أعينهم إلى الانفجار العظيم وما تلاه، موثقين لحظة تكون الكون.

أيام العمل واللهو والصيد

يبدو هذا الطرح في معايير العقل العلمي اليوم، خارجاً عن أي اشتراط معرفي. فهو يتشابه في سرده، مع ما قدمته الأسطورة اليونانية وتصوراتها لنشأة الكون، وصراع آلهة الريح والشمس. لكنه يبدو منطقياً، مقابل ما يرويه المطهر بن طاهر المقدسي، إذ يقدم في كتابه "البدء والتاريخ"، ما يتجاوز ذلك خيالياً. فيقول: "يقال إن الله خلق الشمس يوم الأحد، والقمر يوم الاثنين، والمريخ يوم الثلاثاء، وعطارد يوم الأربعاء، والمشتري يوم الخميس، والزهرة يوم الجمعة، وزحل يوم السبت. فلذلك نسبت الأيام إليها فيقال رب يوم الأحد الشمس، وربّ يوم الإثنين القمر، وربّ يوم الثلاثاء المريخ، ورب يوم الأربعاء عطارد، ورب يوم الخميس المشتري، ورب يوم الجمعة الزهرة، ورب يوم السبت زحل". ويضيف: "يستحب ابتداء الأعمال يوم الأحد لعظم قوة الشمس وسلطانها والسفر يوم الاثنين لسرعة سير القمر والحجامة والفصد (سحب الدم) يوم الثلاثاء لمكان المريخ والدواء يوم الأربعاء لممازجة عطارد والخميس قضاء الحوائج وطلبها لفضل المشتري واللهو والفرح يوم الجمعة لأجل الزهرة والصيد يوم السبت". يتفق هذا الطرح الراسخ في مدونة التاريخ العربي، مع ما قدمته القراءات الحديثة من أثر واضح للأساطير القديمة في تكوين العقل العربي، وتشكّل وعيه تجاه الماورائيات، والميتافيزيقا. فالتعامل مع الكواكب وارتباطها في أيام الأسبوع، راسخ في الكثير من الأساطير القديمة، منها اليونانية والسومرية، وحتى الشرق آسويّة القديمة، الهندية والصينية. يمكن بتتبع مثل هذه الروايات والخرافات العابرة في تاريخنا، بوصفها معلومات رصينة، الوصول إلى ركام كبير لنتائج العقل الغيبي العربي، وبالتالي فتح الباب كاملاً على حقيقة العقل العربي اليوم، بسائر تكويناته الغارقة في الغيبيات، للحد الذي هدمت العقل، وبات عدوها الأول والأخير. وعليه، بات كل من يفكر هو في التوصيف الفقهي "كافر".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard