ما هو دور الزكاة في مستقبل الأعمال الخيرية الإسلامية؟

الأربعاء 24 أغسطس 201606:53 م
يعيش العالم العربي حالة من الانفصام الاقتصادي، إذ يضم دولاً فاحشة الثراء، مقابل دول أخرى تعاني فقراً شديداً، على غرار حال العالم بشكل عام. فكيف يمكن استغلال المصادر استغلالاً يصب في مصلحة الشعوب الأكثر فقراً، لا سيما في الدول الإسلامية أو ذات الغالبية المسلمة، حيث ثقافة العطاء والمساعدة والإحسان سائدة؟ ثقافة العطاء تنعكس بالصدقة والزكاة، التي تكوّن ركناً من أركان الإسلام، وقد تساهم في زيادة الموارد المالية الضرورية للتنمية. مثلاً، وعلى الصعيد العالمي، قد يساهم أقل من ربع الإنفاق على الصدقة والزكاة في مختلف أنحاء العالم المسلم سنوياً، في انتشال كل مسلم من الفقر. أمر ممكن وأكثر فعالية واستدامة، متى اعتمدت دول منظمة التعاون الإسلامي مثلاً سياسات مناسبة لجمع الزكاة وإدارتها.

ما هي الزكاة وكيف تُحسب؟

تعتبر الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، كما وردت في العديد من الآيات القرآنية، وقد أمر الله بتأديتها لأنها "حق يجبى في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص". وتسمى صدقة لأنها دليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه. وهذه الفريضة الشرعية تستوجب شروطاً، منها الإسلام، أي أن الزكاة لا تؤخذ ولا تُقبل من "الكافر". والحرية، أي أن الزكاة لا تجب على من كان رقاً أو عبداً مملوكاً. تكمن الحكمة من الزكاة في تطهير النفس من البخل والشح والطمع، ومواساة الفقراء والمحرومين وتوزيع الأموال بين الفقراء. وتجب الزكاة في أنواع عدة هي زكاة الأموال وزكاة الفضة والذهب وزكاة الحيوان (الإبل، البقر، الغنم) وزكاة الفطر. ولا بد أن تصرف الزكاة في مصافها الشرعية التي حددها الله {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:60].

ولكن كيف يمكن استغلال الزكاة والأعمال الخيرية بفعالية؟

تكثر في العالم صناديق الزكاة والمؤسسات التي توزعها غالباً على المحتاجين ولبناء المساجد. إلا أن الأهم هو أن تضع هذه الصناديق والحكومات سياسات واضحة لتوزيع عادل وفعاّل للزكاة. إضافة إلى رفع التوعية حول أهمية الأعمال الخيرية الإسلامية، في الحد من الفقر، أو حتى مساعدة منظمات غير حكومية وخيرية في دول أخرى. وفي حين أن الجميع يركز على أن الأهم هو توزيع فعال للأموال الخيرية الإسلامية، علت أخيراً أصوات في مصر ضد تذخير الزكاة لسد ديون الدولة. فأكد خبراء وعلماء دين مخالفة ذلك الشرع، وأن الدولة لا تستحق أموال الزكاة، معتبرين أنه لا يجوز أخذ أموال الفقراء لسداد ديون الدولة، لأن ذلك سيؤدي إلى استمرار الفقر، ولأن هذه الأموال تُدفع للإنفاق على الفقراء واليتامى أو لبناء دور علم أو عبادة.

"صندوق الزكاة" مثال واعد

أنشئ صندوق الزكاة الإماراتي، بحسب ما يقول عبد الله بن عقيدة المهيري، أمين عام الصندوق، بموجب قانون اتحادي رقم 4 عام 2003، صادر عن الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وذلك بهدف "زيادة الوعي بالزكاة وترسيخ مفهومها ودورها الهام في المجال التنموي على صعيد الفرد والمجتمع، وقبول أموال الزكاة اختيارياً، لتستفيد منها الشرائح المستحقة وفقاً للمصارف الشرعية بأعلى مستوى من الكفاءة والتميز". إضافة إلى ترسيخ ثقافة الابتكار في بيئة العمل المؤسساتي.
كيف يمكن الاستفادة من الأموال الكثيرة التي تجمع من الزكاة سنوياً؟
ولعلّ أبرز ما يميز صندوق الزكاة في الإمارات هو أنه جعل من الابتكار ركيزة له، لتحقيق أهدافه ومهماته. ويضيف المهيري: "صندوق الزكاة سبّاق في تطوير قنوات التحصيل من 5 قنوات تقليدية عام 2004 إلى 28 قناة تحصيل حتى الآن". ويتابع: "هناك تحصيل الزكاة عبر الصندوق مباشرة والمزكين المباشرين في البنوك، أو من خلال الدفع الإلكتروني عبر بوابتي حكومة أبو ظبي ودبي الإلكترونية، أو من خلال خدمة موبايل نت، والكوبونات، والصرافات الآلية التابعة للصندوق، وخدمة الرسائل النصية، وعبر نظام الرد التفاعلي IVR، وأجهزة الماكس بوكس، وغيرها من القنوات التقليدية والإلكترونية والذكية، التي يسعى الصندوق من خلالها إلى تطويرها ليسهّل على المزكي دفع زكاته، تحت شعار رؤية عصرية لفريضة شرعية". كما قام الصندوق بتشكيل إعلان إسلامي مرن، يعكس طبيعة وخدمات الصندوق. كما أطلق حملات إعلامية بشعارات مختلفة كل عام، وعمل على الشراكة مع مختلف الوسائل الإعلامية لحث المجتمع على تقديم الزكاة. والأهم من ذلك أن الصندوق يريد أن يراقب عمليات دفع واسترجاع الزكاة، من خلال "نظام واحد لتقديم جميع خدمات المزكين والمستفتين، وإنشاء ملف بيانات المزكين، واسترجاع بيانات المزكين بكل سهولة، وتوثيق واسترجاع بيانات التواصل التي تمت مع المزكي، وإمكانية استعراض جميع الخدمات لمتعامل معين، وتقارير إحصائية عن المزكين، بالإضافة إلى إمكانية استخلاص قوائم المزكين حسب التصنيف (جديد، مستمر، منقطع/ متوقع) بشكل آلي"، بحسب ما يؤكد المهيري. هذا النظام الموحد الذي يسهل عملية المراقبة ساهم، بلا شك، في إيرادات الزكاة وأعداد المزكين. يقول المهيري: "بلغت إيراداتنا المليار درهم، ونفذنا 21 مشروعاً خيرياً واجتماعياً، نابعة من المصارف الشرعية الثمانية للزكاة. وقد بلغت أعداد مستحقي الزكاة بحسب قواعد بيانات صندوق الزكاة 150 ألفاً، وتجاوزت المبالغ المصروفة لمستحقيها أكثر من 900 مليون درهم". ويشير إلى أن هناك معايير واضحة متبعة لتحديد الأسرة الفقيرة أو المحتاجة، وغيرها من الفئات، وفقاً للوائح والشروط المعمول بها في صندوق الزكاة. كما أن الصندوق يتحرى تحقيق العدالة في التوزيع والشفافية التي انتهجها، بالإضافة إلى أن كل أسرة تختلف عن الأخرى تبعاً لمستوى الدخل وحجم الالتزامات، وطبقاً للوائح الصندوق. كما ازدادت أعداد المزكين من 57,880 عام 2014، إلى 78,847 عام 2015 بحسب آخر إحصاءات الصندوق. ولا تتوقف مشاريع صندوق الزكاة عند هذا الحد، بل تريد رفع مستوى استخدام خدماتها الإلكترونية والذكية، حتى تصل إلى نسبة 80% بحلول عام 2017. ويضيف المهيري: "سنقوم أيضاً بالعمل والتعاون مع جهات في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، والنفع العام، في تحويل مجموعة من أسر الفئات المستحقة إلى أسر منتجة ضمن مشروع ينابيع الخير". ليس صندوق الزكاة في الإمارات، الوحيد في المنطقة العربية والعالم بشكل عام، إلا أنه مثال يحتذى به، من أجل ضبط الزكاة والصدقة، والعمل على توزيعهما على الفئات المعنية. يزداد عدد الجمعيات الخيرية في العالم، وكأنه بداية موجة مالية إسلامية جديدة، تشجع على المسؤولية الاجتماعية والتنمية المجتمعية. وقد يساهم تعاون وشراكات مختلف الأطراف، من حكومات ورجال دين ومؤسسات، وصناديق وشركات، في تسخير الأعمال الخيرية الإسلامية في السعي إلى محو الفقر المدقع.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard