تاريخ الرقص: هل يكشف لنا لماذا نصلي بهذا الشكل؟

الخميس 25 أغسطس 201607:27 م
ارتبط الرقص في التاريخ العربي بالترف والمجون واللهو، وظل الحديث عنه ينحاز إلى هذه المساحة، التي تجعل منه عصياً على الفهم. ففي الوقت الذي يقف فيه الباحثون عند الرقص بوصفه أحد أشكال انحدار المجتمع وانحلاله، يقدم الرقص بتصوراته المتعددة، مفتاحاً انثروبولوجياً، لفهم تفاصيل بارزة في التاريخ العربي، مثل مفهوم الجسد في الذهنية الصحراوية، وصورة المرأة، وطقوس العبادة، وتحولات السلطة في تاريخها الممتد منذ الجاهلية حتى اليوم. لذلك يشكل الرقص منفذاً لقراءة سلسلة من التحولات الاجتماعية التاريخية. ويكشف مسارات تشكل العبادات، منذ ما قبل الوثنية حتى صدر الإسلام. فالعلاقة التي يقدمها الرقص في هذا السياق، تتعدى انحناء الأجساد، وتمايل الأيدي، لتصل إلى العلاقات العقلية التي نسجتها مجتمعات الجزيرة العربية مع حضارات قديمة، مثل الفرعونية واليونانية والهندية.

كيف تحول الرقص من عبادة إلى حالة من المجون والفرح؟

تظهر هذه العلاقات المتشابكة بالوقوف عند تاريخ الرقص، وسلسلة تطوره الممتد. إذ تكشف النقوش الأثرية في المعابد الفرعونية، أن الرقص كان أحد أشكال التقرب إلى الآلهة المصرية القديمة. وكانت تؤديه النساء في طقوس يكشفن فيها عن أجسادهن، ويتمايلن أمام الحجارة المنحوتة، في حالة أشبه ما تكون باستجداء الخير، وطرح الخصب والوفرة. فالتصورات الأسطورية القديمة ظلت ترى في المرأة رمزاً مكثفاً للخصب، منها تولد الحياة، وتزداد الخليقة، ومنها يطرح الإله عمال الأرض وأنبياءها وبناءها. ويشير الدارسون إلى أن الرقص الشرقي دخل إلى المنطقة العربية إثر الاحتكاك الثقافي والمعرفي، الذي جرى بين عرب الجزيرة والتاريخ الفرعوني. وظهرت تجلياته الأولى كأحد أشكال العبادة، والتقرب إلى الآلهة. فكانت النساء في الجزيرة يمارسن شكلاً من أشكال الأداء الجسدي، كنوع من التقرب إلى الإله وتلمس معرفته. يتوقف المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت عند تلك التصورات في كتابه الشهير "تاريخ الحضارة"، عاقداً مقارنة ثقافية لاهوتية بين العبادة عند الفراعنة واليونانين. فيشير إلى أن طقوس العبادة في الحضارة اليونانية، كانت قائمة على الابتهال والتضرع والبكاء، فيما كانت في الحضارة المصرية القديمة مرتبطة بالرقص والحركة والتقرب بالجسد. يفتح هذا الطرح التاريخي باباً على تاريخ العبادة في الجزيرة، وأشكال تطوره، من الطقوس الجماعية الراقصة حول الأوثان، وصولاً إلى أنماط الصلاة التي تقدمها الديانات السماوية اليوم. فلا يمكن إحداث فصل تاريخي بين تلك الممارسات، وما جاءت به الديانات الحديثة، المسيحية والإسلامية. إذ يكاد يجمع المؤرخون على أن الديانات خاضت تاريخاً من التطور المرتبط بين الديانات القديمة والحديثة. وهذا يتأكد في مفهوم الطواف حول الكعبة، وما يقابله من طواف حول بيوت العبادة اليمنية القديمة، وبيوت العبادة في الثقافة الهندية التي عرفت الطواف، والاغتسال بالماء المقدس، ورمي الحصى، وغيرها مما يشبه طقس الحج الإسلامي.

هل كان السعي بين الصفا والمروة شكلاً من أشكال الرقص؟

ليس ذلك وحده ما يقدمه تاريخ الرقص. فالمعاين لفكرة امتثال المرأة لهذا التعبير الاجتماعي، يعثر على جملة من المفاهيم التي لم تتوقف عندها البحوث بما يكفي من عمق. وهي تتمثل في صورة المرأة في الذهنية الصحراوية، ومفهوم الجسد، كتكوين، ظل حتى آلاف السنين اللغة البصرية الأولى في مشوار الإنسانية، والتعبير السابق للغة والصوت. يعيد هذا الطرح الأنظار إلى ما قدمه الباحث والمفكر عبد الكبير الخطيبي، في كتابه "الاسم العربي الجريح". إذ قدم قراءة مغايرة لمفهوم الجسد في الثقافة العربية، والمغاربية منها تحديداً، مشكلاً حفراً عميقاً في مفهوم الوشم، والتصورات الشعبية التي شكلت ذهنية المجتمعات القديمة في تلك المنطقة، محاولاً بذلك تحقيق الكشف الكامل على الارتباط العضوي بين الجغرافيا بصيغتها المتحولة، وبين الجسد بوصفه جغرافيا مقدسة حملت أشكالاً من الطلاسم والتعاويذ. يطرح أسئلة تستحق البحث حول تاريخ الصلاة، وحالة المزاوجة التي أحدثتها بين الجسد والروح. وفتح مسارات معتدلة بين الحركة التعبيرية المتمثلة في الركوع والسجود، وما يقابلها من حالة التأمل والخشوع والإذعان. فالكشف الذي حققه العقل الإنساني في اكتشافه للجسد، امتثل لقدرته على التعبير في تشكل العبادات بكل أشكالها، سواء التأملية الصامتة أو المتحركة، التي تتجلى في رفع الأيدي إلى السماء، أو الجلوس، أو غيرها من التعابير الحركية في عبادات الأديان. يؤكد ذلك ما يقدمه المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام". فيقول: "لا أستبعد أن يكون السعي بين الصفا والمروة كان رقصاً في الأصل، فكان الساعون يرقصون ويغنون أغاني دينية، في تمجيد رب البيت والتقرب إليه. كما كانوا يرقصون في المعابد الأخرى".

الحرب بهز الخصور وحمل الحراب

shutterstock_256718353 لا يرتبط الرقص بهذا التاريخ الطويل للأديان والعبادات وحسب، إنما يفتح منفذاً على ممارسات الإنسان القديم في مشوار بقائه على الأرض. إذ أنتج الإنسان تعبيرات راقصة في خوضه للحرب، وفي خروجه للصيد، وصولاً إلى أشكال تعبيره عن الفرح والحزن. فحتى اليوم تحضر أنماط من الرقص التي يعود تاريخها إلى رقصات قديمة، كانت تؤدى في الحروب. فرقصة "البرعة في اليمن، التي تتعدد أنماطها اليوم، كانت تمارسها الجماعات المتقاتلة بالأسلحة كنوع من شد العزيمة، وإيقاع الرعب في نفوس الأعداء. فتقول الباحثة نجوى عذرا في بحث بعنوان "رقص القبائل اليمنية: الطريق إلى الوحدة": "رقصة البرعة تتميز عن الأخرى بالموسيقى المصاحبة وسرعة الحركة، وعلى اختلافاتها، إلا أن كلها رقصات حرب وقتال ضاربة في القدم، ومقتصرة على القبليين فقط، لما لها من دلالات ومعانٍ. وأهم معاني البرع هو تعليم أبناء القبيلة أن يعملوا كمجموعة مترابطة في ظروف صعبة فيستعمل الراقصون الخناجر، وفي حالات عدة يضعون أسلحة فوق أكتافهم”.
يثير هذا التاريخ أسئلة جذرية حول فكرة الرقص كشكل من أشكال التحرر، والخروج عن العقل الحاكم. فالتغلب على الخوف بالجسد المنفلت، والتعبير الحركي، هو درب واسع لسائر أشكال التحرر من قيود الجسد، التي ظل الإنسان يسعى إليها. ومنها، وظف الرقص في حالة تعبيره عن الفرح، فالفرح الصاخب أحد أشكال الانفلات من قيود الواقع على اعتبار أنها ماثلة في المادة والشعور والعقل. من هذا الباب أخذ الرقص مشواره ليتحول في المنظومات الدينية إلى حالة من المجون واللهو. فالتعبد في تلك المنظومات هو حالة صفاء، وهدوء تتسامى فيها الروح بالتراتيل، والصمت والخشوع وغيرها من المفاهيم التي ابتدعها العقل اللاهوتي. يحق للمعاين التساؤل، أمن ذلك المنفذ حدث الإشكال التاريخي حول الرقص في إسلام الجزيرة العربية؟ وهل حقاً هدم الإسلام فكرة الرقص وحرمها واعتبرها مجوناً يخدش صلاة العابد وحدة التزامه؟ وإن كان كذلك، فما هي أشكال التعبير عن الفرح التي أنتجها الإسلام كبديل عن هذا التعبير التاريخي الضارب في القدم؟ تتحقق الإجابة عن كل تلك التساؤلات بالعودة إلى مدونة التراث العربي، والنصوص الإخبارية التاريخية المروية. فتكشف مفهوم الرقص في مجتمع الإسلام الأول، وتحقق الارتباطات التاريخية التي تؤكد تاريخ الرقص وامتداد حضره، كشكل من أشكال العبادة، والصيد والحرب والفرح وغيرها. ويروي صاحب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” ما نصه: "ذكر علماء اللغة أن من الرقص نوعاً يقال له: "الدرقلة". وذكر بعض آخر أن "الدرقلة" الرقص. قال محمد بن إسحاق: قدم فتية من الحبشة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدرقلون، أي يرقصون". وذكروا أن الرسول "مرّ على أصحاب الدركلة فقال: جدّوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة". وقيل إن الدركلة ضرب من الرقص، ولعبة للعجم معربة. وعرف الحبش بحبهم للرقص. وكان أهل مكة وغيرهم من أهل الحجاز، إذا أرادوا الاحتفال بعرس أو ختان أو أي مناسبة سعيدة، أحضروا الحبش للرقص والغناء على طريقتهم الخاصة. وورد في الحديث أنه قال للحبشة: "دونكم يا بني أرفدة". وقيل: هم جنس من الحبشة يرقصون. وقيل: "أرفدة" لقب لهم، هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به".

أحفاد النبي محمد حين كانوا يرقصون "الزفن"

المتتبع لمعى الزفن في اللغة العربية يعثر على إشارات تؤكد رسوخ الرقص في التراث العربي، بوصفه أحد أشكال التعبير عن الفرح. فيرد في لسان العرب لابن منظور: "الزّفنُ الرّقص زفنَ يَزْفِنُ زَفْناً وهو شبيه بالرقص. وفي حديث فاطمة عليها السلام، أَنها كانت تَزْفِنُ للحَسن، أَي تُرَقّصه، وأَصل الزفن اللعب والدّفْع، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها، قَدِمَ وفدُ الحبَشة فجعلوا يَزْفِنون ويلعبون أَي يرقصون. ومنه حديث عبد الله بن عمرو إن الله أَنزل الحق ليُذْهِب به الباطلَ ويُبْطِل".

رقصات عالمية ابتدعها العرب

اليوم يحفل تاريخ الرقص في العالم، بأنماط من الرقص ابتدعها العرب، وأخذت طريقها في الحذف والإضافة لتصبح رقصات عالمية. فيوثق الباحث فائق شعبان في كتابه "صفحات من تاريخ الرقص في العالم" قائلاً: "ترك العرب آثارهم الفنية في بعض الشعوب. ففي الأندلس، لا تزال إلى اليوم رقصة "الجوتا" الشعبية، التي ابتدعها الموسيقي العربي ابن جوتا في القرن التاسع، بمصاحبة الدف ويشبه إيقاعها إيقاع الفالس. وفي رقص «الفلامينكو» العنيف الحماسي، غالباً ما يبدأ الغناء المصاحب له بفاصل آهـات تستعمل فيه كلمـة (أوليه)، وأصلها "يا ليل" وقد تستعمل أيضاً ألحان وإيقاعات ومقامات عربية".  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard