أربع حكايات عن المتنبي، مالئ الدنيا وشاغل الناس

الجمعة 2 يونيو 201703:46 م
الحديث عن المتنبي (303-354 هجرية، 915-965 ميلادية) صعب ومغر. فما من شاعر عربي على مر التاريخ اشتهر مثله، وما من شاعر حظي بالاهتمام الذي حظي به، في حياته، وبعد مقتله. فقد شُرح ديوانه نحو ثلاثين مرة من قبل نحاة ولغويين ونقاد وغيرهم، وشرحه اللغوي الشهير ابن جني مرتين: الشرح الكبير والشرح الصغير، وصلنا منهما الثاني. كما أنه كان يجلّه، ويكثر من الاستشهاد بأشعاره. وشرحه المعرّي أيضاً، وسمى شرحه معجز أحمد. واعتبر أنّه الأعمى الذي قصده المتنبي بقوله: "أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي    وأسمعَتْ كلماتي منْ بهِ صَمَمُ". كان المعري يسمي الشعراء بأسمائهم حين يأتي على ذكرهم، فيقول "قال البحتري"، و"قال أبو تمام"، ما عدا المتنبي، فيقول: "قال الشاعر". وهو الوحيد ممن جاء قبل أبي العلاء الذي لم يوجه إليه نقداً. ومع شبه الإجماع على عبقرية المتنبي الشعرية، انقسم النقاد والقراء حوله، وكثر حساده، وتزايد عدد خصومه، بسبب المكانة العالية التي كان يحتلها بالدرجة الأولى، وبسبب استعلائه وتكبره على غيره من الشعراء والنحويين واللغويين. والغريب أن النقد اللاذع الحاد الذي وجه إلى المتنبي، كان يتناول خصوصاً أخلاقه. فتم اتهامه بسرقات شعرية لا حصر لها، (نسميها الآن التناص)، إضافة إلى إهمال الجميع بلا استثناء، لنسب المتنبي الحقيقي. فكل ما نعرفه أنه ولد في الكوفة، وبسبب مكان ولادته أخطأ معظم المعاصرين، وبعض القدامى، فنسبوه إلى "كندة"، لأن القبائل العربية المهاجرة كانت تسمي الحي الذي تنزل فيه باسمها. وفي الحقيقة هو "جُعْفي"، وجُعْف حيّ من اليمن، وأبو هذه القبيلة جُعْفي بن سعد العشيرة من مَذحج الشهيرة المعروفة. وما زالت حتى يومنا هذا، تصدر دراسات وكتب جديدة حول المتنبي، لعل أكثرها دوياً هو كتاب الشاعر والكاتب العراقي عبد الغني الملاح "المتنبي يسترد أباه"، الصادر في أول يناير 1989، والذي يذهب فيه إلى افتراض أن الإمام الثاني عشر عند الشيعة هو والد المتنبي! بعد هذه المقدمة السريعة، نورد هنا أربع حكايات عن المتنبي، تضيء كل واحدة منها جانباً من علمه وموهبته ومكانته.

الحكاية الأولى: المتنبي والوراق

تجمع كتب التاريخ الأدبي على أن المتنبي في صباه كان يقضي معظم أوقاته عند الوراقين (من ينسخون الكتب ويبيعونها)، واكتسب علمه من هناك. يقول عنه وراق: "ما رأيت أحفظ من ابن عبدان (لقب أبيه كما يدعي الرواة)، كان عندي اليوم وقد أحضر رجل كتاباً نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ابن عبدان ينظر فيه طويلاً، فقال له الرجل: يا هذا أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون، إن شاء الله، بعد شهر. فقال له ابن عبدان: فإن حفظته في هذه المدة، فما لي عليك؟ قال أهدي لك الكتاب. قال، فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه، حتى انتهى إلى آخره". وتقول الحكاية إن المتنبي أخذ الكتاب ومضى بمباركة صاحبه.
4 حكايات عن المتنبي، تضيء كل واحدة منها جانباً من موهبته ومكانته كأكثر الشعراء شهرة في التاريخ العربي
حكايات ممتعة عن صاحب "فالخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم"

الحكاية الثانية: المتنبي في بلاط سيف الدولة

كان أبو العشائر، ابن عم سيف الدولة وواليه على أنطاكية، وكان المتنبي عنده حين زاره الأمير عام 337 هجرية، فقدمه إليه، وأثنى عليه، واقترح أن يكون مكانه في بلاطه. وحين عرض سيف الدولة دعوته على المتنبي اشترط عدة شروط منها: - إذا أنشد الأمير مدائحه أن ينشدها وهو قاعد. - ألا يكلف تقبيل الأرض بين يديه. والغريب أن سيف الدولة وافق على شروط المتنبي، على الرغم من احتجاج الشاعر الأمير المعروف أبي فراس الحمداني، ابن عم الأمير.

الحكاية الثالثة: المتبني والجاحظ الثاني

كان الكاتب الشهير ابن العميد الذي لقب بالجاحظ الثاني، ووزير عضد الدولة، يستثقل المتنبي، ويلاحق سقطاته، وسرقاته الشعرية بسبب تكبره واستعلائه، رغم أنه كرّمه عندما التقاه أثناء زيارته إلى بلاد فارس في الشهور الأخيرة من حياته. يروي عنه أحد أصحابه بعد وفاة أخته: "دخلت عليه (ابن العميد) فوجدته واجماً، فظننته واجداً (حزيناً) لأجلها، فقلت: لا يحزن الله الوزير، فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد علي نيَّفٌ وستون كتاباً في التعزية ما منها إلا صدر بقوله: "طوى الجزيرة حتى جاءَني خبرٌ    فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقهُ أملاً    شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي" فكيف السبيل إلى إخماده؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظّ في إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل بالك بهذا الأمر". ويقال إن ابن العميد نفسه قال: "قاتله الله، لقد ملأ الدنيا وشغل الناس". والبيتان من قصيدة المتنبي الشهيرة في رثاء أخت سيف الدولة، خولة، والتي مطلعها: "يا أخت خير أخٍ، يا بنتَ خير أب    كِناية بهما عن أشرف النسب" وبمناسبة ذكر حكاية الانتشار الواسع لشعر المتنبي بين الناس، لعل من المفيد التذكير بما قاله المتنبي في ذلك مفتخراً بنفسه وبشعره: "وما الدهر إلا من رواة قصائدي     إذا قلت شعراً أصبح الدهر مُنشدا"

الحكاية الرابعة: المتنبي وأبو علي الفارسي

كان أبو علي الفارسي من معاصري المتنبي، وكان يستثقله أيضاً بسبب تكبره واستعلائه. وأبو علي هذا هو أكبر النحويين العرب الذين جاؤوا بعد سيبويه. وفي زيارة المتنبي الأخيرة لبلاد فارس، التقاه أبو علي الفارسي، ودعاه عن طريق تلميذه وصديقه ابن جني إلى العشاء. وفي نهاية السهرة، وكان المتنبي يقف لينصرف، سأله أبو علي الفارسين لا ليعرف، بل ليبين له أن عليه أن يتواضع: يا شيخ! (هكذا كان ينادى المتنبي) ما هي الجموع على وزن فِعلى عند العرب؟ فأجابه المتنبي على الفور: حِجلى (جمع حجل)، وظِربى (جمع ظَرِبان)، وتابع سيره. ويعلق أبو علي الفارسي على ذلك، أنه أمضى يومين متتاليين في البحث والتنقيب، فلم يجد جمعاً ثالثاً.

نورد بعض أبيات للمتنبي ذات صلة بهذه الحكايات:

قال المتنبي في صباه، غالباً في السادسة عشرة: فدع عنكَ تشبيهي بما، وكأنهُ    فلا أحدٌ فوقي، ولا أحدٌ مثلي ويقول وهو ابن عشرين: ما مقامي بأرضِ نخلة إلا     كمقام المسيح بين اليهود لا بقومي شرفت بل شرفوا بي     وبنفسي فخرت لا بجدودي وبهم فخرُ كل من نطقَ الضا    دَ، وعوذُ الجاني، وغوثُ الطريدِ إن أكن معجباً فعجبُ عجيبٍ     لم يرَ فوقَ نفسه من مزيد أنا ترب الندى، وربُّ القوافي     وسمامُ العدى، وغيظ الحسود أنا في أمّة تداركها اللـ     ه، غريبٌ كصالح في ثمود ويرى أبو العلاء المعري، وغيره كثيرون، أن البيت الأخير هو سبب اتهامه بادعاء النبوة. ويقول أيضاً من قصيدته الأخيرة في مديح سيف الدولة الحمْداني: سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسنا     بأنني خيرُ من تسعى به قدم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي     وأسمعت كلماتي من به صَمم أنام ملء جفوني عن شواردها     ويسهر الخلق جرّاها ويختصم فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني     والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ وهذه القصيدة، كلها، فريدة في الفن والفخر والاستعلاء والحرقة الجارفة الذابحة في آن واحد.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard