الطرب عند العرب: من النهضة إلى الحلال والحرام

الخميس 11 أغسطس 201610:51 ص
لا يذكر الطرب من المحيط إلى الخليج، إلا وتليه قائمة أسماء لا تنتهي، تمايل على صوتها العرب جيلاً بعد جيل. أم كلثوم وسيد درويش وناظم الغزالي وصباح فخري وغيرهم الكثير. فلكل حقبة زمنية نجومها، لكن هل كان للعصور القديمة مطربوها؟ وما هو عمر الطرب في الإرث العربي؟ هل كان هناك مطربون في "الجاهلية" عند العرب؟ غنى العرب وعزفوا الموسيقى قبل الإسلام، لكنهم لم يبرعوا في تلك الفنون بقدر إبداعهم في الشعر. فبقي النغم أسير الشعر، وملحقاً به طوال القرنين الخامس والسادس للميلاد. وأرجع ابن خلدون ذلك إلى أن العرب لم يصلوا في العمران حد الرفاه، فالموسيقى تتطور فقط في المجتمعات التي تجاوزت حاجاتها الأساسية، وبلغت مرحلة معينة من الرخاء والاستقرار. بدأ الغناء تنغيماً بسيطاً للأشعار، وأكثر من اشتهر بذلك، هم من يسوقون الجمال، فغنوا أشعاراً موزونة على البحر الرجز (مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، بأسلوب رتيب على وقع أقدام الإبل. وسمي غناؤهم "حداء"، ومنه أتى قول الشاعر: يا حادي العيس عرّج كي نودّعهم... يا حادي العيس في ترحالك الأجلُ عرف العرب أيضاً الغناء الحربي، فأنشد المحاربون لحناً مشتركاً رافقته زغاريد النساء، وقرعت معه الطبول والدفوف. وعرفوا غناء "التغبير"، وفيه استذكروا أمجاد الماضي وأحداث الزمن الغابر. ويذكر ابن رشيق في كتاب  [external_link destination=" "]العمدة [/external_link]نوعاً آخر من الغناء يسمى "الهزج"، وهو لحن بسيط يستخدم فيه الطبل والمزمار، وقد يرافقه الرقص. إضافة إلى التهليلات الدينية أثناء الطواف والرقص حول الكعبة، وأثناء تقديم الأضاحي للآلهة.

الآلات الموسيقية قبل الإسلام

استخدم العرب آلات موسيقية بسيطة، مثل المزامير والصاجات، واشتركوا مع غيرهم من الشعوب السامية في المنطقة باستخدام الآلات النقرية مثل الطبل والدف. لكن يبقى العود، وهو فارسي الأصل، الآلة الموسيقية الأكثر أهمية لدى العرب، وبرعوا فيها وطوروها.[post_quotes] ويقول السيوطي في كتابه [external_link destination=" "]المزهر [/external_link]في علوم اللغة إن العود، الذي عرف بالمزهر، كان يستخدم للابتهاج أو الاحتفال أو التعبير عن الفرح. ويضيف أن القبيلة من العرب، إذا نبغ فيها شاعر، أتت القبائل هنأتها بذلك، وحضرت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر (مزهر، العود).

الطرب بعد الإسلام

مع ظهور الرسالة المحمدية، وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية وبقية المنطقة العربية، تقونن الغناء الديني، ودمج بالشعائر الإسلامية. وتجلى ذلك في فنون تجويد القرآن، وفي تنغيمات الأذان، وتهليلات وتكبيرات الحجيج، وحلقات المديح والذكر. ولم ينل ذلك من الغناء الشعبي، فغنت [external_link destination=" "]الجواري [/external_link]في بيوت المهاجرين والأنصار. ونجد في الحديث والسيرة النبوية بعض الإشارات عن غناء الجواري ورقصهن في بيت الرسول وبحضوره. كانت [external_link destination=" "]سيرين[/external_link]، أخت ماريا القبطية، أكثر المغنيات شهرة في تلك الفترة، وتتلمذت على يدها [external_link destination=" "]عزة الميلاء[/external_link] و[external_link destination=" "]جميلة[/external_link] وغيرهما. Ibn_Chaldun_Arnie-Kief بقي الجدل حول إباحة أو تحريم الموسيقى والغناء قائماً منذ فجر الإسلام، لكن الاهتمام بدراسة النغم وتطوير التلحين استمر. وظهرت آلات موسيقية جديدة، ولم يخلُ قصر من المغنين والعازفين والراقصين. فكانت الغلبة دوماً للموقف الشرعي الموافق لرأي [external_link destination=" "]الشيخ أبي حامد الغزالي[/external_link]، الذي يقضي بأن حكم الغناء والسماع يختلف بحسب الأحوال والأشخاص واختلاف النغمات، فحكمه ما في القلب. فإن وَلّد إحساساً بالفرح أو السكينة فهو محمود، وإن أجج الغرائز والشهوات كان مذموماً. كما أقر الغزالي كغيره من علماء المسلمين، بتأثير الموسيقى في القلب والوجدان، فقال: "من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فاسد المزاج ليس له علاج".

النهضة الموسيقية العربية

بدأت [external_link destination=" "]النهضة الموسيقية العربية[/external_link] مع انتقال مركز الخلافة الإسلامية لدمشق. ففي قصور الأمويين تلاقت الموسيقى العربية والفارسية والإغريقية، وتلاقحت فنون الغناء المختلفة تحت رعاية مباشرة من الخلفاء، باستثناء يزيد الأول وعبد الملك وعمر الثاني. ظهرت تباشير تلك النهضة في كتابات يونس الكاتب، الذي كان أول من درس الموسيقى والألحان علمياً في كتابيه النغم والقيان. وقد أسسا للثورة الموسيقية اللاحقة، التي قادها ابراهيم الموصلي، الموسيقار والمغني المقرب من البلاط العباسي، ومن بعده ابنه إسحق في بغداد. ولعل الوصف الأدق لما كانت تعنيه الموسيقى في ذلك الوقت، هو قول الجاحظ: "الموسيقى كانت بنظر الفرس أدباً وبنظر الروم فلسفة، أما بنظر العرب فأصبحت علماً".
"الموسيقى كانت بنظر الفرس أدباً وبنظر الروم فلسفة، أما بنظر العرب فأصبحت علماً"
ومع دخول العصر العباسي، كانت الموسيقى قد استقلت وتطورت كعلم وفن منفصل عن الشعر والغناء. ودرسها الفارابي وابن سينا والكندي وإخوان الصفا، وركزوا على جوانبها الفلسفية والرياضية بعد أن اطلعوا على كتابات أرسطو وفيثاغورس، وغيرهما من فلاسفة اليونان. ثم وضع الفلاسفة والعلماء العرب والفرس أكثر من [external_link destination=" "]مئتي [/external_link]مؤلَّف حول الموسيقى بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، انتقل بعضها إلى أوروبا، فألهمت الموسيقيين الأوروبيين في مطلع عصر النهضة، وعرَّفتهم إلى الألحان والآلات الموسيقية الشرقية. ولم يكتفِ الخلفاء الأمويون والعباسيون برعاية الموسيقى والغناء، بل تعلموا التلحين ونظموا الشعر وغنوه. فعُرف عن عمر بن عبد العزيز أنه لحّن الموسيقى، والوليد بن يزيد أيضاً لحّن وتعلم عزف العود وضرب الدف والطبل. وكان الواثق بن المعتصم مغنياً وملحناً. وكانت [external_link destination=" "]عليّة[/external_link]، بنت الخليفة المهدي وأخت هارون الرشيد، أشهر المغنيات في زمنها.

من هو أكثر الموسيقيين شهرة وتأثيراً في تاريخ الموسيقى العربية؟

يُعتبر زرياب،المولود في الموصل عام 789 والمتوفى في قرطبة عام 857، الأشهر والأكثر تأثيراً في تاريخ الموسيقى العربية. وقد تتلمذ على يدي إسحق الموصلي، كبير الملحنين والمغنين في قصر هارون الرشيد. لكنه اضطر إلى المغادرة بعد أن بدأ يستحوذ على اهتمام الخليفة، ويسرق الأضواء من أستاذه في بغداد. ظهرت آثار انتقال زرياب من بغداد جلية على حركة الطرب. فاستقراره في قرطبة عام 822 كان خطوة مهمة في نقل الفنون والعلوم الموسيقية، التي ازدهرت في عاصمة العباسيين ومكة والمدينة إلى الأندلس، ومنها إلى [external_link destination=" "]أوروبا[/external_link]. هناك، في قرطبة، أسس زرياب معهداً للموسيقى درّس فيه الغناء والتلحين والرقص، واستقبل طلاباً من مختلف مناطق إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإنكلترا. وازدهر الفن والأدب في الأندلس، وفيها نشأت الموشحات التي تمردت على قواعد الشعر العربي وأوزانه التقليدية. ومن الأندلس انتقلت الموشحات للشام، فغناها الناس في دمشق وحمص، وأجادها الحلبيون وطوروها، فعُرفت بـ"القدود الحلبية". وفي الأندلس ظهر الزجل الذي تحرر من القافية الشعرية الموحدة، وتميز بعدم التزامه بقواعد العربية الفصحى، وقربه من اللهجات العامية الدارجة.

ماذا يحدث للغناء حين تنشغل الأمم بالتحليل والتحريم؟

يقول إبن خلدون في مقدمته الشهيرة: "أول ما ينقطع في الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء". ففي العصور الإسلامية اللاحقة، خفت بريق صناعة الموسيقى مع ازدياد الانشغال بمسائل التحليل والتحريم. ولكن يعود الفضل للمتصوفة في الحفاظ على الإرث الموسيقي العربي والإسلامي وتطويره. إذ تقرّب المتصوفون للخالق وعرفوه عن طريق النغم، فأبدعوا على امتداد التاريخ الإسلامي غناءً ورقصاً وحلقات للذكر. عزفوا في تلك الحلقات موسيقى من الهند وتركيا والشام ومصر والمغرب، فأسهموا في إضفاء طابع مشترك على الألحان وأساليب الغناء الشرقي. وكسر الدراويش احتكار القصور للذة الموسيقى ومتعة الرقص. فأعطوها جانباً روحانياً، تحول مع الوقت إلى إرث شعبي أخذ صبغة البلدان التي تحتضنه. وما زال أثر الفن الصوفي حاضراً في تركيا ومصر وسوريا والمغرب، فيرقص "الدروايش" حتى يومنا هذا هناك، بردائهم الأبيض، رقصة "المولوية"، التي تحمل اسم طريقة جلال الدين الرومي.
يستمر خط الجدل حول حكم الطرب في الإسلام حتى اليوم، في معظم دول العالم العربي. لكن يوازيه الكثير من الإنتاج الموسيقي، الذي لم يعد مرتبطاً بمفهوم الطرب القديم فقط، بل أصبح أكثر انفتاحاً على ثقافات العالم، وعلى الثقافات المحلية في الوقت نفسه. وبقيت بعض الآلات عنصراً مشتركاً بينها، لعل العود أهمها. فاتخذ الطرب في مصر خطاً مستقلاً، تأثر به الطرب في بقية دول المنطقة، وفي سوريا، ولا سيما مدينة حلب، بعدما صار للطرب طابع آخر، وفي السعودية والعراق والمغرب.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard