سنة "1177" قبل الميلاد: لغز نهاية حضارات الشرق القديم

الاثنين 20 مارس 201702:59 م
جاؤوا من البحر، وبوصولهم انهارت ممالك وزالت حضارات، وانتهى معهم العصر البرونزي، هذه هي الرواية المثيرة لعام 1177 قبل الميلاد. ماذا يقول لنا التاريخ وغبار الآثار الباقية؟ خريطة الشرق القديم في العصر البرونزي المتأخر كانت تضم: مصر، والشام، والأناضول، وقبرص، وتكريت، واليونان، في فترة استمرت 5 قرون (بين عامي 1700 ق. م. و1200 ق. م.). حضارات عديدة ازدهرت في هذا المنطقة، ثم انهارت بشكل مفاجئ واحدة تلو الأخرى، باستثناء مصر، التي ضعفت وتغيرت. والسبب لا يزال لغزاً.

حضارات العصر البرونزي الثماني في الشرق القديم

قبل أن تبدأ قصة عام 1177 ق. م.، هذه نظرة سريعة على الحضارات الثماني التي ازدهرت في السنين الأخيرة للعصر البرونزي المتأخر، والتي اعتمدت على بعضها بشكل كامل أو جزئي: المصريون، والبابليون، والأشوريون، والكنعانيون، والميتانيون، والحيثيون، ومملكة قبرص، وأخيراً المملكة المينوية (اليونان). معظمنا يعرف هذه الفترة من أحداث وشخصيات شهيرة منها: رمسيس الثالث ورمسيس الثاني، وأشهر الفراعنة توت عنخ آمون. ونعرف من هذه الفترة أيضاً هجرة موسى، ومعركة قادش، التي دارت بين مصر أيام رمسيس الثاني والحيثيين في مدينة قادش قرب حمص السورية، هذه الحرب التي نتجت عنها أول معاهدة سلام وصلتنا مكتوبة، ومن هذا العصر أيضاً حرب طروادة، وفيها ازدهرت مملكة أوغاريت (في رأس شمرا، شمال الساحل السوري). [caption id="attachment_68231" align="alignnone" width="1024"]Main نقش نافر لرمسيس الثاني في معركة قادش، من جدران معبد أبو سمبل[/caption] لا تزال أسباب التغير الذي اجتاح المنطقة لغزاً، متى بدأ الانهيار وماذا حدث؟ ومع أننا لم نصل إلى جواب قاطع، فهناك عدد من النظريات التي حاولت تفسير ذلك الانهيار.

"غزاة البحر"

النظرية الأولى قدمها الباحث الفرنسي غاستون ماسبيرو في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر، وهي توجه أصابع الاتهام لمجموعات لقبوا بـ"شعوب البحر"، والنظرية تبسط تاريخ الغزو في تسلسل مباشر: سنوات قحط طويلة => أدت إلى تفشي المجاعات=> مما أجبر جماعات على الارتحال عبر البحر => ومنه غزو الشرق القديم => وبذلك تم قطع خطوط التجارة => وذلك تسبب بانهيار الحضارة في المنطقة. قلما يشهد التاريخ تغيرات أنيقة التسلسل، وواضحة النتائج، وهذه النظرية لا تختلف عن غيرها من التحليلات، التي تبحث عن جواب مبسط، وتفسير واضح لتواريخ معقدة. لكنها أيضاً، مثل غيرها من النظريات التبسيطية، تتكئ على جزء من الحقيقة. اعتمدت هذه النظرية على أدلة قوية: منها نصوص من المعبد الجنائزي لمدينة هابو في مصر الذي شيده رمسيس الثالث، خصوصاً نقش لرمسيس الثالث عن "تحالف" قوى خارجية في "جزرها"، لم تستطع أي مملكة "الوقوف في وجه جيوشها". في هذا النقش، يحدد رمسيس الثالث القوى المتحالفة ويسميها، إلا أن الباحثين لم يتوصلوا لجواب حاسم حول هذه الأسماء، والتكهنات تترجم الأسماء لممالك: سردينيا، وصقلية، وطروادة، وأخيون (اليونان) والفلستينيين.
جاؤوا من البحر، وبوصولهم زالت حضارات وتغير وجه الشرق القديم. هذه هي الرواية المثيرة لعام 1177 قبل الميلاد...
وهي معركة تبدو أنها دامت بضع سنوات، انتصر في نهايتها رمسيس الثالث في السنة الثانية عشرة لحكمه كما تخبرنا "بردة هاريس". وهي بردة طولها 41 متراً، فيها أطول نص وصلنا من مصر (1500 سطر) حفظت في قبر في مدينة هابو المصرية. فهل كانت غزوات البحر جزءاً من صراع الممالك؟ rp.pl كأحد أهم المختصين في تاريخ العصر البرونزي، يقدم إيريك كلاين بحثاً في هذه النظرية في كتابه "1177 ق. م. سنة انهيار الحضارة"، الذي يعطي هذه المقالة عنوانها. يرى كلاين أن "شعوب البحر" كانوا جزءاً من الأحداث وقتذاك، وربما كانوا ضحية وقائع المنطقة تلك، أو ربما كانوا جزءاً من المشكلة. لكن ليس لدينا سبب كاف أو دليل قاطع يبرر اعتبارهم سبباً لانهيار حضارات الشرق القديم. كذلك، ليس لدينا ما يكفي لنعرف بالتحديد: من هم غزاة البحر؟

غزوات أم ثورات داخلية؟

Looklex-Encyclopaedia من أهم مصادر معلوماتنا عن تلك الأحداث، رسالة من ملك أوغاريت إلى ملك قبرص، هنا نصها: "سيدي الوالد، لقد وصلت الآن سفن الأعداء، وهم يطلقون النيران على مدني، وقد ألحقوا أضراراً بأرضي. وأنت تعرف أن جنود مشاتي وعرباتي الحربية موجودة في خاتّيه، وكل سفني ترسو في موانئ أرض لوكّا. والجميع لم يصلوا بعد، وبالتالي فإن المملكة ستسقط في أيدي الأعداء. فهل لي أن أسألك يا والدي أن تهتم بمعالجة هذه المسألة. الآن هناك سبع سفن من سفن العدو توقع بنا أضراراً فادحة. والآن إذا جاءت سفن عدوة أخرى، أرجو أن تخبرني بطريقة ما، لأكون على اطلاع على ذلك". الرسالة لم تصل إلى ملك قبرص، والسفن التي تخوف ملك أوغاريت منها، جاءت ومعها كانت نهاية مملكته. ولدينا توثيق للدمار الذي حل في رسالة أخرى من ملك أوغاريت، كتب فيها: "عندما وصلت رسالتك، كان الجيش قد هزم وأذل، ونهب المدينة. وأحرق طعامنا على بيادر الحنطة، ودمرت كروم العنب. لقد نهبت مدينتنا!". في هذه الرسائل دليل واضح على أن غزواً حل بالبلاد، ولكن كيف لنا أن نعرف من هم هؤلاء الغزاة؟ وفي أي وقت بالتحديد حدث ذلك؟ وهذه أزمة تتكرر في علم الآثار، إذ يوجد ما يكفي لتوثيق دمار حل في مكان ما، ولكن لا توجد دائماً طريقة لمعرفة سبب الدمار، أو هوية المسؤولين عنه. قدم الباحث الاستثنائي ريس كاربينتر نظرية عما سماه "انقطاع" الحضارة اليونانية في العصر البرونزي، في كتابه عن اليونان الذي نشر عام 1966، اقترح فيها أن قحطاً قضى على الحضارة اليونانية عام 1200 ق. م. بالرغم من أهمية الكتاب، لم يكن بين يدي كاربينتر ما يكفي من الأدلة لتبني نظريته. وبعد نحو 5 عقود على صدور كتابه في 2011 و2012 خصوصاً 2013، بينت الأبحاث العلمية أنه بالفعل كان هناك قحط، وبشكل تقريبي بين عامي 1250 و1100 ق.م. ولأن هذه النظرية تركز على الجانب البيئي، وهو موضوع حساس في عالمنا اليوم، لاقت رواجاً واسعاً، خصوصاً عام 2013 حين استخدمتها وسائل الإعلام لتقارن ما حدث منذ 3000 عام بعالمنا اليوم، منذرة بكارثة مشابهة قد تؤدي إلى انهيار الحضارات البشرية لأسباب بيئية! ولكن، على الرغم من جاذبيتها، هل تكفي هذه النظرية لتفسير تغير خارطة العالم القديم بأكمله؟

"ألا تعلم أن هناك مجاعة في بلادي!"

Treaty_of_Kadesh التوصل لاستنتاجات عن حدوث مجاعات عن طريق الآثار ليس بالأمر السهل، إلا أن هناك نص رسالة من مملكة أوغاريت عن مجاعة في مدينة إيمار ("عنيزة" أو "مسكنة" اليوم، شرق حلب في سورية) عام 1185 ق. م. وهو يشبه نداء استغاثة، تقول الرسالة: "هناك مجاعة في أرضنا، وسوف نموت جميعاً من الجوع. وإذا لم تصل سريعاً إلينا، فسنموت نحن أنفسنا من الجوع. ولن تجد شخصاً واحداً حياً في بلادك". ورسالة أخرى من ملك أوغاريت تذكر أن الخيرات التي كانت وفيرة عنده قد نفدت وحلت محلها المجاعة. وكذلك هناك رسالة من ملك الحثيين تقول: "ألا تعلم بأن هناك مجاعة في بلادي؟" إنها "مسألة حياة أو موت".

هل تكون الزلازل سبب دمار الشرق القديم؟

استناداً إلى دراسات طوبوغرافية لمنطقة الشرق القديم، يعتقد كلاين أنه في غضون خمسين عاماً، من 1225 ق. م. 1175 ق. م.، حدثت زلازل دمرت عدداً من المدن في اليونان والساحل الشرقي للمتوسط، بعضها بني فوق "صدع" في قشور الأرض. فهناك آثار لهياكل عظمية تحت أبواب محطمة، أو لجدران وأسوار حجرية ملتوية، وغيرها، تشير إلى وقوع زلازل، فهل تكون الزلازل ضربت المنطقة في "سلسلة" متواصلة دمرت كل شيء؟

خطوط التجارة بين هذه الحضارات؟

العلاقات التي كانت تربط بين معظم هذه الحضارات، شملت تبادل بعثات دبلوماسية بين مراكز الشرق القديم، وربما أهم هذه العلاقات خطوط تجارة (بشكل أساسي البرونز: القصدير والنحاس، وهما مادتان مهمتان للمنطقة، كما تذكر الباحثة كارول بيل. إذ كان القصدير في العصر البرونزي يقابله بالأهمية النفط في عصرنا الحالي). فهل يكون لقطع طرق التجارة بين هذه الحضارات دور في انهيارها؟ ونحن بكل تأكيد نعرف عدداً من الحروب التي لعب النفط أساساً في نشوبها، واستمرارها أو فشلها، فهل لعب القصدير دوراً مماثلاً قبل 3000 سنة؟

ما نعرفه حتى الآن:

في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عام 1177 ق. م. أو بعده بقليل، ولفترة دامت 100 عام، تغيرت خريطة حضارات العصر البرونزي المتأخر، وتحول عالم الشرق القديم. ولأننا نجهل أسباب هذا التغير، لا يتفق العلماء على سبب واحد، ولا تعطينا الأدلة الملموسة أو المكتوبة ما يرجح سبباً على غيره. ولأن نهاية حضارات الشرق القديم تقدم على أنها "لغز"، فنحن نبحث عن جواب واحد يفك سرّ هذا التاريخ المعقد ويشرحه لنا. يرى كلاين أن الوصول إلى جواب أوحد قد يكون صعباً أو حتى مستحيلاً، وفي ما تتيحه لنا العلوم من أدوات للبحث، لن يكون لدينا جواب قاطع، على الأقل حتى نصل إلى طرق جديدة لقراءة الماضي. إن كان هناك "سر" لهذا الانهيار، فقد يكمن في حقيقة أن هذه الحضارات كانت مترابطة إلى حد كبير لدرجة أن انهيار إحداها قد يكون سبباً لانهيارها كلها. أي عامل من هذه العوامل التي وثقتها آثار ونصوص: قحط، ومجاعات، وزلازل، وغزوات وثورات داخلية، قد يكون سبباً في دمار واحدة أو أكثر من هذه الحضارات، التي بضعفها أثرت على بقية المنطقة، وسرّعت في انهيارها. يمكننا أن نستخدم عام 1177 ق. م. بشكل رمزي، على أنه نهاية الحضارات القديمة، ويمكننا أن نعلق كل تساؤلاتنا على "شعوب البحر" الغامضة، التي لا نعرف هويتها. لكن بعيداً عن التكهنات، فما نعرفه أنه في هذه الفترة تغير وجه الشرق القديم تغيراً شاملاً، وازدهرت فيه حضارات جديدة: الفينيقون والآراميون، والإسرائيليون واليونان، ومنهم عرفت البشرية الأبجدية، والديانات السماوية وأيضاً الديمقراطية. المصادر: كتاب "1177 ق. م. سنة انهيار الحضارة" للباحث إيريك كلاين.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard