الادخار في الإمارات بين الحقيقة والترف

الاثنين 1 أغسطس 201610:35 ص
عاملٌ مشترك وأساسي واحد يجمع بين المغتربين العرب في الإمارات: "عقد عمل مغرٍ"، أقنعهم بمغاردة بلادهم إلى ربوع هذه الواحة الحديثة البناء. منذ وصولك إلى أرض الإمارات، وبعد توقيعك عقد العمل لوظيفتك الجديدة، تختلط مشاعرك بين الحماس والقلق والضياع. تبدأ بطرح الكثير من الأسئلة حول المجتمع الذي ستصبح جزءًا منه، والمدخول المالي الجيّد، وأسلوب الحياة المرفّه. وسط هذه المشاعر المختلطة، يكون على الوافد الجديد إنجاز مهمات كثيرة، بين متطلبات السكن والقوانين المتّبعة لترتيب الحياة، مع دفع مبالغ مرتفعة نسبيًّا لإنهاء المعاملات، من ضمان للإيجار، وضمان للكهرباء والمياه، وضمان شركة التكييف، وشركة الغاز، وغير ذلك من الإجراءات... تنهال على الوافد نصائح من سبقوه، بضرورة "ضبّ اليد". يسمع الكثير من التجارب السيئة فيما يتعلق بالمعاملات المالية في الإمارات، من صعوبة ادخار، وقروض متراكمة، وبطاقات ائتمانيّة وصلت لحدها الأقصى، فيعد نفسه بأنّه سيكون مختلفًا عن البقية، وأنّه لن يحتاج إلى تلك الكماليات والحياة المترفة، وهو ينظر إلى سيارات وبيوت من سبقوه، ومستوى حياتهم المرفه.

غياب الادخار المنتظم

في واحدة من آخر الدراسات المسحية التي أجرتها شركة "الصكوك الوطنية" لقياس انتشار ثقافة الادخار في الإمارات، أجاب 69% من الأشخاص بالنفي، حين سئلوا عما إذا كانوا ادخروا بحسب ما خططوا له في العام 2015. بينما أعتبر 84% من المشاركين في الدراسة مدخراتهم غير كافية للمستقبل.
قد تبدو فكرة الادخار في الإمارات فكرة "سمجة" لمن جرب العيش في هذا البلد المغري، ولكنها ليست مستحيلة
30% فقط من سكان الإمارات لديهم مدخرات منتظمة، ويغرق الكثير من الوافدين الجدد بالديون والقروض
وفي دراسة مسحية أخرى أفاد 74% من سكّان الإمارات أنّهم لم يتمكنوا من الادّخار بشكل منتظم. كذلك أفادت الدراسات أن المقيمين العرب يشكّلون أقل نسبة فيما يتعلق بالادخار المالي مقارنة مع غيرهم من الوافدين الغربيين أو الآسيويين. وفي الملخص تُشير غالبية البحوث إلى أن 30% فقط من سكان الإمارات العربية المتحدة، لديهم مدخرات منتظمة.

ديون متراكمة

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، لماذا؟ في بلد يتمتع بمستوى مرتفع للدخل الفردي، لا تزال أغلب الدراسات تؤدي للنتيجة ذاتها: المقيمون ينفقون أكثر مما يدخرون، والغربيون أشد حرصاً على أموالهم. يلعب غلاء المعيشة دورًا هامًّا في الإجابة عن هذا السؤال، ولكّنه لا يمثّل سوى نسبة قليلة من الإجابة. يحيل المستشارون الماليون في هذا الإطار، إلى "التحذير" الذي أطلقته مجموعة "نيكزس"، أكبر شركة لوساطة التأمين في المنطقة. وجاء فيه: "يتبنى سكان دولة الإمارات العربية المتحدة نمط حياة فاخراً يتسم بالرفاهية، ويحصلون على قروض مبالغ فيها لدرجة العجز عن السداد والتعرّض للمخاطر المتنامية للديون الطويلة الأمد إذ يعد الاستخدام المفرط للبطاقات الائتمانية والقروض الشخصية "الجاني الأعظم" في هذه المعضلة". ويشار إلى أن الإمارات تحوي 67% من إجمالي ديون الأسر خليجيَّا، وفقاً لنتائج دراسة إقليمية صادرة عن "شركة الدراسات والأبحاث ستراتجيك أناليسيس". يعني ذلك أنّ المقيمين يعيشون بمستوى يفوق قدراتهم المالية، معتمدين في ذلك على سهولة التمويل، والخدمات المالية. بالطبع هذا الوضع لا ينطبق على المقيمين في الدول الخليجية الأخرى، ومنها على سبيل المثال قطر، التي تعتبر عاصمتها الدوحة الأغلى من حيث تكاليف المعيشة على مستوى الشرق الأوسط.

خيارات كثيرة

الإمارات العربية المتحدة وجهة سياحية حديثة تتميز عن محيطها الخليجي بمسحة ليبرالية جعلتها أيضًا مركزاً تجارياً متخماً بالخدمات والمقتنيات الاستهلاكّية العديدة. انتقل ميشال أبو راشد، ليعمل منتج أخبار في إحدى المحطات الإخبارية، منذ 6 أشهر من بلده لبنان، حاملًا معه مخططاته وتوقعاته المالية. وبالرغم من رضاه عن عقد العمل، لم يقترب حتى الآن من تحقيق أي ما يطمح إليه. فخلال الأشهر الستّة الماضية، راكم ديونًا بنحو 20 ألف درهم، وهو المبلغ الذي كان يجب أن يكون في حساب مدخراته وفقاً لمخططاته. يقول أبو راشد: "بالطبع بدل إيجار المنزل يلتهم النصيب الأكبر من التكاليف المعيشية، إلا أن صعوبة الحياة تكمن في كثرة الخيارات المتاحة، إذ تُفتح أمامك الكثير من الأبواب ليصبح باستطاعتك بلحظات أن تقتني أي شيء تريده، وأن تقود السيارة التي طالما تمنيت اقتناءها، وتسهر وتأكل في أفخم الأماكن. حتماً معظم هذه الأمور ستموِّلها من القروض أو البطاقات الائتمانيّة. وتكمن اللعبة هنا في القرار الذي عليك أن تتخذه بعدم الحصول على كل هذه الأشياء. وهو القرار الذي يصعب علي وعلى غيري". ويضيف: "يوجد نمط حياة أدنى من الذي أعيشه الآن، أستطيع أن أتبعه، وسيمكنّني من الادخار. إلا أن محفّزات التوجّه لنمط الحياة المرتفع كثيرة جداً. غالبية المقيمين العرب هنا لا يعيشون نمط الحياة الذي كانوا يتبعونه في بلدانهم. ولكني أعتقد أن الوقت عامل أساسي بتحسين هذا الوضع، فمدة عام ستكون كفيلة برجوعي إلى التوازن المالي والبدء بالادخار".

الوقت عامل أساسي

الفترة الزمنية تعد عاملاً فارقاً في تحديد القدرة على التحكم في الميزانية المالية للأفراد والعائلات المقيمة في الإمارات. أو هذا على الأقل ما يُسمع دومًا في النقاشات التي تدور حول الميزانية المالية أو بالأحرى ضياعها في الإمارات. ويبدو أن الفترة الأولى التي قد تمتد لعام أو أكثر تعدّ الأصعب، مع الالتزامات الكثيرة التي يحتاجها الوافد في البداية من السيارة إلى المنزل ومتطلباته. كما أنّ هذه الفترة تشكّل مرحلة الاستكشاف وإن صح التعبير "الانبهار" بما يمكن الحصول عليه بالراتب المرتفع، والبطاقات الائتمانيّة، والقروض التي يمكنك نيلها في وقت قد لا يتعدى الأيام المعدودة على أصابع اليد الواحدة. كذلك هناك عامل الضجر والوحدة والغربة وغياب العائلة، وهو ما يسيطر في البداية على مزاج أيّ وافد جديد، ليصبح التسوق مهربه المثالي. أمضى عمرو الببيلي 8 سنوات في الإمارات، جعلته أكثر تحكمًا وضبطًا للنفس فيما يتعلق بالميزانية. يعمل عمرو مديرًا للعمليات في إحدى شركات أنظمة الحماية منذ أن ترك بلده سوريا. وبالرغم من تمكّنه من ادخار بعض الأموال، فهو ليس راضيًا عنها. يقول الببيلي: "يبدأ الادخار بعد 3 إلى 4 سنوات من إقامتك في الإمارات حيث تنهمك في السنوات الأولى باكتشاف الخيارات المتاحة وتجربتها، وتتمتع بنمط الحياة المترف واقتنائك للعلامات التجارية التي لطالما اردت اقتناءها". ويضيف: "بعد فترة تصل لما أدعوه "لحظة الصحوة"، إذ تكون قد تعرفت وجربت العديد من الأمور. ثم تفكر بما تراكم عليك من ديون. وتفكر بمستقبلك التقاعدي الذي لا تأمنه أي شركة للعاملين فيها هنا... هل يستحق الأمر ذلك؟ وتدرك أن ما تصرفه من أموال ليس في الحقيقة ملكك. من هنا إما تتجه لأن تعدل ميزانيتك وتبدأ بسداد الديون والبدء بالادخار، أو تكون كفئة أخرى من المقيمين الذين يتركون ديونهم وسياراتهم المملوكة للبنوك ويهجرون الدولة. أو هناك النوع الذي يستمر في إغراق نفسه بالمزيد والمزيد من القروض للإبقاء على نمط الحياة نفسه إلى أجل غير معلوم".

نصائح للادخار رغم المغريات

عدم وجود خطة تقاعد أو تأمين اجتماعي من أي نوع للعاملين في الإمارات، يجعل الأموال المدخرة صديقهم الأفضل للمستقبل. هنا نصائح لمن يجدون صعوبة في الادخار:

1. وفر بالمبالغ الصغيرة

بالرغم من كونها مبالغ قليلة وقد تشعر بأنها ليست ذات أهمية، فإن الحد من هذه المصاريف غير الضرورية يوفر عليك مبالغ ضخمة على المدى الطويل. على سبيل المثال، تناول الطعام في الخارج دائماً هو عدوك الأول. استبدالك لذلك بالطعام المعد في المنزل يوفر على ميزانيتك على الأقل نحو ألفي درهم شهريًّا. وقس على ذلك جميع المصاريف التي بإمكانك الاستغناء عنها، من فنجان قهوة يمكنك إعداده في المنزل إلى اشتراك في نادٍ، بميزات لا تختلف عن الصالة الرياضية المرفقة بمكان سكنك.

2. البطاقات الائتمانية

من المهم جداً أن تكون أنت المستفيد من البطاقات الائتمانية وليس العكس. وهذا يعني أن لا تستخدم البطاقة في الشراء إلا لدى الضرورة، وأن تسدّ 100% من المبلغ المتراكم عليك شهرياً. وذلك يمنع تراكم الفوائد وبالتالي تستفيد أنت من النقاط التي يمكنك تحويلها لرصيد لاحقًا جراء استخدامك البطاقة، ولا يستفيد المصرف من تحصيل فوائد على المبالغ.

3. لا تنجرف في التسوق

من المهم جدًّا التحكم بهذا الموضوع، ومن أهم الأمور أن لا تتسوق إلا في وقت رواج "التخفيضات والعروض"، التي توجد بكثرة في الإمارات، ويبقى عليك استغلالها.

4. حدّد أهدافك

ضع أهدافاً مالية بعيدة المدى وأخرى قصيرة المدى لتحقيقها. الهدف البعيد قد يكون مشروعًا خاصاً تسعى لإنشائه، أو منزلًا تودّ أن تشتريه في بلد ما. ثم ضع أهدافاً شهرية وسنوية قصيرة المدى للمبالغ التي عليك ادخارها لتحقيق ذلك.

5. خطة ادخار... مهما كانت صغيرة

سجل في إحدى خطط الادخار، لا تؤجلها وتقنع نفسك بأنك لن تبقى في الإمارات طويلًا. التزم مع المصرف الذي تتعامل معه أو غيره بخطّة استثمار أو ادّخار شهرية، فيقتطع المبلغ المطلوب شهريًّا من راتبك. هذه الخطوة تحدث فرقًا كبيراً.

6. استثمر في السكن

هنا حيث لن تدخر، ليس المقصود بالطبع أن تستأجر فيما يفوق طاقتك المالية. ولكن المنزل المريح يجنبك الكثير من الأوقات خارج المنزل. وبالتالي يجنبك الكثير من إهدار المال بغير جدوى.

7. اكتشف الوجه الآخر

أينما كنت تسكن في الإمارات، فهناك العديد من الأمور الممتعة التي يمكنك فعلها بتكاليف قليلة، منها النشاطات والمعارض الثقافية والفعاليات الترفيهية على الشواطئ المجانية...
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard