لبنان في مهبّ العنصرية: وطني قبل الغريب

الثلاثاء 5 يوليو 201604:32 م
ستارةٌ سوداء تظلّل المشهد، صوتٌ بعيد يقرع ويتصاعد. أستيقظ كالعادة، بعينٍ مغلقةٍ وأخرى لا تقوى على النّظر بعد حتى. صوت دق الأخشاب في وُرَش البناء المحيطة بمنزلي، ممزوجٌ بصوت الباعة المتجولين، وموتورات جرّ المياه، أرجع المنبه للجارور، أحلق ذقني وأمضي إلى العمل، ككل يوم. زحمة السير قاتلة، يدخل لبنان نحو 5000 سيارة شهرياً، وتمشي كلها أمامي لتأخّرني عن العمل! أرقام لوحاتها تتوزع بين بيروت والشمال وجبل لبنان، ودمشق وحلب ودرعا. بينما أنتظر تحرك السيارات، فتح جاري في الزحمة شباكه وبدأ يحدثني عن الزحمة، وعن اللوحات السورية التي غزت شوارع المدينة. السيارات السورية سببت زحمة السير، زادت نِسب التلوث، هددت المخزون النفطي، وزادت الطلب على المحروقات. جار الزحمة عرف سبب محنتي منذ 9 سنوات. السيارات واللاجئون السوريون هم السبب الرئيسي لزحمات السير، حتى قبل أن يأتوا إلى لبنان إذا اعتمدنا نظرية الرجل. الحكومات المتعاقبة بريئة من تهمة سوء التنظيم وغياب التخطيط، كما إهمال النقل العام وتهميشه، حتى فقد المواطن الثقة فيه وما عاد يستخدمه غير قلة. حافلات النقل العام عمرها أكثر من 20 سنة، وقطاع النقل الخاص منفلت، يحدّد التعرفة كيفما شاء. زحمة السير اليومية بطبيعة الحال سببها غياب التنظيم والتخطيط، لا اللاجئ، يتحدث جاري، وأنا أومئ برأسي، كأنني أتفاعل معه، بينما أنظر خلفي في المرآة، هل سيفجّر أحدٌ نفسه، هل السّيارة التي تطلق عنان بوقها خلفي مفخخة؟ أم التي أمامي؟ من يضمن أصلاً أن الطريق آمن؟ على الطريق يصطف لاجئون، مهددون بالموت حالهم كحالي، ربما من شخص يحمل جنسيتي أو جنسيتهم، لكنه اختار أن يكون إرهابياً وأحرق جنسيته، تخلى عن إنسانيته قبل أن يتخلى عن جنسيته.
السيارات السورية سببت زحمة السير، زادت نِسب التلوث، هددت المخزون النفطي، وزادت الطلب على المحروقات!
“الناسا تجري دراسات حول وجود حياة على المريخ، بينما أنا أصعد الدرج لأن لبنان بلا كهربا”، والحق طبعاً على اللاجئين
أصل إلى مقصدي، أراجع أجندتي، اليوم لا كهرباء في المبنى، يعني أن الدّرج هو وسيلة الوصول إلى المكتب لا المصعد، أودع المصعد على أن أستخدمه في اليوم التالي. نعيش في القرن الحادي والعشرين، الناسا تجري دراساتٍ حول إمكانية وجود حياةٍ على المريخ، اليابان طوّرت سياراتٍ طائرة، والأطراف الاصطناعية شابهت الطبيعية في أدائها، بينما أنا أصعد الدرج لأن لبنان بلا كهرباء. كان من المفترض، وبحسب خطة وزير الخارجية الحالي، وزير الطاقة السابق جبران باسيل، أن ينعم لبنان بتغذيةٍ كهربائيةٍ 24\7 في خريف 2015، بعد صرف مليارات الدولارات منذ عام 1992 على القطاع. لم تحل المشكلة لليوم وباسيل، كما الكثيرين، عزوا سبب الفشل في تأمين التيار لوجود مخيماتٍ للاجئين، تستهلك البنية التحتية، وتتسبب بضعف التغذية. يبدو أن العنصريين يعولون على الشعب وذاكرة السمكة، يمننون النفس بنسيان الشعب وعود باسيل، فنيش، بيضون، نظاريان وغيرهم من الوزراء المتعاقبين على وزارة "الشفط". لعب هؤلاء على قاعدة "الحق عالطليان" لن يمر لسوء حظهم، فالتغذية تتراجع باستمرار. يجب منع شاكيرا من الغناء، وميشال تامر يجب أن يحاصر في مخيم للاجئين بدل حكم الأرجنتين، ومايكل دبغي، وكثٌرُ لا مكان لهم في زحمة مواطني البلدان الأصليين، التي يسكنونها هم. أدب أمين معلوف لا قيمة له ما دام هو لاجئاً، ثروة كارلوس سليم وأعماله لا تعني شيئاً إذا عممنا التعريف العنصري المعتمد في لبنان من قبل البعض. لكن الأشخاص أنفسهم، الذين يحاربون اللاجئين السوريين، ويطالبون بالتضييق عليهم وحصارهم، بمنع تجوالهم ومراقبة شققهم، يتسابقون لمصافحة أجنبي من أصلٍ لبناني، ويقيمون المهرجانات والحفلات له. المفارقة لا تكمن في التعامل مع اللبناني فقط، بل حتى السوري الثري، له مكانةٌ خاصةٌ في قلوبهم. يجهل هؤلاء أن أميركا يسكنها اليوم غير سكانها، أن نادي بوكا جونيورز مثلاً أسسه إيطاليون مهاجرون إلى الأرجنتين، وأن أبرز الشركات التجارية في لبنان والمصارف أيضاً أسسها فلسطينييون وسوريون. بعد تفجيرات القاع الإرهابية، دعا البعض لترحيل اللاجئين، وعبر عن حقدٍ متساوٍ على الفلسطينيين والسوريين تحت شعار "حقوق المسيحيين"، يبدو أنه نسي أن المسيح من النّاصرة - فلسطين، ومار مارون من سوريا. المشكلة ليست في اللاجئين، بل بالمسبب للجوئهم، وعودتهم إلى وطنهم بحاجة لخطط ومناطق آمنة، تتوفّر فيها أبسط مقومات الحياة الإنسانية، والعمل أيضاً لبنانياً على ضبط الأمن وتفعيله، لحماية سكان لبنان جميعاً، من مواطنين ولاجئين. الخطاب العنصري يزيد من التطرف، والممارسات العنصرية ستدفع بعض اللاجئين وغيرهم من المتعاطفين، لا محالة، إلى أحضان المتطرفين والإرهابيين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard