الأخوات المسلمات في مصر... أين ذهبن وكيف اختفت خلاياهنّ؟

الاثنين 16 مايو 201605:20 م

لطالما أثار نشاط العنصر النسائي في جماعة "الإخوان المسلمين" حفيظة المصريين، نظراً لدينامية تحركاتهن واختلاطهن بالرجال وممارستهن للسياسة بكل جد وحماستهن في الدفاع عن التنظيم. إلا أن هذا البريق يكاد يكون قد انطفأ بشكل تام حالياً. فالآن، لا وجود لـ"الأخوات المسلمات" على الأرض، على الأقل ظاهرياً.          

وعن أسباب اختفاء الأخوات المسلمات وأدوارهنّ الحالية، قالت الدكتورة وفاء مشهور، ابنة مرشد الإخوان السابق مصطفى مشهور، والقيادية الناشطة بقوة على مدار تاريخ الجماعة، وعضو مجلس الشعب إبّان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي: "لظروفي المتعددة لم أتمكن من التواصل مع أحد حتى يمكنني أن أجيب عن السؤال".

وروت لرصيف22 أنها كانت تدير مجمع مدارس كبيراً في أسيوط، مضيفةً: "أسسناه بأيدينا وأموالنا، وعملت فيه 38 عاماً، وقد طردنا منه النظام بالقوة واستولى عليه بالسلاح، ومذّاك الوقت وأنا ألزم بيتي ولا أتواصل مع أحد".

أما عايدة قاسم، القيادية الإخوانية التي سافرت خارج مصر عقب فض اعتصام رابعة الشهير، وزوجة القيادي الإخواني وعضو مجلس الشعب خلال فترة حكم الجماعة المهندس أشرف بدر الدين، فقالت: "الأمر في منتهى الصعوبة، حتى أني أظنّ أن النشاط متوقف".

وأضافت لرصيف22: "لا أدّعي أنّي ملمّة بما يحدث، فالظروف تجعل من الصعب التواصل إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك". وتابعت: "الأخوات في الداخل أكثر درايةً بما يحدث منّي، لكن ما أعرفه جيداً أن النشاط منصب في خدمة أسر المعتقلين والشهداء لحاجتهم الماسة، وهم الأولى بجهود أبناء الجماعة".واستطردت: "العمل المجدي حالياً هو استمرار الثورة، وما من أسرة إخوانية إلا وفقدت شهيداً أو تئنّ لغياب معتقل وتعاني مرّ المعاناة لزيارته، عدا أنها تخشى الاعتقال والبطش بها".

أسئلة كثيرة تُطرح في ظل الواقع الحالي: هل يعكس غياب الأخوات المسلمات عن المشهد المصري خوف الجماعة بشكل عام والأخوات بشكل خاص من النظام أو "بطش الشرطة"، بحسب تعابيرهم؟ أم هو تستّر على مخطط تنظيمي بديل يُعيد التنظيم إلى حكم مصر من جديد؟ أم أن الجماعة ضعفت وهزلت بعد كل ما حدث فاستسلمت للظروف؟

دور الأخوات سابقاً 

لفهم غياب الأخوات عن المشهد العام حالياً، من المفيد العودة إلى أدوارهنّ السابقة لفهم مدى التغيّر.

رسمت رشا عمر، 33 عاماً، أدوار الأخوات، وروت لرصيف22 أن "الجماعة منذ نشأتها اعتادت العمل في الخفاء وفي ظل مطاردة أمنية، لكننا دوماً استطعنا التغلب على ذلك". وتابعت أنهنّ كنّ يلتقين في المساجد وحلقات الذكر أو يجتمعن في منزل إحداهنّ، وشرحت أن نشاطهنّ كان مقسماً بين:

  • لجان البر: ودورها حصر الأسر الفقيرة وتقديم إعانات شهرية لها، وكفالة اليتامى، وتأمين العلاج للمحتاجين، وتوزيع حصص غذائية في الأعياد والمناسبات الدينية، وتجهيز الفتيات غير القادرات على الزواج
  • الشق الخدمي والمجتمعي الذي تمثل في اهتمامهنّ بالمرافق وخاصة الخدمات التعليمية وإقامة مسابقات تشجيعية للمتفوقين ومحو الأمية.
  • العمل السياسي، وتمثل في زيارة المنازل والتعريف بمرشحي الجماعة وشرح برامجهم الانتخابية والحشد لهم، ومتابعة سير الانتخابات وتمثيل المرشحين في اللجان، و"في فترة الثورة شاركت الأخوات جنباً إلى جنب مع الرجال في الاعتصامات والوقفات والمسيرات"، قالت عمر.

ولكن الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد بان يشبّه دور المرأة داخل الجماعة بـ"عمود الخيمة أو الوتد، شأنها في ذلك شأن المرأة المصرية عامة. فهي تُذكر وقت المغارم وتنسى وقت المغانم"، واعتبر أنه "ليس أدلّ على ذلك من عدم تغيير مسؤول النساء في الجماعة، محمود الجوهري، لمدة 50 عاماً"، لافتاً إلى أن "الجماعة تداركت تجاهل العنصر النسائي ووعدت بلائحة خاصة بها إلا أن التطورات السياسية لم تمهلها لتنفيذ ذلك".

وأوضح بان أن "القاعدة العظمى من الأخوات معلمات، حتى أن التنظيم خصّص قسماً لهنّ، وكنّ يقمن بأدوار هامة من التربية والحشد للجماعة".

وأشار إلى "تصدّرهن للتظاهرات عندما غاب الرجال خوفاً من الأمن أو بسبب الاعتقال، وكان ذلك جلياً في الفترة التي تلت ثورة يناير وحتى بعد عزل (الرئيس المصري الأسبق) محمد مرسي لفترة ليست قليلة".

زمن يناير الذهبي

كانت الفترة ما بين ثورة يناير 2011 وإقصاء الإخوان عن الحكم في 3 يوليو 2013 أفضل فترة لعمل إخوان مصر في العقود الأخيرة.

وقالت رحمة أحمد، 28 عاماً، مدرسة ومدوّنة إخوانية شابة، إنه "بعد ثورة يناير، كانت الأوضاع أكثر من رائعة. ساد مناخ غير محدود من حرية التحرك والنشاط". وشرحت لرصيف22: "كنّا نجتمع في حلقات بالمساجد أو بمنزل إحدى الأخوات، وننظم المسابقات الدينية والتعليمية وحتى الفعاليات السياسية من زيارات للناس لإقناعهم بانتخاب ممثلي الجماعة وتعريفهم بالبرامج الانتخابية. وكانت أعمال البرّ ولا تزال النشاط الرئيسي".

وأضافت: "كنّا نتحدث ونتحرك بانفتاح ودون قلق أو خوف، واستمر الحال كذلك بالطبع في ظل حكم الرئيس الدكتور محمد مرسي، بل بلغ ذروة لم نكن نحلم بها".

وقالت رشا عمر إن الفترة بين ثورة يناير وبين "الانقلاب"، كما تسمّيه، "كانت أفضل فتراتنا على الإطلاق. لم نعد مطاردين للمرة الأولى، وبتنا نعمل نهاراً وجهراً، ونجتمع في المساجد والمنازل والمقارّ، ونتحدث في السياسة وشؤون المجتمع".

يوليو 2013 و"نكسة الإخوان"

وقارنت رحمة أحمد بين النشاط خلال عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك حين كانت الأخوات يعملن بـ"سرية تامة" وبين فترة ما بعد 3 يوليو لا بل قالت: "خلال عهد مبارك، على الأقلّ كنّا نتمكن من التحايل على الظروف وكان هنالك تعاطف شعبي معنا. ولكن في ظل الانقلاب تعرّضنا للظلم والكراهية والعنف المفرط وغير المبرّر".

وأشارت إلى "أن الأخوات أصبحن ينمن بملابس كاملة وبخمرهن خشية اعتقالهن في أي وقت. وبعض الأسر المهددة تنام في "ورديات أو شفتات" فتنام الأم وبعض الإخوة ثم يستيقظون ويتبادلون الأدوار".

وروت أن والدتها مدرسة تعرّضت للنقل بسبب وشاية ملفقة ادّعت أنها تتحدث داخل الفصل الدراسي في شؤون السياسة، وعلّقت: "الجميع يعلم أن هذا لم يحدث لكن لا أحد يستطيع الدفاع عن إخوانية، فهذا الانتماء صار تهمة بنظر الكثيرين".

ولفتت رشا عمر، وهي تعمل مدرسة، إلى أنه "بعد مجزرة فض اعتصام رابعة، لم يعد هنالك من أسرة إخوانية ليس فيها شهيد أو معتقل. هذه الأحداث المتتالية زلزلت الجماعة. ولولا بقية ثقة وإيمان في عقيدتنا ومبادئنا لانهارت الجماعة تماماً".

رفض مجتمعي للإخوان

رغد محمد (اسم مستعار) هي أخت منذ نعومة أظافرها، أكّدت أن نشاط الأخوات متوقّف نتيجة للرفض المجتمعي للإخوان، لافتةً إلى أن الجماعة تقوم فقط بأعمال البرّ على نطاق ضيّق لمَن يلجأ إليها لكنها لم تعد تبادر.

وأكّدت رشا عمر أن "التضييق الأمني مهما كانت حدته لم يكن يوماً عقبة أمامنا. ولكنّ الأزمة الحقيقية هي في التفرقة المجتمعية التي أحدثها الانقلاب. الناس كرهوا الجماعة وفقدوا الثقة بها بسبب كمّ الأكاذيب والسموم التي روّج لها إعلام الانقلاب".

وأشارت إلى أنه "في البداية، كنا نستبسل في الدفاع عن أنفسنا. ولكن بمرور الوقت أصاب الكثيرات منّا الحزن والإحباط، وأصبحنا نصمت، فقد أدركنا أن الوقت وحده سيصوّب تلك المفاهيم المغلوطة".

في جعبة عمر الكثير من القصص التي تدلّ على ما تتعرّض له الأخوات من ظلم على يد الناس العاديين.

تحدّثت عن "نظرات الجيران وافتعالهم المشاكل"، وعلّقت: "إنه لأمر موجع حقاً أن يظلمكِ أولئك الذين يعرفونك عن قرب. جارتي وعشرة العمر اتهمتني بالخيانة والعمالة وكراهية البلد وهي لم ترَ منّي مكروهاً يوماً. لم أدافع عن نفسي. انتظرت إلى أن وقعت في أزمة ولجأت إلي. وعندما ساعدتها عادت علاقتنا وأدركَت أنها كانت مخطئة".

وروت قصة صديقة لها تبلغ 45 عاماً من العمر وزوجها معتقل، وحدث أن "دفع جيرانها الأطفال الصغار لرميها بالحجارة في الشارع، وعندما حاولت نصح الأطفال تطاول عليها أحد الرجال وضربها وخلع عنها خمارها وأحدث جرحاً برأسها استلزم ستّ غرزات لعلاجه".

وتابعت بأسى: "أن تعيشي كـ"أخت" لم يعد أمراً يسيراً. أمشي في السوق فيستفزني الباعة بعبارات مثل: كله ببلاش عشان (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي، كُل وغيظ الخرفان".

وروت قصة ابنة خالتها وهي ليست إخوانية لكنّ أهل والدتها إخوان، وبرغم ذلك، فُسخت خطبتها لخشية أهل العريس من أن يلحق بهم ضرر بسبب أقارب العائلة.

هي نفسها فُصلت من وحدة القراءة التابعة لوزارة التعليم مع أن عملها فيها تطوّعي وذلك بتهمة الانتماء للجماعة. وقالت: "مجرد انتمائك للجماعة أصبح رخصة للآخرين باغتصاب حقوقك بل التعدي عليك دون محاسبة. ولا أحد يدافع عن "إخواني" كي لا يتهم بالانتماء إلى جماعة تُعتبر إرهابية".

غباء تنظيمي؟

رغد محمد تبدو حانقة من الوضع الذي آلت إليه الجماعة، وقالت لرصيف22: "الإخوان ليست لديهم أيّة رؤية أو مخطط واضح أو خفي. هنالك سوء تنظيم يصل حد الغباء. مارسنا السياسة خطأً. صعدنا كرسي الحكم حظاً، وتلقينا ضربة قاسمة من الخصم".

وبرأيها، "ما إن وصلنا سدة الحكم حتى انشغلنا بتوزيع المناصب على كل مَن هبّ ودبّ وبررنا ذلك بأننا الأصلح والأكفأ. فعلنا ما كان يسعى مبارك إلى فعله، فقد ورّثنا أنفسنا البلاد".

واستطردت ابنة الثلاثين عاماً بالقول: "لا أشك في المقصد النبيل الذي فعلت به القيادات هذا. ظنّوا أنهم سيقضون على الفساد هكذا وسيضمنون ولاء جميع الهيئات. لكن الحقيقة أن كوادرنا لم تكن جاهزة لإدارة بلد بحجم مصر، فكان من الطبيعي أن يسخط علينا الجميع".

تعليمات بالاختفاء؟

"التنظيم لم يعد كما في السابق"، قالت رشا عمر مضيفةً: "أغلب القيادات والشخصيات المعروفة مطارَدة أو منعزلة بسبب التضييق الأمني وتجمعاتنا محدودة داخل المنازل. أما أمور السياسة والتخطيط فليس مسموحاً لنا التحدث فيها. فقط تأتينا تعليمات بالمشاركة أم عدم المشاركة في الفعاليات والمناسبات السياسية".

وبرأيها، " إن الحل يكمن في التربية السليمة. لقد انشغلنا بالسياسة عن تنشئة الأجيال فحدث ما حدث. لا ألوم الجماعة. يكفيها نبل المقصد والهدف".

وشرح أحمد بان أنه بعد اشتداد التضييق على الإخوان، "صدرت تعليمات تنظيمية غير معلنة للأخوات بالاختفاء من المشهد والفعاليات السياسية والاحتجاجية بشكل تام".

وعلّق: "ربما حدث ذلك لإدراك متأخر بعدم جدوى الاستمرار، أو رأفةً بهنّ من المعاناة، أو ربما للعب دور آخر أكثر أهمية. الأسباب غير واضحة بشكل كافٍ".

وختم أن "استمرار غلق الأفق السياسي سيسمح للتنظيمات السرية بالرواج والانتشار وسيقوّي الجماعة لأن تاريخها كله صنعته في السر، أما العمل في العلن فسيُظهر ضحالة الفكرة وضعفها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard