حلب تحترق وجنون في مواقع التواصل الاجتماعي

الخميس 23 يونيو 201606:53 م
غاب الداخل السوري عن الساحات الإعلامية، نحو شهرين، بعد الهدنة التي وقع عليها طرفا الصراع الرئيسيان، برعاية أميركية روسية مشتركة، في 27 فبراير الماضي. لتعود الكارثة إلى أوجها من الشمال السوري في حلب، مع 200 قتيل من المدنيين تقريباً، وعشرات الفيديوهات الدامية الواردة من ثاني أكبر مدينة سورية، في أقل من أسبوع، في ما يعد الاختراق الأكبر للهدنة الموقعة منذ بداية تنفيذها. التصاعد الأخير لأرقام القتلى، في الساعات الأخيرة، وصل حداً لم يحتمله ناشطو المجتمع المدني، ومواقع التواصل الاجتماعي، ما دفعهم إلى بدء التحرك نحو المطالبة بتدخل قوات دولية لوقف العنف. فالحصيلة في أقل من 24 ساعة، وصلت إلى 20 قتيلاً ومئات الجرحى، في قصف على مستشفى القدس، في حي السكري الواقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، الأربعاء 27 أبريل. و35 قتيلاً آخر في القصف الجوي، في اليوم الذي يليه، و22قتيلاً في أحياء الأشرفية والميدان وساحة سعدلله الجابري، الواقعة تحت سيطرة النظام، نتيجة قصف مدفعي، وقذائف الهاون من قبل جبهة النصرة في اليوم نفسه.

من تحت الأنقاض

الفيديوهات الواردة من حلب في الأيام الأخيرة، تنبئ بتفاقم سوء الوضع الإنساني في المدينة. في مجموعة من الفيديوهات المسجلة للصحافي هادي العبدلله من المناطق الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة وبعض الفصائل المسلحة الموالية لها، ظهرت مجموعة من اللقطات التي تداولها ناشطو الـSocial Media، على أنها الأعنف منذ مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في دمشق أغسطس 2013. من تحت الأنقاض، يحاول أب حلبي انتشال ابنته بعد قصف الطيران الحربي أحياء الكلاسة وبستان القصر، التابعة للمعارضة، لكنه لا يجدها، ويصرخ باكياً أنه من المستحيل أن يجدها. وتزدحم الفيديوهات الأخرى بمشاهد الرجال الباكين على بيوتهم وعائلاتهم. وبين الصرخات الغاضبة المهددة بالثأر ورد الحق، والصرخات المستغيثة من المجتمع الدولي، تمكث مدينة كاملة مهدمة تماماً، يفوق دمارها العمراني، كل ما آلت إليه حال الدمار في المدن السورية الباقية مجتمعة تقريباً، إذا لم نضف إليها مدينة حمص. من ناحية أخرى، نشرت قناة روسيا اليوم، فيديو بعنوان "قصف جبهة النصرة على الأحياء السكنية في حلب"، الخميس 28أبريل، يظهر فيه حي بستان القصر، وحرائق كبيرة في البيوت السكنية، وانتشال للجثث من تحت الأحجار المكومة. لكن حي بستان القصر يقع أصلاً تحت سيطرة المعارضة السورية، ما أثار جدلاً أكبر حول دقة نقل الخبر والمصداقية والتهويل في الصورة الواصلة إلى الناس خارج حلب. وأشارت وكالة الأنباء السورية سانا، قبل ذلك إلى 14قتيلاً بينهم طفلان، وعشرات الجرحى في قصف لجبهة النصرة على أحياء الميدان والأشرفية ومحيط ساحة سعدالله الجابري والقصر البلدي.

تراشق الاتهامات الروسي الأميركي

أدانت الولايات المتحدة قصف الطيران المتواصل على أحياء حلب، خصوصاً قصف الطيران الحربي، لمستشفى القدس المدعوم من منظمة أطباء بلا حدود العالمية. فالمستشفى يحتوي أصلاً على عشرات الجرحى، الذين تعرضوا لإصابات جراء القصف الحاصل مسبقاً. وقتلت الغارة محمد معاذ، طبيب الأطفال الوحيد في الجانب المعارض من حلب، ووصفت الحكومة الأميركية الأمر بأنه "مستهجن"، داعية روسيا إلى استخدام نفوذها للضغط على حكومة دمشق، لوقف الهجمات. نفت روسيا بدورها مسؤوليتها عن قصف المستشفى، أو عن القصف الأخير. وأكدت وزارة الدفاع أن السلاح الجوي الروسي لم يقم بأي تحليق فوق حلب في الأيام الأخيرة. لم ينته الأمر باتهام ذي اتجاه واحد، بل رد الطرف الروسي الاتهام، إذ قال الناطق باسم وزارة الدفاع إيغور كوناشينك.: "لدى الوزارة معطيات تفيد بأن يوم 27 أبريل ظهرت في سماء حلب لأول مرة بعد فاصل زمني طويل، طائرة تابعة لإحدى دول التحالف الدولي ضد تنظيم داعش".

انفلات كامل للطرفين

على عكس التوقعات الكثيرة قبل الهدنة المطبقة في سوريا، حافظ الطرفان بشكل نسبي إنما كبير، على ضبط النفس ضد تجديد القتال في الكثير من المناطق السورية. خصوصاً في دمشق، فشهدت مدن سورية عدة هدوءاً كبيراً لنحو شهرين. وقد حدثت بعض الخروق للهدنة، إلا أنها كانت تعتبر بسيطة، ويمكن السيطرة عليها، في مناطق لا تعتبر بالأهمية الاستراتيجية نفسها مقارنة بحلب. حين بدأ الخرق الأكبر للهدنة في حلب، شهدت المدينة تفاقماً هائلاً للانفلات وبزمن قياسي، ويرد ذلك حسب بعض المحليين السياسيين المعارضين للنظام، إلى انسحاب وفد المعارضة السورية، وتجميد الحوار في معاهدات السلام الحاصلة في جنيف، الأسبوع الماضي. إذ يعتمد النظام السوري والطرف الداعم له، محاولة قاضية، في إرجاع المعارضة إلى طاولة الحوار. أما الطرف الآخر، فيعتبر أن خرق الهدنة بدأ في طرف المعارضة، وتحمل كل من جبهة النصرة والكتائب المقاتلة في صفها، المسؤولية الكاملة، لهذا الرد العسكري السوري الطبيعي، على خرقهم الهدنة، وإمطارهم الأحياء السكنية المؤيدة بالقذائف.

على العالم أن يتحرك

تحذر مجموعة العمل الإنسانية، التابعة لهيئة الأمم المتحدة، من أن التدهور الكارثي في حلب خلال اليومين الماضيين، يعرض خط الإمداد الذي يوصل المساعدات الإنسانية، إلى ملايين السوريين، للخطر. وأعلنت منظمة الصليب الأحمر الدولية، أن الوضع في حلب بات مأسوياً، ويقترب من حافة الكارثة الإنسانية، بسبب استمرار العمليات القتالية حول المدينة. وأشارت إلى أن المدينة تعرضت لدمار هائل، بما في ذلك مرافقها العامة ومنشآت البنية التحتية، ما تسبب في حرمان السكان من الكهرباء والماء، منذ شهور طويلة. ويحاول الناشطون السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، لفت انتباه العالم إلى مدينتهم المنكوبة، في محاولة لإنقاذ من تبقى من الناس، ما دفعهم إلى إطلاق Hashtagوسم #Aleppo_is_burning. وغيّروا صورهم الشخصية على حساباتهم في موقع Facebook لتتوحد جميعها باللون الأحمر، في حملة لوقف العنف الهائل المطبق على المدينة في الأيام الأخيرة. ويشارك ناشطون آخرون تحت الوسم نفسه فيديوهات القصف، كما فيديوهات قديمة لثوار مدينة حلب القديمة، يغنون ويعيدون أغاني قديمة من الثورة السورية بدايات عام 2011، لدفع أهل الثورة، للمشاركة في التصرف نحو ما يحدث في حلب. ويقترح ناشط سوري آخر، حلاً يشابه حل راشيل كوري، ناشطة حقوق الإنسان التي استشهدت في غزة بدهس جرافة إسرائيلية. فيقترح بأن يذهب الناشطون السوريون المقيمون خارج حلب إلى المدينة بالمقاومة المدنية، والتطوع في صفوف الدفاع المدني، المجموعة الحلبية العاملة في إنقاذ المدنيين، التي ترشحت لجائزة نوبل للسلام عام 2015.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard