لماذا يحتقر المثقفون العرب عامة الناس؟

الثلاثاء 10 مايو 201610:17 ص

"أنا ماستعناش أكلمك أصلاً"، بهذه الجملة وصف لي أحد الأصدقاء من مصر موقف المثقفين العرب تجاه عامة الناس. كنت أتحدث إليه لأتعرف على رأيه في بعض الأحداث السياسية الجارية، فأخبرني أنه كثيراً ما ثبت له مع الزمن أن آراء المثقفين في ما يحدث حولنا كانت صحيحة، وعقّب: يا ليتنا كنا استمعنا لهم آنذاك. لكنه ما لبث أن أضاف مستنكراً: "نسمعهم ازاي وهم بيكلمونا من طراطيف مناخيرهم"، فهم بحسب الصديق لا يكلفون أنفسهم مغبة إفهام الناس بما يطرحونه من أفكار، على اعتبار أن العامة لن يدركوا ما يقوله المثقف الواعي.

الصديق المذكور حاصل على شهادة جامعية ولا يدعي أنّه قرأ ما يكفي من الكتب. فالقراءة رفاهية لا يمتلكها. هكذا يرى الأمور. لكن حديثه ولّد أسئلة هامة في ذهني: هل يحتقر المثقفون العرب عامة الناس بالفعل؟ وهل هذا التمييز الواضح حتى في المسميات بين "العامة" و"الخاصة" صحيح؟ وهل يعني ذلك أن أحدهما مفضل على الآخر أم أن لكل منهما دوراً في ماكينة المجتمع؟ وهل يكون دور المثقف الحديث إلى الناس من منبره العالي بلهجة المُوجه العارف بالأمور، أم في الانخراط معهم وتعليمهم كيف يفكرون، على اعتبار أن تعلم الصيد يقي الجوعان مذلة استجداء السمك؟ وكيف حين تختلف إجابات المثقف على هذه الأسئلة سيختلف موقفه تجاه من يسمّون بالعامة؟

قصة طه حسين والقباني

يحكي المفكر المصري لويس عوض، في كتابه "الحرية ونقد الحرية"، قصة عن الصراع الذي دار بين عميد الأدب العربي طه حسين وأحد أساطين التعليم إسماعيل القباني في مصر، في الأربعينيات من القرن الماضي. وكان طه حسين وزيراً للمعارف (التربية والتعليم حالياً) حينذاك وكان قد انغمس في هذا السجال من خلفيته كمفكر ورجل تعليم أكثر مما من خلفيته كأديب.

وقد كان القباني يطمح إلى تحويل العديد من الكليات إلى مدارس عليا وتحويل التعليم الابتدائي إلى خطوة ممهّدة للدخول إلى المدارس الفنية، على اعتبار أن من الأفضل للدولة التركيز على تخريج عمال وفنيين مهرة يعملون على تطوير الصناعة مع الاكتفاء بوجود نخبة قليلة مثقفة ومستنيرة قادرة على حكم الجماهير. وعلى الجانب الآخر كان العميد يرى أن من حق الشعب أن يتعلم تعليماً جيداً يمنحه القدرة على المشاركة في الحياة العامة.

ويعلّق لويس عوض على الأمر فيقول أن هذا الخلاف بين وجهتي النظر المذكورتين قديم وله أبعاد فلسفية. فالأولى تساند فكرة "المستبد المستنير" الذي يحكم عن معرفة وفهم شعباً من العامة والثانية تدعو إلى إشراك الجماهير في التفكير والتخطيط لنهضة المجتمع.

قد يكون القباني محقاً في ضرورة أن يكون القطاع العريض من الشعب جزءاً من طبقة عاملة تعمل في الزراعة والصناعة، لكن هل يعني هذا بالضرورة أن تبخس الدولة حق هؤلاء في التعليم الجيّد الذي يؤهلهم لاختيار حكامهم والحفاظ على مكتسباتهم السياسية والاجتماعية؟

لا تغيير بدون تغيير وعي الناس

ربما يجيب فيلسوف مدرسة فرانكفورت ريتشارد بيرندت  Rechard F. Behrendt، في كتابه "الاستراتيجيات الاجتماعية للبلدان النامية" Social strategies of developmental states على هذا السؤال. يقول إن التغيير الحقيقي للمجتمعات يحدث عندما يتغير وعي الناس، وهذا الأمر يحدث ببطء. لكن التعجل في قطف الثمار من خلال نخبة متعلمة أو من خلال مستبد مستنير لا يجدي، إذ أن وعي العامة المتأخر يستطيع الذهاب بالإنجازات التي يحققها هؤلاء في طرفة عين.

وما بين وجهة نظر طه حسين التي تعمل مباشرة على تحريك المياه الراكدة في عقول الناس وبين الاعتقاد في أفضلية النخبة والحفاظ على مسافة آمنة بين المثقف الواعي والجمهور، ينقسم المثقفون. ربما بسبب الفئة الأخيرة يُعزى الإحساس باحتقار المثقفين للعامة.

في هذه المعركة التي ذكرناها، انتصرت وجهة نظر طه حسين، فلم تتحول الكليات إلى مدارس فنية في هذا الوقت، وأتت ثورة يوليو 1952 لتؤكد هذا الوضع بمجانية التعليم الأساسي والجامعي.

لكن من سخرية التاريخ أنه بعد أكثر من 60 عاماً على ذلك، انحدر وعي الجماهير بشكل كبير نتيجة لتدني جودة التعليم في الوطن العربي، في نفس الوقت الذي لم تحقق فيه النخبة إنجازات من شأنها تغيير الواقع.

كسر الجدار بين العامة والخاصة

ربما يمنحنا تأمّل العلاقة بين المثقف والسلطة الحاكمة في البلدان العربية بعض التفسيرات للواقع الراهن. تحدث عن هذا الأمر ببراعة المفكر المصري نصر حامد أبو زيد في مقاله الشهير في جريدة أخبار الأدب عام 2005 عن سقوط التنوير الحكومي. فأبو زيد كان يرى أن السلطة في مصر كغيرها من البلدان العربية تتحالف مع المثقفين في أوقات بعينها لتمرير أجندات سياسية ومشاريع حكومية أو تستعين بهم لمحاربة الإرهاب، أي أن المثقف الذي تتلاقى وجهات نظره مع السلطة سيمارس دوره في مهمات محددة وعاجلة، ولا مجال لممارسة دوره خارج هذا الإطار أو هذا التوقيت.

ربما يضعنا كلام أبو زيد أمام إحدى صور المثقف التي تتلخص في توجيه رسائل محددة إلى الشعب، ينبغي أن تكون فاعلة وسريعة وتعمل بمنطق "اسمع نصيحتي فأنا أعلم أكثر منك" بدل مساعدته على تلمس طريقه إلى التفكير السليم الذي يؤهله بعد ذلك للحكم بنفسه على الأمور والوصول إلى قرارات عاقلة.

وقد عبّر أبو زيد عن ذلك بتعبيره الموجز "تحديث بلا حداثة". صورة المثقف هذه ربما تحمل ترفُعاً واحتقاراً ضمنياً للعامة باعتبارهم خرافاً عليهم السمع والطاعة للأفكار التنويرية والحضارية التي يقدمها المثقف. والمثقفون في ذلك لا يختلفون عن الحركات المتشددة التي يهاجمونها لأنها تتبنى نفس المبدأ.

وهذا الأمر لا يختلف كثيراً عن وجهة نظر القباني في تفضيل النخبة المستنيرة الحاكمة. وتتعامل السلطة مع المثقفين انطلاقاً من مبدأ "مَن ليس معنا فهو علينا" وينقسم جمهور المثقفين إلى عاملين مع السلطة يمتلكون بعض أدوات التواصل المحدودة مع الجمهور، وإلى مستبعدين من الحظيرة لا يمتلكون أي شيء.

ويبدو أن الفئة المستبعدة هي التي يمكن التعويل عليه إذا قررت الانخراط مع الجماهير من خلال المؤسسات المستقلة غير الهادفة للربح، وهو ما حاول أبو زيد أن يشير إليه باعتباره الطريق الوحيد الذي سيسميه بعد ذلك "كسر الجدار المصطنع بين العامة والخاصة". لكن هذه المؤسسات ما زالت ناشئة وضعيفة وتعاني من التضييق الحكومي في أحيان كثيرة.

ويعاني المثقف الذي يعيش على الهامش بدون أدوات حقيقية للتواصل مع الناس من الصدمة إزاء اكتشافه للمسافة الشاسعة في الوعي بينه وبين الناس والتي يتوجب عليه قطعها للتواصل معهم.

فالمثقف في النهاية إنسان ربما يقع في شرك الغرور، أو على الأقل في مصيدة الإحباط إزاء الواقع الذي لا يمتلك القدرة على تغييره. وفي ظل هذه الظروف المزعجة نستطيع أن نسمي الشخص الذي يتخلص من كل هذه الصعاب دون أن يرضخ للأقدار المرسومة سلفاً بالمثقف البطل، والأبطال على كل حال قليلون، لكننا في أمس الحاجة إليهم.

صنف ثالث؟

ربما يكون هناك صنف ثالث هو ما تتحدث عنه د. حنان مصطفى بشكل غير مباشر نقلاً عن الفيلسوف الألماني ماركيوز في كتابها عن فلسفة الفن عند هربرت ماركيوز، وما هو إلا نوع المثقفين والفنانين والمفكرين الذين يسلكون طريق "الثقافة الاستهلاكية".

وتعبير "الثقافة الاستهلاكية" يعني أنهم لا يسعون إلى تغيير وعي الناس وطرق تفكيرهم إلى الأفضل، بقدر ما يعملون على تصدير الأفكار والفنون التي يرغب الناس بشرائها بغرض التسلية أو حتى بغرض التأكيد على القيم المجتمعية السائدة.

والغاية المنتظرة من هذا النوع من الثقافة هي تحقيق الأرباح. ونوع المثقف أو الفنان أو المفكر هذا هو الذي تسعى نحوه معظم وسائل الإعلام الهادفة للربح. وربما يحمل هؤلاء أيضاً شبهة احتقار ضمني لعامة الناس باعتبارهم وسيلة لجني المال لا هدفاً ينبغي تغيير وعيه إلى الأفضل.

بعد ما تقدم يتبقى سؤالان، هل بدأ الناس بالفعل ومنذ زمن طويل في مبادلة المثقف احتقاراً باحتقار؟ وإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فهل يفسر ذلك ولو بشكل جزئي ابتعاد الجماهير العربية عن كل ما يخص الثقافة والمعرفة واعتبار هذه الأشياء رفاهية ولغواً لا طائل منهما؟

 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard