هل يوصل الاحتقان الكردي-العربي في سوريا الطرفين إلى الانفصال؟

الثلاثاء 26 أبريل 201611:21 ص
ازداد الاحتقان بين الأكراد والعرب السوريين في الآونة الأخيرة نتيجة تصريحات بعض المعارضين السوريين المسيئة للأكراد كاعتبارهم مهاجرين قادمين إلى سوريا. كما عزّز التفرقة بين الشارعين الكردي والعربي استهداف فصائل المعارضة المسلحة لحي الشيخ مقصود في حلب والذي يشكّل الأكراد أغلبية قاطنيه.  

أسباب كثيرة للاحتقان

ويُعرف عن الأكراد أنهم مناهضون للأنظمة السورية التي طبّقت بحقهم إجراءات استثنائية كمشروع الإحصاء والحزام العربي، كما قُمعت انتفاضتهم ضد النظام عام 2004. وشارك الأكراد في غالبية مدنهم في الثورة السورية منذ انطلاقتها، لكن ذلك لم يحُل دون اتهامهم بالتعاون مع النظام على أساس أن مدنهم لم تقصف كباقي المناطق السورية. وأخيراً، أعلن الأكراد تبنّي النظام الفدرالي شمال سوريا، فاتهمهم الناشطون السوريون بمحاولة إعداد مشروع انفصالي، الأمر الذي زاد من حالة التوتر بين الطرفين. وترافق ذلك مع تخوين للأكراد بحجة أن حزب الاتحاد الديمقراطي، المتهم بالتعاون مع النظام، يقف وراء المشروع المذكور. وزاد الطين بلّة تداول تصريحات أدلى بها رئيس وفد المعارضة المفاوض في جنيف أسعد الزعبي واعتبرها الأكراد مسيئة لهم.  فقد أعاد ناشطون أكراد بث تسجيل قديم للزعبي يتحدث فيه إلى راديو أورينت ويقول فيه إن الأكراد لا يمثلون 1% من الشعب السوري وإن "الكردي كان يتمنى في عهد الرئيس حافظ الأسد الحصول على ورقة تثبت أنه بني آدم". ويرى الأكراد أن الأمر تجاوز كثيراً انتقاد قوة عسكرية أو حزبٍ كردي ويعتبرون أن ما يحدث يستهدف الأكراد كلهم، الأمر الذي ربما يؤثر على التعايش المشترك بينهم وبين العرب.  

احتقان مصطنع وآخر موروث

ويميّز المعارض السوري فايز سارة بين نوعين من الاحتقان أحدهما يصفه بأنه "مصطنع" والآخر "موروث عبر التاريخ". وأعاد أسباب الاحتقان المصطنع إلى حالة الحرب القائمة وضعف السوريين. وقال لرصيف22: "عندما يعيش أي شعب الحرب فإنه يحاول الاحتماء بهوية ما فتُغيّب الحالة الوطنية". محاولات لملمة بعض الوطنيين السوريين جراحات الواقع والدفع نحو مستقبل أفضل لم تنجح في إخفاء ازدياد الفجوة بين القوميات والطوائف والمذاهب السورية. ويرى مدير مركز برجاف للحريات الصحافية فاروق حاج مصطفى أن المرحلة الحالية صعبة للغاية، وأن أي عمل أو فعل غير متزن ستنتج عنه عواقب تضر بالنسيج الاجتماعي السوري. وقال لرصيف22: "للأسف، الإساءة باتت تظهر من نخبة المعارضة السورية، ومن أناس يرون أنفسهم قدوة ومحسوبين على تيارات ديمقراطية".  

أهالي الشيخ مقصود يدفعون الثمن

ومنذ شهر فبراير الماضي، تستهدف المعارضة المسلحة حّي الشيخ مقصود في مدينة حلب. وقد أدى ذلك إلى افتراق الشارعين العربي والكردي، ويُخشى أن يصل الأمر إلى حالة طلاق بين الفئتين. هذا القصف يصفه حواس خليل عكيد، القيادي في حركة الإصلاح الكردي وعضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري، بـ"المخزي"، متهماً الأطراف السورية بالتعامل بثنائية غير أخلاقية مع الضحايا. وقال عكيد لرصيف22: "بينما ترفض المعارضة السورية قتل أي مدني يتم استهدافه من قبل النظام لا تنطق بأيّة كلمة في وجه مَن يستهدف حياً شعبياً قُتل فيه ما يقارب مئة شخص حتى الآن". الصراع على هذا الحي الحلبي تبرره المعارضة المسلحة بأنه معركة ضد مقاتلين أكراد تابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتهمه باستخدام المدنيين كدروع بشرية. هذا المقياس يشبهه عكيد بمقياس النظام السوري الذي يقصف المدنيين ويقول "إنه يستهدف عناصر مسلحة تحتمي بمناطق مأهولة بالسكان".  

لا ثقة بين الطرفين

الاحتقان السائد أدى إلى انعدام الثقة بين الطرفين. وردّ الناشط السياسي المحامي شورش درويش غياب الثقة السائد حالياً إلى التباس وطني قديم تسببت به عقود طويلة من التهميش وسياسة الإنكار والاضطهاد القومي الذي طال الشعب الكردي في سوريا، إذ "مُنعت التعبيرات الكردية السياسية والمجتمعية من الإفصاح عن ذاتها. وعزز ذلك نظرة الحكومات القومية المتعاقبة التي كانت تُقِّر بعدم وجود شعب كردي في الكيان السوري وتعتبر الأكراد مجرد مهاجرين". وأضاف درويش لرصيف22 أن للواقع العسكري دوراً كبيراً في زيادة الفجوة بين الأكراد والعرب. وقال: "بدأ ذلك مع اقتحام نحو 50 فصيلاً عسكرياً أواخر عام 2012 لمدينة "رأس العين-سري كانيه"، بوابة مناطق الأكراد، وترافق ذلك مع هجوم على عفرين وكوباني بريف حلب دون اعتراض من النخب السورية". واعتبر أن ذلك ساهم في زعزعة أصل العلاقة العربية-الكردية وإيصالها إلى حائط مسدود. المعارضون السوريون من سياسيين وناشطين وإعلاميين نجحوا في تأليب الرأي العام السوري ضد مطالب الأكراد بحجّة حزب الاتحاد الديمقراطي، وذلك منذ استلام الأخير إدارة المناطق الكردية وإعلانه إدارة ذاتية. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك بل وصل إلى حد الهجوم على الأكراد عامةً، بعد إعلان الفدرالية. وأكّد فايز سارة أن المسألة معقدة، وقال: "إذا شرحنا الخلاف الكردي العربي بحسب الحالة الشعبوية فسيكون العرب تابعين لداعش والأكراد لحزب الاتحاد الديمقراطي"، داعياً إلى التفكير بشكل أسلم. ولا ينكر سارة أن الاحتقان السائد يشكل خطراً. من هنا يدعو النخبة السياسية والثقافية والإعلامية من الطرفين إلى التعامل بروح المسؤولية مؤكداً أن "ذلك سيخفف الاحتقان تماماً".  

غياب النخبة الواعية

في واقع الاحتقان العربي-الكردي لحق الكثير من النخبة بالحالة الشعبوية في الشارعين وغُيب الصوت الواعي. وقال حاج مصطفى: "لقد ساهم الإعلام المهيمن على الثورة السورية في شقّ صفوف المعارضة لحجب الخيار الكردي"، محذراً من أن "استمرار اتهام الكرد بمفاهيم انفصالية ربما يوصلهم إلى التفكير بخيارات داخل البوتقة الكردية فقط". ويبدأ الحل المنطقي، بحسب شورش درويش، من إقامة حوارات كردية-عربية لإنهاء سوء الفهم الوطني، وتعزيز قيم الشراكة والمساواة والتآخي عبر البحث عن صيغ عقلانية وواقعية تساعد في تجسير الهوة بين الطرفين. ويعتقد أن طرح الأكراد إقامة حكم لامركزي أو فدرالي في سوريا هو حقّ ولا يبرّر ذلك ردود فعل عنيفة لفظياً من قبل بعض أوساط المعارضة، "فالكلام في شكل سوريا وتضمينها لحقوق الأكراد أمر متوقع من ثورة ضحّى لأجلها العربي والكردي والسرياني". ويدعو حاج مصطفى إلى إقامة السوريين مؤتمراً وطنياً يطرح رؤى لمستقبل البلاد، ويخرج بعقدٍ اجتماعي وسياسي يُنتج علاقة سليمة بين المكوّنات السورية. وبرأي عكيد، تتطلب إزالة الاحتقان مواقف واضحة من المعارضة والناشطين السوريين في إدانة جميعالأطراف ومن بينها من يستهدف الأكراد في حي الشيخ مقصود، مؤكداً أن "ذلك سيُشعر الأكراد بالمساواة والعدل والإنصاف". الحل عبر الحوار يطرحه أيضاً فايز سارة الذي يرى أن الطرفين بحاجة إلى خلق فرص للقاء والتعاون والعمل المشترك، بالإضافة إلى تشكيل لجان للسلم الأهلي، وعرقلة "عجلة الحاقدين" الذين هدفهم ضرب المكوّنات السورية بعضها ببعض. ويتفاءل سارة بأن الجغرافيا التي ضمّت الأكراد والعرب لعقود على أرض واحدة، ستكون كذلك في المستقبل، بعد أن يُزال السيف عن رقاب السوريين، ويتم بناء بلد ديمقراطي تسوده الحقوق والعدل والمساواة.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard