يبدو أن معركة التغيير في مصر مستمرة، وستكون شرسة

الخميس 21 أبريل 201607:32 م
مرة جديدة يعود المصريون إلى الشوارع. مرة جديدة تتعالى الهتافات وتنظم المسيرات. مرة جديدة نسمع شعار "لساها ثورة يناير". بالأمس شهدت مصر تظاهرات #جمعة_الارض. منذ صعود الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم محملاً بتفويض من المصريين للقضاء على الإرهاب، أو لنكن أكثر دقة للخلاص من جماعة الأخوان المسلمين، التي اعتبرت جماعة إرهابية، والرئيس يتحرك منفرداً معتمداً على شعبية كانت جارفة، وتوقيع على بياض. مع الوقت، وبفعل الأمن وأمور أخرى، انسحبت القوى السياسية من المشهد، واختفت العناصر الثورية إماً سجناً، أو يأساً، أو هرباً من البلد. وبدا للجميع أن الأمور استقرت ودانت للسيسي، وقد عبر هو صراحة عن ذلك قائلاً: "ما تسمعوش كلام حد غيري... أنا بس". لكن ما بدا لنا كلمة النهاية، اتضح أمس أنها فصل من فصول الرواية، وأن تحت الرماد ناراً، والتظاهرات الغاضبة أقرب إلى مصر مما تخيل المراقب وأيقن الحاكم. لكن لماذا الأمس؟ ما الجديد الذي حرك المياه؟ وهل يستمر التحرك الغاضب؟ أسئلة نحاول البحث فيها، علنا نفهم الوضع المصري الآن. الأسبوع الماضي فوجىء المصريون بحكومتهم تخبرهم أنها اتفقت مع السعودية على إعادة ترسيم الحدود البحرية مع المملكة، والتي بمقتضاها تقرر تسليم جزيرتي تيران وصنافير لها. حينها اكتشف المصريون أن رئيسهم تفاوض سراً مع السعوديين على تسليم الجزيرتين واتخذ منفرداً قراراً يخص الشعب كله. القرار وما صاحبه من سرية، وما تلاه من تفسيرات اعتبرها الكثيرون تبريرات واهية، خلق حالة من الغضب عند قطاع واسع من المصريين، تراوح بين تعبير مكتوب عن الحزن عند من عرف عنهم أنهم دعاة الاستقرار، وصرخات ودعوات للتظاهر على صفحات التواصل بين الشباب والثوريين فضلاً عن الإسلاميين. وعلى يمين الصورة كان هناك مؤيدو الرئيس الذين دافعوا باستماتة عن القرار، مؤكدين أن السيسي أشرف من أن يبيع أرضه مقابل حفنة دولارات. وأن من يعترض على تسليم الجزيرتين للمملكة هو خائن ومأجور. ولعل هاشتاغ #عواد_باع_أرضه الذي انتشر كالنار في هشيم الفضاء الاكتروني، رداً على قرار السيسي يلخص الحكاية. فمصر أساساً دولة زراعية، ولسنوات عدة ترسخ لدى أهلها الفلاحين أن الأرض في حد ذاتها قيمة، فقدسوها واعتبروها مرادفاً للعرض والشرف. لذا يعتبر من يبيع أرض أجداده، وضيع يستحق التشهير. وقد عبرت الدراما المصرية عن تلك الثقافة في الأوبريت الإذاعي الشهير: "عواد"، الذي أنتج في الستينات في مواجهة ظاهرة بيع الأراضي التي انتشرت حينها. الهاشتاغ الذي أصبح ترند، تحول إلى دعوة صريحة للنزول يوم الجمعة 15 أبريل للتظاهر ضد قرار السيسي، في ما عرف بـ"جمعة الأرض". لكن لماذا عادت التظاهرات مرة أخرى إلى شوارع مصر؟ خالد علي المحامي والمرشح الرئاسي السابق، يجيب: "هناك غضب في صدور الناس من ممارسات هذا النظام طيلة العامين الماضيين، هذا الغضب امتزج بقرار بيع الأرض الذي كان الدافع الرئيسي لتحرك الناس". ما قاله علي يتفق مع التعليق الساخر، الذي قالته إحدى المتظاهرات أمس لرصيف22: "المظاهرات دي على مجمل أعمال السيسي". لكن بعيداً عن الجزيرتين وما سببه تصرف النظام في جرح كبرياء المواطنين، فإن تظاهرات الأمس تحمل دلالات ربما تتجاوز الجزيرتين رغم أهميتهما. أمس حدث ما يمكن اعتباره نقلة نوعية في الصراع المكتوب بين دولة يوليو الممثلة في الجنرال السيسي ودعاة التغيير الذي تبين أن غالبهم من الشباب. يبدو أننا نشهد حلقة جديدة في مسلسل الصراع بين الفريقين حول شكل ومستقبل البلد، في الوقت الذي يرغب فيه السيسي في إسكات الجميع، وعبر عن رغبته هذه بأشكال عدة. فمرة يقول "انا مش عاوز كلام في الموضوع ده تاني"، ومرة يحذر: "أنا ما اديتش الإذن لحد يتكلم". في حين يرى فريق التغيير أن عصر تكميم الأفواه انتهى، وأن الانترنت قضى تماماً على فكرة الأب الرئيس. لذا كانت كل السخرية موجهة لشخص السيسي، السخرية التي طالته وطالت والدته بشكل بالغ القسوة. الرسالة: "لا قراراتك ولا كلامك ولا أنت شخصياً محصن من النقد أو معصوم من المناقشة والمحاسبة". علماً أن تعامل الدولة مع التظاهرات كان لافتاً للنظر. فالأمن رغم التحذيرات، التي أطلقها عبر وسائل الإعلام المختلفة للمتظاهرين، بأنه سيطبق القانون بقوة وبحزم (وهي صيغة تحذيرية معروفة عن الأمن، تعني سنبطش بكم)، إلا أنه على جانب آخر، أصدرت قيادات وزارة الداخلية تعليمات مشددة للضباط تقضي بضبط النفس، وعدم التعامل بعنف مهما حدث. في مكالمة تلفونية، صرح أحد الضباط لرصيف22 أن الوزارة (يقصد الشرطة) "مش عاوزة عيل يموت والدنيا تتقلب". تعليمات القيادات الأمنية تعطي مؤشراً لإدراكهم حجم الورطة الدولية التي تواجههم، بسبب قضية مقتل الطالب الإيطالي ريجيني، ولا يرغبون في تصعيد لا معنى ولا مبرر له. بمعنى آخر نحن أمام تغيير نوعي آخر ليس فقط على جانب الشباب، بل على الجانب الأمني، هناك اليوم من يفكر قبل أن يضرب. أما رأس الدولة، فقرر إدارة اليوم بطريقته، الرئيس توجه ليتفقد مشروعات منطقة جبل الجلالة على طريق الزعفرانة. الرسالة: نحن نعمل ونبني البلد في حين يتظاهر الآخرون ويخربون. الرئيس حرص على إبراز ذلك في حديث هناك قائلاً "إحنا مبنحطش حجر الأساس ونمشي، وبكرة تشوفوا مصر بجد، وترويج الإحباط متعمد لتحطيم المعنويات وكسر إرادة المصريين". يضع الرئيس نفسه في الجانب الآخر من المتظاهرين، ليس جغرافياً فحسب (جبل الجلالة خارج العاصمة مركز التظاهرات)، بل نفسياً أيضاً، إذ يقول لهم: أنا أعمل وأنتم تنشرون الإحباط. هو يريدها دولة تعمل وتسمع كلامه هو فقط بلا أسئلة أو مناقشة، وهم يريدونها دولة حديثة مدنية، الحرية عمادها الأول. إلى أين سيفضي هذا الصراع؟ لا أحد يمكنه أن يجزم أو يتنبأ. كل ما يمكن تأكيده الآن هو أن حاجز الخوف انكسر مجدداً والغاضبين عادوا إلى الشوارع مرة جديدة، وأننا في انتظار جولة شرسة في معركة التغيير في مصر.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard