الدستور السوري الجديد أو "دستور الأزمة" كما تراه الإسكوا

الاثنين 18 أبريل 201610:58 ص
أعدّ برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا، التابع لمنظمة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، ورقة عمل تدرس المسألة الدستورية في سوريا وأفقها المستقبلية. الورقة التي حصل رصيف22 على نسخة منها، تحمل عنوان "ورقة عمل الدستور"، وتقدم كإحدى نتائج "الحوارات البناءة التي تشهدها قاعات الإسكوا منذ أربع سنوات"، والتي شارك فيها وفقاً للإسكوا أكثر من "ألف خبير سوري تحلوا بمسؤولية عالية".  

"دستور الأزمة"

القسم الأول من الورقة، يستعرض تاريخ القطاع الدستوري في سوريا، بدءاً من فترة الحكم العثماني، ويستفيض في توضيح سلبيات ما سمته "دستور الأزمة"، الساري المفعول منذ وضعه سنة 1973، والدستور الحالي الذي حل محله بدءاً من 29 فبراير 2012. تبدأ من الجهة التي كتبت الدستور، وعدم الفصل الفعلي بين السلطات الثلاث، إضافة إلى تحجيم دور النقابات والاتحادات، مروراً بكيفية انتخاب الرئيس والترشح لمنصب الرئاسة، وحجم صلاحياته، وعدم تعديل قوانين سابقة تخالف الدستور. إضافة إلى تغييب قضيتي الأكراد وحقوق المرأة عن مواده، مشيرةً إلى أن "لفظ الدستور وإن لم يستخدم صراحة في كثير من الأحيان، فإن الكثير من المطالبات كانت تعكس العيوب الدستورية"، والتي تندرج في معظمها إما في "نقص في الدستور أو تعطيل للنصوص والمبادئ الواردة فيه أصلاً". كما تطرح الورقة مسائل مصيرية بخصوص الانتقال إلى دستور جديد، أياً كانت العملية السياسية التي ستؤدي إلى ذلك. أولها "تحديد البديل الدستوري الصالح للتطبيق لحين إنجاز الدستور النهائي". وتقدم 3 خيارات في هذه الناحية، منها تعديل الدستور الحالي، الذي تعتبره الورقة "حلاً وسطاً يرضي الطرفين ويشعر كل منهما بأنه حقق مكسباً ما، ولم يخسر كل شيء"، وتقتضي هذه الخطوة تعديل 22 مادة يتعلق معظمها بصلاحيات رئيس الجمهورية، وتعديل القوانين المتحكمة بعمل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والانتخابات. ولكن إشكاليات قد تمنع أو تجعل هذا الخيار غير محبذ، منها عدم واقعية منح الصلاحيات الرقابية لمجلس الشعب الحالي، بحكم تركيبته التي تقوم على "قوة سياسية واحدة". أما البدائل الأخرى فهي إما الاتفاق على دستور حكم مؤقت، وقد يعني ذلك إعلاناً دستورياً أو دستوراً مؤقتاً يحل محل الدستور الحالي، أو العودة إلى العمل بدستور سنة 1950، والذي لا يجده معد الورقة خياراً جيداً، إنما مجرد "خطوة تجميلية لا تعالج معضلة الشرعية الدستورية". ثم تطرح الورقة، باقتضاب، إشكالية أكثر تعقيداً تتعلق بهوية الهيئة (أو الجمعية التأسيسية) التي ستضع هذا الدستور الجديد، وطرق اختيار هذه الهيئة، كما تناقش خيارات كيفية إقرار الدستور، سواء عبر الهيئة التي وضعته باعتبارها منتخبة، أو عبر خيار الاستفتاء الشعبي، الذي تميل له الكفة بشكل واضح في ورقة العمل.  

مضمون الدستور

تنتقل ورقة العمل للحديث عن مضمون الدستور، وخيارات وضع كل من أجزائه بتوسع، ويؤكد ضمن ذلك مثلاً على ضرورة وجود مبدأ نبذ الطائفية "بسبب خصوصية تركيبة النسيج الاجتماعي السوري ولتجنب الانتكاس إلى التمييز على أساس القومية أو الدين أو المذهب". وفي القسم الخاص بشكل الدولة وتقسيمها الإداري، تنحاز الورقة إلى الدولة اللامركزية بشكلها الفيدرالي، "فالأنظمة الديمقراطية تأخذ كلها اليوم باللامركزية". وفي الوقت نفسه خيار الاتحاد الكونفدرالي (أو التعاهدي) غير مطروح للنقاش، لأن "مبدأ الدولة السورية الموحدة" من مقومات مشروع الأجندة الوطنية "ويتعارض مع هذا الخيار الذي يقوم على التقسيم ومن ثم التعاون بين المقسم". في القسم الخاص بطبيعة النظام السياسي، تعرض الورقة أربعة خيارات، أولها النظام الرئاسي (المطبق في الولايات المتحدة)، الذي يجد معد التقرير أنه صعب التطبيق في المجتمعات العربية، لأن "لها تقاليد تتميز بتمسكها بالزعامات". وثانيها النظام البرلماني الذي تشكل فيه الغالبية النيابية الحكومة، ويكون منصب الرئيس شكلياً أو فخرياً، والذي يعتبر أيضاً غير مناسبٍ "لدول ذات نظام سياسي لا عهد له بالتقاليد الديمقراطية"، ولما قد يسببه من عدم استقرار سياسي "يعوق التحول الديمقراطي"، ونظام حكومة الجمعية (المطبق سابقاً لزمن محدود إثر الثورة الفرنسية)، الذي "يمكن القول إنه خيار تكتيكي لا إستراتيجي". وأخيراً النظام شبه البرلماني-الرئاسي (أو المختلط) المطبق اليوم في فرنسا، والبرتغال. تؤكد الورقة على ضرورة أن تكون وثيقة الحقوق والحريات الواردة في الدستور "أكثر إسهاباً وتفصيلاً مما كانت عليه"، ووضع "قيود على المشرع"، داعية للاستفادة من تجارب الدول التي كان دستورها يبيح الحقوق والحريات ويحيلها لقانون ينظمها "فيصدر القانون سالباً لها". كذلك بالنسبة إلى السلطة القضائية، تؤكد ورقة العمل ضرورة كون النصوص الدستورية الجديدة متضمنة "مجموعة المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1985". وتركز بشكل خاص على قضية المحكمة الدستورية، ففي حين تنقص مدة ولاية المحكمة الدستورية (4 سنوات) في الدستور الحالي عن ولاية الرئيس (7 سنوات)، تشدد الورقة على أن اعتماد مدة عضوية أطول "من المدد النيابية المنطبقة على الهياكل السياسية المنتخبة (..) من شأنه أن يضمن استقلالية القضاة". وبعد التأكيد على ضرورة تضمين الدستور الجديد للعديد من المبادئ، التي تضمن حقوق المرأة والطفل والأقليات والمعارضة السياسية والرقابة البرلمانية على الميزانية، تتوقع ورقة العمل المؤلفة من 175 صفحة، تسعة تحديات تعترض أو ستعترض "عملية صياغة دستور جامع ومقبول إلى حد كبير"، منها فقدان الثقة بالنصوص القانونية والدستورية. ووجود فجوة عميقة في المواقف الدستورية للأطراف المتصارعة في سوريا، وضعف الكوادر المحلية والمنظمات الأهلية. وأخيراً "تنامي قوة قوى ظلامية لا تعترف بدستور أرضي وتحيل كل شيء للمنظومات الدينية". يذكر أن اسم منظمة الإسكوا مرتبط في أذهان السوريين بنائب مديرها التنفيذي عبد الله الدردري، الذي كان يشغل منصب النائب الاقتصادي لرئيس الوزراء محمد ناجي العطري (المستقيل في مارس 2011)، وبتصريحاتها المتواصلة بخصوص الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب السورية وتكاليف إعادة الإعمار. وتكتسب ورقة العمل أهميتها من كونها من تقارير الإسكوا التي تتناول بإسهاب جانباً سياسياً من الأزمة السورية، إضافة إلى تزامن صدور هذه الورقة مع تصريحات دي ميستورا من دمشق يوم الإثنين الماضي بأن الجولة المقبلة من المفاوضات ستركز "بشكل خاص على عملية الانتقال السياسي".  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard