سهولة انتشار الإرهاب في الديمقراطيات الحديثة اليوم

الجمعة 15 أبريل 201601:38 م
في اليوم الذي حدثت فيه هجمات بروكسل نشرت صحيفة Le Libre البلجيكية شهادات لبعض أهالي المدينة تحت عنوان معبر: يوم القيامة، حيث اشتكى المواطنون من استحالة إجراء اتصالات هاتفية بسبب الضغط الهائل على الشبكات، فضلا عن تعطل حركة المرور في شوارع المدينة بشكل كامل، بفعل الإجراءات الأمنية، وتعطيل شبكات النقل العام التي استهدفت بالهجوم. وهو ما يعني أن المدينة فقدت وظيفتها الأصلية بوصفها، كما كل مدينة، معبراً إلى مكان آخر. فهي معبر إلى ريفها أولاً، بسبب تزايد عدد العاملين في المدن الذين يقطنون خارجها، وهي معبر إلى العالم الخارجي ثانياً، لأنها غالباً ما تضم المطارات الأساسية في كنفها، وهي معبر للاقتصاد والعمالة بسبب تركز التعاملات المصرفية وتمركز المؤسسات الكبرى فيها. وبهذا المعنى فإن مدينة بلا اتصالات هاتفية ومن دون حركة نقل فاعلة تصبح مدينة معطلة كلياً. يوم القيامة عنوان يليق بنيويورك 2001 وبباريس 2015 كما يليق ببروكسل 2016. وهذا العنوان يكشف هشاشة المدن الحديثة وضآلة قدرتها على الصمود من دون وسائل الاتصال والحفظ التي اجتهدت الحداثة في تعظيمها وتمكينها، إلى حد بات يستحيل العيش في المدن من دون توافر هذه الوسائل. لسنا بحاجة إلى خيال جامح لندرك أن غياب وسائل الحفظ والاتصال من شأنها أن تجعل مدناً كدبي أو لاس فيغاس أو شيكاغو أو برلين حجيماً من الزجاج والعتم والحر أو البرد اللذين لا يمكن احتمالهما. فانقطاع الكهرباء عن مدينة من هذه المدن ولو لساعات قليلة يعني في حقيقة الأمر دفع كل من فيها لهجرتها على نحو لا يحتمل التأجيل. هذا فضلاً عن أن الصناعة الحداثية وفي معرض سعيها لجعل المدن أكثر قابلية للعيش والصمود، اجتهدت كثيراً في صناعة وسائل الحفظ، فلم تعد المدن محكومة بشكل يومي لريفها الذي يمدها بالمواد الغذائية والوقود اللازم لتشغيل عجلة الحياة فيها. (ثمة ثلاجات تحفظ الطعام لشهور، وتحقق نوعاً من التنوع الغذائي لا تستطيع الحواضر القديمة أن توفره لأهلها). وليس خافياً أن تعطيل وسائل الحفظ لأي سبب من الأسباب سيجعل المدن تتضور جوعاً على نحو أسرع بكثير مما كان يحصل أثناء حصار المدن والحواضر القديمة. الدلائل على هشاشة المدن لا تعد ولا تحصى اليوم وهي كانت حتى الماضي القريب علامة من علامات تقدم المدن وتجددها وحداثتها المبهجة. لكن ما يجعل هذه الهشاشة مرضاً، لا قبل للديموقراطيات بمعالجته حالياً، يتعلق بترسخ الجماعات الأهلية في أكنافها. فبروكسل التي تم تعطيل الحياة فيها لأسابيع بسبب الانفجارات، كانت تراقب بدعة نشوء أحياء مقفلة على غير أهلها في كنفها، وهذا عين ما يحدث في باريس، وما يمكن القول إنه اجتاح مرسيليا برمتها، وما حدث ويحدث في لندن ونيويورك وسائر المدن الحديثة. هذه الأحياء المقفلة على غير أهلها بدت لفترة وجيزة، وفي ظل الهيمنة القصيرة المدى لمنظري ما بعد الحداثة الغربيين على الفكر الغربي عموماً، مرحباً بها على نحو واسع ولافت. منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى نهاية تسعيناته، كان ثمة احتفالات نظرية بالمدن المقفلة التي تنشأ داخل المدن الكبيرة. شاينا تاون، وليتل كوريا، وليتل أرمينيا، والأحياء العربية والإيرلندية والإيرانية في المدن الحديثة كانت مثار فخر لمنظري ما بعد الحداثة. لكن استفحال هذه الظاهرة وعجز الديموقراطيات عن دمج الوافدين إليها في نظامها أفراداً يخضعون لسلطة القانون، كانا لا بد أن ينتجا آجلا أم عاجلا نوعاً من التمرد العنيف على سلطة الدولة في هذه المدن، وتالياً، إرهابها على نحو من الأنحاء. والإرهاب بطبيعة الحال لا يمكن اختصاره بالإرهاب السياسي أو الديني الذي يجهد المجتمع الدولي لمعالجة ظواهره بالحديد والنار. ذلك أن الإرهاب بكل أشكاله بات سلوكاً يومياً في المدن الكبرى ولم يعد بمكنة أحد من سكانها النجاة منه على طول الخط. في كل مدينة كبيرة، ثمة أحياء لا يدخلها الغريب عنها إلا مضطراً. وفي كل مدينة كبيرة، ثمة علاقات إنسانية يستحيل أن تنشأ بمحض الصدفة. لم يعد أي كان يستطيع توظيف شخص في مؤسسته من دون أن يتحصل على سجل كامل بسكناته وحركاته طوال سنوات. ولم يعد أي كان يستطيع أن ينجرف وراء مشاعره من دون أن يتعرض لمخاطر كبيرة. اليوم لا يستطيع شخص أعجب بامرأة في قطار أن يقيم معها علاقة ما من دون أن يتأكد من وظيفتها وعنوان سكنها، حتى لا تؤدي هذه العلاقة إلى ما لا يحمد عقباه. والعكس صحيح طبعاً. ما حل بالمدن الحديثة أن الفرد، الذي تغنت الحداثة بولادته في كنف دولها، بات مكشوفاً وعاجزاً على نحو لا يستطيع معه الدفاع عن نفسه. لكي تتزوج في المدن الحديثة، عليك أن تختار امرأة من الجماعة التي تنتمي إليها، عرق أو أتنية أو جنسية مشتركة. وإن لم تتوافر لك مثل هذه الشروط عليك أن تبحث عن الزوجة المناسبة بين زملاء العمل. وهذا عين ما يطلق عليه بيار بورديو النطاق الاجتماعي، بوصفه من مكونات الاجتماع الحديث. لكن انفصال هذه النطاقات بعضها عن بعض على نحو قاطع، والخصومة الناشئة في ما بينها، لا تبقي لمصطلح الاجتماع ما يقيم أوده. بل تحول المجتمعات الحديثة إلى أبناء عصابات وسلالات من المافيات الاجتماعية التي لا تتقبل أي غريب، حتى لو كانت غربته مقتصرة على التباين الوظيفي بينه وبين أهل الجماعة المتماسكة. على هذا، لا يبدو الأفق مفتوحاً ومضاء أمام معالجة معضلة الإرهاب الذي يتفشى في المجتمعات الحديثة على نحو لا قبل للقوانين والدول برده. ذلك أن القوانين باتت عاجزة فعلياً عن إعطاء الفرد شهادة حسن سلوك تمكنه من الحصول على وظيفة تناسب مهاراته أو السكن في وسط غريب عنه ولا يتقبله. لقد بات الالتزام بالقوانين والخضوع لمترتباتها غير كاف لأن يتمكن المرء من العيش في المجتمعات الحديثة. والمهاجرون حديثاً إلى دول غربية يدركون ما تعنيه هذه العبارة تماماً. ذلك أن المهاجر حديثاً يحتاج إضافة إلى خضوعه للقانون العام، أن يكوّن نوعاً من الرصيد الاقتصادي- الاجتماعي، وثمة نظام يستفحل تأثيره في كل مكان يتعلق ببطاقات الاعتماد المصرفية التي لا تمنح إلا لمن أثبت على مدى أعوام طويلة أنه قادر على تسديد ما عليه، ويمكن الوثوق به. ومن دون الحصول على هذه البطاقة يصبح كل شيء صعباً إن لم يكن مستحيلاً. لا يمكن تعداد المعوقات التي تمنع الفرد من الصمود في المدن الحديثة لأنها تكاد لا تحصى. لكن استحالة الفرد عملياً في الدول الحديثة تجعله مجبراً على التعامل مع الجماعة الأهلية التي يتحدر منها، وتالياً، ليس كل المسلمين في بلجيكا مؤمنين، لكنهم جميعاً يشعرون بأنهم مميزون عن غير المسلمين، وليس كل الصينيين في بريطانيا غير مستعدين لمغادرة ثقافتهم ولغتهم، لكنهم جميعاً يعرفون أنهم أسرى لغتهم وثقافتهم. وعلى نحو ما تحضنا العقود الملزمة واستحقاق الخضوع لها على تحسين سلوكنا الاجتماعي، وكظم غيظنا وعنفنا في الحيز العام، فإنها من وجه آخر تبدو صعبة التحقق ومستحيلة في معظم الأحيان من دون الحصول على عون الجماعة الأهلية ودعمها. هكذا تحولنا هشاشة الحداثة نفسها إلى طائفيين منغلقين ومتماسكين​ وتمنعنا من التحول أفراداً. وهذا أقصر الطرق إلى انتشار الإرهاب.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard