عن الدور الكبير الذي تلعبه كرة القدم في السياسة التونسية

الاثنين 4 أبريل 201602:58 م
في تونس، شغل نجم الترجّي الرياضي والمنتخب التونسي طارق ذياب منصب وزير الرياضة خلال فترة حكم "الترويكا"، بين أواخر 2011 وبداية 2014 . غير أن التداخل بين الرياضة والسياسة في تونس لم يبدأ من طارق ذياب، ولم ينتهَ عنده. كما أن هذا التداخل تحوّل إلى ظاهرة تستحق الانتباه.  

الرياضة كنضال ضد الاستعمار

في كتابه "الزعيم علي زليطني، سيرة ونضال"، يذكر محمد حفظي الزليطني في الصفحة 33 أنه في العام 1936، وبعد اطلاق الزعماء الوطنيين المعتقلين في "برج البوف" جنوب البلاد من قبل المقيم العام الفرنسي الجديد "فيون"، تم الاحتفاظ بأربعة منهم في جزيرة جربة، من بينهم الحبيب بورقيبة الذي صار أول رئيس لتونس بعد الاستقلال. ويضيف الكاتب: "وصل هؤلاء الأربعة إلى جربة في 26 أفريل (أبريل) 1936، ومن الغد ذهبوا إلى الحمام. فكانت أحسن فرصة اغتنمها علي الزليطني للاتصال بهم، وهو أول اتصال له بالزعماء. ولم يزل يتردد عليهم ويجتمع بهم ويستشيرهم. فأشار عليه الأستاذ الحبيب بورقيبة بتكوين فريق لكرة القدم يكون نواة للشعبة الدستورية، أي مكتباً للحزب الدستوري". ومن هنا يتبيّن كيف كانت الحركة الوطنية تراهن على دور الجمعيات الرياضية في مشروعها المقاوم للاستعمار، وكيف كان الزعماء الوطنيون يعتمدون عليها لنشر الوعي الوطني والتعريف بالقضية الوطنية. كما يتّضح الدور السياسي الكبير الذي كانت تلعبه الرياضة وكرة القدم تحديداً، منذ ظهورها في تونس بداية القرن الماضي. ففي العام 1915، أسس مجموعة من زعماء الحركة الوطنية، من بينهم البشير صفر وعلي باش حامبة والشيخ عبد العزيز الثعالبي، المؤسس الأول للحزب الدستوري، فريق "الملعب الإفريقي" الذي تم حله بعد ذلك، ويعتبره البعض الجذر الأول لفريق "النادي الإفريقي" الذي تأسس عام 1920، وهو أحد أكبر الفرق التونسية وأكثرها شعبية وقاعدة جماهيرية، وكان له دور ثقافي كبير كذلك إبان الاستعمار. وفي العام 1931، التحق الرئيس التونسي الأسبق وأحد رموز الحركة الوطنية آنذاك الحبيب بورقيبة بهيئة إدارة فريق "الترجي الرياضي التونسي"، نظراً لحاجة الحركة الوطنية وقتها إلى شعبية الفريق صاحب أحد أهم القواعد الجماهيرية في البلاد.  

الاستقلال يعمّق التداخل

لم تتوقف الرياضة عن التداخل في الشأن السياسي في تونس حتى بعد الاستقلال وتَوْنَسة الفرق التي كان بعضها مصنفاً جمعيات فرنسية. بل تواصل هذا التداخل من خلال شخصيات سياسية نشطت في المجال الرياضي أو أخرى رياضية نشطت في الحقل السياسي. فالرئيس الأسبق للترجي الرياضي التونسي بين عامي 1971 و1981 حسان بالخوجة، تقلد في تلك الفترة أيضاً مناصب وزارية. كما كان المنذر الزنايدي الذي ترأس الفريق عامي 1986 و1987 يتقلد مناصب عليا في الدولة قبل أن يصبح وزيراً بعد ذلك بسنوات. كما عرف الفريق فترته الذهبية على مستوى التتويجات في الفترة التي ترأسه فيها سليم شيبوب، صهر الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. أما النادي الإفريقي، فقد ترأسه محمود المستيري، الديبلوماسي والوزير الأسبق، والذي اشتغل في العديد من المناصب السياسية وكان لاعباً سابقاً مع شباب الفريق. كذلك ترأس النجم الرياضي الساحلي، ولمدة طويلة، الوزير الأول الأسبق حامد القروي الذي شغل العديد من المناصب السياسية في فترتي حكم بورقيبة وبن علي. ولم يقتصر التداخل بين الحقلين الرياضي والسياسي على هذا الحد. ففي عام 1971، أصدر الوزير الأول آنذاك الهادي نويرة قراراً بإنزال فريق الترجي الرياضي التونسي إلى الدرجة الثانية، ولكن الرئيس بورقيبة أبطل هذا القرار ومنع نزول الفريق. كما أصدر بورقيبة في 20 مارس 1961 قراراً بحلّ فريق النجم الرياضي الساحلي بسبب شغب الجماهير، قبل أن يتراجع عن القرار بعد مدة قصيرة. ومن هنا يتبيّن الثقل الكبير للرياضة في الحقل السياسي. فالكثير من المسؤولين الرياضيين، ورؤساء الفرق التونسية كانت لهم أيضاً أدوار ومناصب سياسية عليا في الدولة، ومنهم مَن جمع بين النشاطين في فترة واحدة، ومنهم مَن كانت الرياضة وشهرتها بوابته لدخول الحقل السياسي، ومنهم كذلك من مرّ بمناصب سياسية قبل أن يدخل ميدان التسيير الرياضي مستغلاً خبرته وتجربته في إدارة الشؤون العامة وتوظيفها لمصلحة الفرق والجمعيات الرياضية.  

الثورة تُحول التداخل إلى "ظاهرة"

إثر سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في يناير 2011، دخلت البلاد عهداً غير مسبوق من التعددية الحزبية، إذ تجاوز عدد الأحزاب في بعض الفترات المئة حزب من مختلف التيارات الفكرية والإيديولوجية وقد راهنت مختلف الأحزاب السياسية على الوجوه الرياضية لتدخل بها غمار الانتخابات استثماراً لشعبيتها ومراهَنةً منها على كسب أكبر عدد ممكن من الأصوات. فنجم المنتخب التونسي والحارس السابق للترجي الرياضي التونسي شارك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011، وقد رشّحه وقتها حزب "الاتحاد الوطني الحر" الذي يترأسه رجل الأعمال سليم الرياحي، الرئيس الحالي للنادي الإفريقي. كما ترشّح المدرب فوزي البنزرتي، صاحب السجل الحافل بالتتويجات المحلية والقارية، لتلك الانتخابات لكنه لم ينحج في الدخول إلى المجلس. كما رشّح حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي، اللاعب فريد شوشان في قائمته للانتخابات التشريعية عن مدينة سوسة الساحلية. كذلك أعلن اللاعب ياسين بوشعالة ترشحه للانتخابات عام 2011 على قائمة حزب "العدالة والتنمية". وفشل رئيس نادي حمام الأنف وأحد أبرز الوجوه الرياضية في تونس، المنجي بحر، من الفوز في الانتخابات التي دخلها على قائمة "حزب المبادرة" الذي أسسه آخر وزير للخارجية في عهد بن علي، كمال مرجان. كما قام الحزب نفسه بترشيح اللاعب السابق للنجم الرياضي الساحلي صابر بن فرج، وبدوره لم ينجح في حصد الأصوات التي تؤهله للفوز. وفي المقابل نجح الرئيس السابق للنادي الصفاقسي صلاح الدين الزحاف في الفوز بمقعد في المجلس التأسيسي عام 2011. كما نجح في ذلك رئيس النادي الرياضي البنزرتي مهدي بن غربية، وتمكّن أيضاً من المحافظة على مقعده بعد ذلك في انتخابات مجلس نواب الشعب عام 2014. وقد عملت مختلف الأحزاب السياسية على استقطاب نجوم الحقل الرياضي، لاعبين ومدرّبين، بغية حصد أكثر ما يمكن من الأصوات. فحزب "نداء تونس" عمل على ترشيح وجوه رياضية على رأس قوائمه الانتخابية ونجحوا في الوصول إلى مقاعد مجلس نواب الشعب في انتخابات عام 2014. وقام الحزب بترشيح الرئيس السابق للنادي الصفاقسي في مدينة صفاقس، معقل الفريق، والرئيس الحالي للنجم الساحلي في مدينة سوسة، والمسؤول السابق لفريق "أولمبيك مدنين"، على قائمته في المحافظة التي تقع جنوب البلاد. ويبقى المثال الأبرز في سياق تداخل الرياضي بالسياسي في تونس، هو "الحزب الوطني الحر" الذي لم يتمكن إلا من حصد مقعد واحد في انتخابات المجلس التأسيسي ولكنّه أصبح القوة البرلمانية الثالثة في البلاد بعد انتخابات العام 2014. كل ذلك حصل بعد عامين من انتخاب رئيسه سليم الرياحي رئيساً للنادي الإفريقي، أحد أكثر الفرق شعبية في تونس في يونيو 2012.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard