ما يعنيه تفجير شارع الاستقلال في اسطنبول

الخميس 24 مارس 201605:39 م
نشرت صحيفة حرييت التركية يوم الأحد 20 مارس 2016 صوراً لشارع الاستقلال الشهير في اسطنبول يظهر فيها شبه فارغ. وبعض الصور تُظهر مطعماً خالياً إلا من عمّاله الذين يتسامرون تقطيعاً للوقت في غياب الزبائن. الانتحاري الذي قالت السلطات التركية إنه ينتمي إلى داعش، قتل الشارع في لحظة واحدة. الصور التي نشرتها حرييت لم تقتصر على شارع الاستقلال وحده. تقول الصحيفة إن اسطنبول كلها بدت مهجورة بعد يوم على التفجير الذي ضرب شارع الاستقلال.  

ضربة لجوهر الحداثة

بوسع الحياة أن تعود أهلياً إلى اسطنبول. أما الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة فقد لحق بوجهها المرحّب بالغرباء. ترك التفجير آثاره على تقسيم، والاستقلال، وجيهان غير، ومناطق الجوار، تلك المناطق التي يأتي إليها الأتراك أنفسهم زائرين، والتي فرضت نفسها على مرّ الزمن بوصفها ليست ملكاً لأحد بعينه، وباتت مناطق مفتوحة للناس من كل الجنسيات والأجناس والأعمار. في شارع الاستقلال، وهو أشبه بسوهو لندن من هذه الناحية، يأتي الأتراك لاختبار قدرتهم على التواصل مع الشعوب الأخرى. يرقصون ويغنّون حتى الصباح، ومثلهم يفعل الأكراد والعرب وسائر القاطنين في أنحاء المدينة القديمة. كلهم يريدون أن يظهروا قلوبهم، وليس أقنعتهم أو وجوههم. يغنّون، لأن الغناء يصدر من القلب، ويرقصون لأن الجسم الراقص لا يكذب، وحين يرقص فإنه يدعو الآخرين إلى مشاركته. الرقص كالغناء لا يمكن أن يكون فردياً ومتوحّداً. حتى الرعاة الذين يهيمون في أعالي الجبال مع ناياتهم ويغنّون على وقع صمت البراري واتساعها، فإنما يمرّنون حناجرهم وأنفاسهم لمشاركة الآخرين حين يكون للمشاركة متّسع. شارع الاستقلال في اسطنبول الذي خضب بالدم قبل فترة وجيزة، هو الشارع الأكثر هشاشة في اسطنبول برمتها. وعلى نحو ما هو الشارع الأكثر ارتباطاً بجوهر الحداثة التي تفترض، في مقدمة ما تفترضه، أن العالم الذي يحيط بنا هش إلى درجة أنه يحتاج إلى عنايتنا نحن البشر بوصفنا آلهته. هذا الشارع الحداثي هو نقيض الطبيعة العذراء التي حين تكشّر عن أنيابها، تفضح عجزنا نحن البشر عن مواجهتها أو الاحتماء منها. في الطبيعة العذراء، نحن الذين نحتاج أن يُعتنى بنا. لكننا في المدن الحديثة نصبح سادة العالم وآلهته. انتحاري داعش أراد، من دون أن يدري ربما، أن ينهي قدرة المدن على إغراء البشر بتعليم أحجارها وشوارعها وزجاج نوافذها بصولجان فردياتهم، وهي فرديات مكتسبة من واقع أن المدن تكشف أنهم مختلفون. والأرجح أن الانتحاري الأعمى لم يكن ينتبه لهذا التنوع في شارع الاستقلال، بل كان ينظر إلى كل المتجمهرين فيه وسكانه الموقّتين بوصفهم توائم لا حصر لعددهم. وهذا ما يسعى إليه التنظيم: جعل الناس جميعاً يشبهون بعضهم بعضاً. يسعى داعش إلى إطفاء العيون رمزياً، بمعنى أنه لا يريد أن نرى إلا صور راياته فوق الخراب والأرض اليباب، وكل خراب يشبه أخاه، بعكس العمران، حيث يستحيل أن يتشابه عمرانان إلا إذا كان المكان لاس فيغاس، أي أنه صورة مصغرة عن مكان أصلي سالت عليه حيوات وانطفأت وولدت حيوات أخرى. وداعش أيضاً يفرض على الناس حجاباً، رجالاً ونساءً، لكي لا يظهر من المواطن غير السواد، على نحو ما كانت تصف الأدبيات العربية عوام المدن والبلاد، وهو السواد الذي يعني أن التمييز فيه بين كائن وآخر شبه مستحيل.  

قتل اللغة

المعطى الثاني الذي استهدفه داعش في تفجير شارع الاستقلال في اسطنبول هو اللغة، اللغة التي نشأت في أصلها لتبرير أخطائنا أو ما نعتبره اخطاءنا. فحتى الكتب السماوية جاءت لتروي عن خونة وخطأة وبشر ناقصين بكل ما يعنيه النقصان. الحكايات في أصل منشأها استندت في شطر عظيم منها إلى هؤلاء الخطأة، بالمعنيين الديني والاجتماعي. ألف ليلة وليلة يروي قصص نساء يخنّ أزواجهن، ومن دون تلك الخيانات ما كان لتلك الحكايات أن تزهر. الميتولوجيات كلها، وهي قصص آلهة القدماء، تحكي قصص الخيانات الكبرى والأخطاء التي لا تغتفر وارتكبها آلهة أسلافنا القدماء. اللغة بهذا المعنى تصدر عن عصاة قرروا التوبة أو الاعتراف، على نحو ما قررت الكنيسة أن تحتكر جانباً من القصص، وهو تالياً جانب أساسي من اللغة، عبر تقنية الاعتراف التي تحض المؤمن على الرواية. وهذه التقنية ساهمت إلى حد بعيد في إغناء اللغة التي بدورها جعلت البشر متفرّدين ولا يشبه بعضهم بعضاً، أو فلنقل إن قصصهم مختلفة اختلافاً بيّناً. وفي المجتمعات الحديثة، بات أمر الفرادة الشخصية داعياً على نحو ملحّ إلى استئناف الكلام وخلق المحادثات. على هذا يمضي المرء وقتاً في اختيار ما يناسبه من ثياب، لأنه حين يقف أمام مرآته، فإنما يتعرف إلى نفسه، إلى الصورة التي يريد أن يراه بها الآخر الغريب. وفي كل مرة يلبس المرء ثيابه يترك فجوة، تصغر أو تكبر، بحسب المزاج، يمكن للآخرين العبور منها نحو إنشاء محادثة معه. يعجبني هذا الشال، هذا القميص يليق بك، من أين اشتريت فستانك؟ كل هذه الجمل الشائعة هي بدايات حديث مع الآخرين، وحين يعزّ علينا أن نفتتح حديثاً مع الغرباء حول الثياب، فإننا نصطنع أحاديث مع الأقرب إلينا حولها. وباعتناق الفرادة الشخصية، يحاجج المرء دفاعاً عن سلوكه وعاداته وهواياته وشغفه. ليس ثمة سكّير لا يملك حججاً يستطيع إيرادها دفاعاً عن مسلكه، وليس ثمة مدخن لا يملك حججاً يدافع بها عن عادته التي يعرف هو أكثر من غيره أنها مضرة لصحته. مع ذلك يدخن المرء ويعاقر الخمر، لأنه يسعى إلى تكوين محادثات مع الآخرين، وإلى الإفصاح عن وجهه وخلع قناعه. علماً أن المدن الحديثة بمعنى ما تحض على ارتداء القناع في أمكنتها العامة، لكنها تتيح ارتداء الوجوه في الأمكنة الخاصة، في العيادة والسرير والغرف المقفلة، على ما يقول ميشال فوكو. وهي، أي المدن، تحض بشدة على ترك فجوة بارزة من خلف القناع، هي الفجوة التي تقود المرء إلى اختيار شركائه في الأمكنة الخاصة. وهذا كله مما لا يطيقه داعش ويحاربه بكل ما أوتي من قوة وحماسة. فيفرض لباساً موحداً على النساء جميعاً، حتى لا يعود المرء يميّز بين الطبيبة وربّة البيت. كل النساء يخرجن إلى الحيّز العام في ظل حكمه، بلا فجوات من أيّ نوع. والأمر نفسه ينطبق على الرجال، وسعي داعش لتعميم زي موحد عليهم أيضاً. في كتاب للإيرانية شهلا حائري بعنوان "زواج المتعة"، تقول إن النساء الإيرانيات الراغبات بعقد عقود متعة مع عابرين، كنّ يتجولن في المقامات الدينية التي تشكل بمعنى من المعاني أحيازاً عامة يحق لكل الناس زيارتها والتجول في أنحائها. وكان الراغبون في عقد مثل هذه الزيجات الموقّتة يتعرّفون إليهن من خلال مراقبة لباسهن، إذ كن يعمدن إلى ارتداء غطاء الرأس أو الشادور على القفا بحيث تظهر أطراف القماش التي تخفيها خياطة الثوب. حتى في مجتمع شبيه بالمجتمع الإيراني، ثمة شقوق كانت تنفذ منها اللغة، وتنمو في كنفها الحكايات. التفجير الانتحاري في شارع الاستقلال، هو اعتداء على اللغة، اللغة التي كان في وسع أيّ زائر لاسطنبول أن يكتشف أنها ليست حروفاً ومخارج حروف فقط، بل هي وجوه وأجساد وحركة أجساد وإشارات. وهذه كلها مما يكرهها داعش ويقتل الناس من أجل إماتتها في قلوب الأحياء.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard