مستقبل السلطة في السعودية: الأمور صارت أصعب

الأحد 9 يوليو 201711:15 ص
النظام الأساسي للحكم في السعودية، الصادر عام 1992، ودستور المملكة الضمني يحدّدان لائحة مختصرة للمؤهلات التي لا بدّ أن يتمتّع بها من سينصّب ملكاً. على الملك أن يكون "الأصلح" بين أولاد "ابن سعود" وذريتهم، وعليه "أن يُبايَع وفقاً لكتاب الله تعالى وسنّة رسوله". هذه الصيغة تعني أن على الملك أن يحظى باحترام آل سعود، وأن يكون مسلماً تقياً (الأمير محمد، وهو أحد أولاد ابن سعود، لم يحظَ بفرصة أن يكون ملكاً لأنه كان سكيراً، كما يُزعم).

سايمون هندرسون Simon Henderson، الخبير المختص في الشؤون السعودية، يعطي صورةً مفصلة أكثر عن مؤهلات الملك، ويذكر منها جنسية الأم السعودية، الخبرة في العمل الحكومي، الفطنة، الشعبية والمقدرة على الحفاظ على الاستقرار.

ما يميّز المملكة العربية السعودية عن الأنظمة الملكية التقليدية هو كون مقاليد الحكم راحت تنتقل، بعد وفاة الملك بن سعود، من أخ إلى آخر، لا من الأب إلى ابنه البكر. هذه السابقة كرسها الملك بن سعود نفسه. فعندما عين ابنه البكر، الأمير سعود، ولياً للعهد، كان صريحاً في نيّته إعطاء الولاية التالية لابنه الثاني، الأمير فيصل. وحين توفي ابن سعود، عُيّن الأمير فيصل، على الفور، ولياً للعهد. ومنذ ذلك الحين، انتقل العرش تدريجياً بين الأخوة، من سعود، إلى فيصل، إلى خالد، ثم فهد، ثم عبد الله، والآن انتقل إلى سلمان.

وتلافياً للصراع على السلطة، شكّل الملك عبد الله، في أكتوبر 2006، هيئة البيعة بهدف ضمان انتقال السلطة في المملكة بسلاسة. هيئة البيعة هي مجلس مؤلف من 34 أميراً من أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز يتولون مهمة تأمين انتقال الحكم ضمن العائلة عبر المشاركة في اختيار ولي العهد. وتتكوّن الهيئة من أبناء الملك المؤسس، وينوب عن المتوفين والمرضى والعاجزين أحد أبنائهم، ويضاف إليهم إثنان من أبناء كل من أبناء الملك المؤسس يعينهما الملك وولي العهد.

ولهيئة البيعة، بحسب نظامها، القدرة على إزاحة الملك أو ولي العهد إذا ما أعلنت هيئة طبية عدم أهليته لممارسة الحكم. وفي حال تقرير عدم أهلية الملك، يتولى "مجلس مؤقت للحكم" يتشكل من خمسة أعضاء تصريف أمور الدولة على أن تقوم الهيئة في غضون سبعة أيام "باختيار الأصلح للحكم من أبناء الملك المؤسس".

ساهمت الهيئة في خلق نوع من الاستقرار للمملكة التي شهد تاريخها الحديث نزاعات عائلية كادت أن تجثي الدولة الحديثة على ركبتيها. فعندما توفي ابن سعود، انتقل العرش إلى ابنه الأكبر، سعود، الذي اعتبر غير كفء لتولي المنصب. وكان قد تولى الحكم في فترة شهدت ركوداً سياسياً واقتصادياً وتميّزت بصعود نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وفكرة القومية العربية.

واتهم سعود عام 1958 بمحاولة اغتيال عبد الناصر، ما دفع العائلة المالكة إلى المطالبة بتسليم القرارات الحكومية الهامة إلى فيصل، الأمر الذي قبله الملك سعود. إلا أن المناورة لم تنته عند هذا الحد. فقد سعى الملك سعود إلى توسيع دائرة حلفائه، ولمّح إلى إمكانية إجراء إصلاحات دستورية، في حين راح الأمير فيصل، مستغلاً اعتلال صحة الملك سعود، يملأ مجلس الوزراء بمؤيدين له.

وفي العام 1964، وبينما راح المصريون يتدخلون في الحرب المشتعلة في اليمن مهددين مصالح المملكة العربية السعودية هناك، وجّه الأمير فيصل إنذاراً إلى الملك سعود، عبر مفتي المملكة، مطالباً إياه بالتنحي. رفض سعود، وحشد الحرس الملكي لنصرته، غير أن الأمير فيصل تمكن من تعبئة الحرس الوطني الأكثر كفاءة. استسلم جنود الملك وسمحت فتوى صادرة عن رجال الدين للأمير فيصل بتولي الحكم. وبعد بضعة أشهر، انتقل سعود إلى منفاه في اليونان، حيث توفي. جزءٌ كبير من هذا الصراع وثقه هندرسون، في بذرة أبحاثه عن سياسات انتقال الحكم في السعودية.

بعدها، عيّن الملك فيصل أخاه، الأمير خالد ولياً للعهد، مكرساً سابقة والده في تمرير مقاليد الحكم من أخ إلى آخر. وبعد وفاة الملك خالد في عام 1982، تسلم الملك فهد العرش حتى وفاته عام 2005، ثم تسلم أخاه الملك عبد الله كافة مسؤوليات السلطة، إلى أن نصّب ملكاً رسمياً  في العالم 2005.

سياسة انتقال الحكم من أخٍ لأخ تواجه اليوم مشكلة تضاؤل قائمة المرشحين في عمرٍ مناسب لتولي السلطة. لا شيء أقوى دلالة على هشاشة المملكة العربية السعودية اليوم من تداعي اثنين من أولياء العهد في السنوات الأخيرة. فقد توفي الأمير سلطان بن عبد العزيز، شقيق الملك الحالي عبد الله، في عام 2011 بعد صراع طويل مع المرض، ثم توفي ولي العهد، الأمير نايف، في نوفمبر 2013، ليحل محله أخ آخر، هو الأمير سلمان (79 عاماً)، الذي تسلم اليوم مقاليد الحكم.

وكان قد تم، في مارس 2014، تعيين أصغر أبناء ابن سعود، الأمير مقرن بن عبد العزيز (69 عاماً)، رئيس المخابرات العامة السابق، ولياً لولي العهد في منصب استحدث للمرة الأولى في تاريخ المملكة. مهّد تعيين مقرن، الذي يتمتع بصحة جيّدة، وهو أحد قادة المعركة ضد الإسلاميين المتشددين ومعروف بتخوّفه من تمدّد إيران في الشرق الأوسط، لنقل السلطة إلى الجيل الأصغر سناً الذي يضم أحفاد بن سعود.

الآن، مع وصول سلمان إلى سدة الحكم، يستمر حكم الجيل الأول من أبناء الملك المؤسس على رأس المملكة التي تأسست عام 1932. ولكن "الاختبار الحقيقي سيكون مع موت سلمان"، بحسب فريديريك ويري، الباحث في معهد كارنيغي، إذ إن مقرن لا ينتمي إلى الأجنحة القوية في الأسرة الحاكمة مثل الجناح المعروف بـ"السديريين السبعة"، أي أبناء الملك عبد العزيز من زوجته حصة السديري. فوالدة الأمير مقرن يمنية وسيكون وصوله إلى الحكم سابقة كون كل أمهات ملوك السعودية السابقين هم من الجنسية السعودية.

حين تعيينه ولياً لولي العهد، قال بعض الخبراء أن الملك عبد الله أراد كسب بعض الوقت قبل مواجهة تحدّي نقل السلطة إلى الجيل الثاني. وكان بيان تسميته لمنصبه المذكور قد أشار إلى أن القرار اتخذ بموافقة ثلاثة أرباع هيئة البيعة، ما يعني أن هناك معارضين لإشرافه على هذه العملية الصعبة، برغم أن البعض يعتبره الأفضل لأدائها.

ولكن لا مفرّ من نقل السلطة إلى الجيل الثاني. بعد ساعات من تولّيه الحكم، أصدر الملك سلمان قراراً عيّن فيه ابنه محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي، كما عيّن الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد. اقترب أبناء الجيل الثاني من الحكم. ولكن في حال نشوب أي خلاف في المستقبل، سيكون حلّه صعباً لأنه لم يعد ممكناً "اختيار الأصلح للحكم من أبناء الملك المؤسس" بل صار يجب اختيار "الأصلح" من أحفاد الملك المؤسس وعددهم مئات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard