سدّ الموصل: كابوس "تسونامي" عراقي

الثلاثاء 28 يونيو 201610:38 م
حين وقف العراقيون يهتفون للرئيس صدام حسين أثناء افتتاح سدّ الموصل عام 1984، كأكبر سدّ في العراق ورابع أكبر سدّ في الشرق الأوسط، قد يكون البعض أمل سراً أن يأتي اليوم الذي يسقط فيه الرئيس الذي أطلق اسمه على السدّ. لكن بالتأكيد لم يأمل أحد أن يأتي يوم ينهار فيه "سدّ صدام" ويغرق معه مئات العائلات والأراضي المحيطة به. في مطلع عام 2010، بدأت المخاوف تحيط بمصير السدّ، الذي وصفه الأميركيون بـ"أخطر سدّ في العالم". والسبب أنه بُني على تربة هشة، تحتاج إلى دعم مستمر منعاً لانهيار وتفجر المياه، التي يبلغ ارتفاعها نحو عشرين متراً في اتجاه سكان المدن القريبة. تعود حكاية السدّ إلى العام 1950، بعدما قرر مجلس الإعمار العراقي تأسيسه على نهر دجلة، في موقع يبعد نحو أربعين كيلومتراً شمال الموصل. ونتيجة الأوضاع السياسية التي شهدها العراق وتعدّد الدراسات الفنية التي أجريت على الأماكن المقترحة، تأخر بناؤه حتى عام 1984. حينها، أقرت دراسات عدة وأبرزها دراسة روسية معمقة، بشكل قطعي، عدم صلاحية المكان لبناء هذا السدّ العملاق (طوله 3.4 كيلومترات وارتفاعه 113 كيلومتراً) على تلك البقعة الكلسية، التي تتكون من صخور قابلة للذوبان. لا سيما أن كمية المياه المخزنة فيه تبلغ نحو 12 مليار متر مكعب. وتمثل الخطر في ذوبان الصخور بفعل الضغط وتخزين المياه، ما يؤدي إلى ظهور تصدعات وتشكيل فراغات أسفل جسم السد، تؤدي إلى هبوط الطبقات التي تعلوها. لم تكن هذه المعلومات كافية لوقف المشروع، فقد أكدت حينها شركات فرنسية وسويسرية للحكومة أن المنطقة تحتاج فقط لإجراء تعديلات بسيطة على أرضيتها وعلاجها بمواد خاصة. وهكذا كان، بدأ المشروع، ولم يتوقف بعد بدئه بأشهر قليلة حتى بعد أن ثبتت صحة التقارير الروسية، حين حدثت تشققات وانجرافات في التربة، ما اضطر المتعهدين إلى اللجوء للحقن الاسمنتي المستمر منذ ذلك الحين. واقع السدّ جعل سيطرة "الدولة الإسلامية" عام 2014، وإهمال صيانته واحتمالات تفجيره رعباً خالصاً، وحذرت التقارير الأميركية مراراً من انهيار السدّ. فارتفعت الأصوات القلقة من الانهيار، الذي يعني بحسب تقارير الخبراء الأجانب والمحليين، وصول الفيضان إلى مدينة الموصل (1.7 مليون نسمة) في ثلاث ساعات، وغرق مدن تكريت وسامراء، جنوب الموصل، وأرياف العاصمة بغداد. هذا الأمر يهدد حياة ملايين العراقيين، ويخلف خسائر على طول ثلاثمئة كيلومتر في اتجاه مجرى النهر، عدا الأضرار المستدامة على المستقبل الزراعي والصناعي والبيئي للمنطقة. أيام قليلة وانتهت سيطرة "داعش" على السد، بعد استعادة القوات الكردية له بدعم أميركي جوي، لكن كابوس انهياره بقي قائماً. في العام 2015، وبسبب انخفاض أسعار النفط والمشاكل السياسية بين بغداد وكردستان العراق، انخفض الدعم المالي المخصص لحقن السد بالمواد اللازمة. يُضاف إلى ذلك، تجاهل السلطات العراقية التحذيرات لسنوات طويلة، في ظل تحذير الخبراء من أنهم يتجاهلون الاعتراف صراحة بحجم الكارثة (رئيس الحكومة حيدر العبادي وصف احتمال انهيار السد بـ"الضئيل")، ويفتقرون لخطة طوارئ واضحة لتفادي حصول "تسونامي" جديد في العراق. مؤخراً، وبعد تصاعد حدة التحذيرات، خرجت السلطات العراقية لتطمئن أنها وقعت عقداً مع شركة "تريفي" الإيطالية، قيمته 296 مليون دولار لتدعيم سد الموصل، وإجراء أعمال الصيانة له على مدى 18 شهراً، بحسب ما أفاد التلفزيون الرسمي العراقي. ويشمل العقد إرسال إيطاليا 450 جندياً لحماية موقع السد، بسبب قربه من أراض تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وتنبثق أهمية هذه الحماية ليس فقط من خطورة انهيار السدّ وحسب، بل من أهميته لكونه يوفر المياه والكهرباء لأكثر من مليون عراقي، إذ يصل معدل قدرته على توليد الكهرباء إلى 750 ميغاوات تكفي لسد احتياجات نحو 675 ألف منزل. وذهبت الحكومة في طمأنة السكان إلى أبعد من ذلك، فأكدت أنها استخدمت أجهزة إنذار عالية ومتابعة دقيقة، تقوم بتسجيل مؤشرات السد بشكل يومي تقدم لمجلس خبراء متابع لهذا الشأن، في وقت طلبت من السكان القريبين جداً إخلاء منازلهم على سبيل الاحتياط. وعلّق خبراء عراقيون كانوا قد شاركوا في هندسة السدّ على العقد الإيطالي بالإيجاب، لكنهم حافظوا على مخاوفهم. بين هؤلاء كان المهندس العراقي نصرت آدامو الذي قال لصحف محلية إن "الخطة الإيطالية هي عملية تجميل لا تفي بالغرض". يشرح آدامو أنه بعد فرار المهندسين والعمال بأرواحهم في ظل انعدام الحماية من جانب الحكومة، بقي الكادر ضئيلاً جداً، في حين أن عقد "تريفي" الإيطالية مدته 18 شهراً، تشمل نحو 3 أشهر لنقل الكوادر الإيطالية والتجهيزات والمعدات والجنود أيضاً إلى تلك المنطقة الخطرة. فيبقى 15 شهراً، لا بد فيها من إنجاز مهمتين أساسيتين: الأولى إصلاح بوابات السد بعد ارتفاع مياه البحيرة أمامه، وهذا أمر شديد الخطورة، واستكمال عمليات التحشية أو الحقن للأسس. خلاصة كلام الخبراء مفادها أن السدّ سينهار لا محالة، في حين يجب إيجاد حل جذري لهذا الأمر، فعمليات التحشية هي بمثابة إنعاش يطيل عمر السد فترة إضافية فقط، علماً أنها يجب أن تكون يومية أو دائمة. وبينما يجري التحضير لعقد مؤتمر دولي في العاصمة الإيطالية روما في أبريل المقبل، يحاول فيه الاستشاريون والخبراء طرح الحلول، يبقى الكابوس العراقي قائماً في وقت لم يعد العراقيون يتحملون كوابيس إضافية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard