هل ستنبع شرارة الثورة المصرية المقبلة من النقابات؟

الاثنين 27 يونيو 201606:49 م
تشهد أروقة النقابات المهنية حراكاً سياسياً. شرارة غضب أشعلت جميع أوساطها بعد سلسلة انتهاكات طالت عدداً من أعضائها، وعلى رأسهم الأطباء والمهندسين والمحامين والصحافيين.

ثورة النقابات

وكان آخر الغيث واقعة تعدّي أمناء الشرطة على الأطباء في مستشفى المطرية بالقاهرة، واعتداء أمن مطار القاهرة على عضو مجلس نقابة المهندسين النائب محمد عبد الغني. وانتفضت نقابة الأطباء في جمعية عمومية طارئة حضرها أكثر من عشرة آلاف من أعضائها، لتعيد إلى المشهد المصري بعضاً من روح ثورة 25 يناير. وحمّل خالد البلشي، رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحافيين المصريين، مسؤولية غضب النقابات المهنية للأنظمة "التي تقمع الحريات وتصادر الآراء، وتصدر قوانين ضد تلك النقابات، وعلى رأسها النظام الحالي الذي يصر على إصدار قانون الخدمة المدنية برغم انتفاض آلاف الموظفين ضدّه، في مشهد يعيد للأذهان ثورة 25 يناير". وأشار، في حديثه إلى رصيف22، إلى أن نقابة الصحافيين أعلنت عن عقد جمعية عمومية لبحث ملف المعتقلين من أبنائها في 4 مارس المقبل، وأعربت عن غضبها من الاعتداءات على أعضائها، معلنةً عن نيّتها تنظيم سلسلة احتجاجات تبدأ في 26 فبراير الجاري. كل ذلك جرى في ظل سبات الأحزاب السياسية التي اكتفى بعضها بإصدار مواقف شجب وإدانة. أعطت النقابات درساً جديداً للأحزاب وقالت للجميع أن شرارة الثورة المقبلة ستنطلق من أبوابها المفتوحة لأعضائها، كما كان الحال على مرّ العقود الماضية.

أحزاب مترهلة

وأشار الكاتب بشير العدل، الباحث في الحركات النقابية والعمالية، إلى أن قوة التنظيمات النقابية تعود إلى كونها تنظيمات تضم عضوية مهنيين هم على اتصال مباشر بالأحداث، مثل الصحافيين والأطباء والمهندسين والمعلمين، إلى جانب القضاة. وأوضح لرصيف22 أن "الأحزاب التي يفترض أن تكون معارضة وُلدت بطبيعتها مستأنسة، بعد قرار السادات إعادة الحياة الحزبية في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وكان حزب الأحرار الاشتراكيين يمثل اليمين، وحزب مصر العربي الاشتراكي يمثل الوسط، بينما مثّل اليسار حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي. لكنها كانت أحزاباً يمكن تسميتها بديكور الديمقراطية، وكانت مستأنسة في بداياتها باستثناء الأحرار الاشتراكيين". ويذكر العدل أن الأحزاب في فترة عبد الناصر، والتي وصل عددها إلى 13 حزباً، لم تكن تمارس المعارضة، وتم اختزالها بهيئة التحرير، وكان لديه تخوف منها، أدى إلى حلها خلال فترة العزل السياسي عام 1953، ليعيد السادات إحياءها عام 1976.

أحزاب بلا أنياب

وقال الفقية القانوني ومؤرخ الحركات العمالية والمهنية سيد أبو زيد لرصيف22 "إن الأحزاب المتواجدة على الساحة السياسية وُلدت بلا أنياب، لأنها تمثل أشخاصاً لا تكتلات، وستظل هكذا إلى أن تموت". وأشار إلى أن "هنالك أحزاب وُلدت من رحم السلطة لتؤدي دوراً وعملاً مرسوماً لها مسبقاً، ولتُستخدَم كزينة للحكم، وإذا خرجت عن الطريق المرسوم لها سلفاً تتلقى ضربات قوية. والقليل منها يخرج عن مساره المرسوم، فيتجه إلى النقابات المهنية لأنه يعلم أن أعضاء النقابات بالملايين، وتمثل قوة كبيرة في وجه النظام". وأضاف أبو زيد إن "التضييقات الأمنية من اعتقالات أوغيرها هو عنوان تعاطي السلطة مع النقابات المهنية والعمالية، منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر حتى الآن"، مؤكداً أن تلك "النقابات ظلت شوكة في حلق النظام لأنه لم يستطع ترويضها لخدمة أغراضه، وظلت هي المحرك الأساسي للشارع المصري". وأوضح بشير العدل أن التنظيمات النقابية ظهرت قوية خلال العقود الماضية، بدءاً من الحقبة الناصرية حتى فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك، لافتاً إلى أنها لعبت دوراً هاماً في التغيير لما لها من قوة تفوق قوة الأحزاب السياسية.

تأميم الحركات النقابية

وأشار أبو زيد إلى أنه في فترة عبد الناصر جرى "تأميم الحركة النقابية" التي بدأت حين خرج عمال شركة الغزل والنسيج بكفر الدوار، في تظاهرة لتأييد ثورة 1952 والمطالبة ببعض الإصلاحات منها حقهم في تشكيل نقابة مستقلة تدافع عن حقوقهم، وزيادة الأجور، وعودة بعض العمال الذين كانوا قد فُصلوا. لكن تجمعهم المذكور قوبل باستخدام الأمن للقوة المفرطة، وألقي القبض على مئات العمال، وحوكموا أمام المحكمة العسكرية، وحُكم على العاملين محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري بالإعدام، فضلاً عن صدور عشرات الأحكام بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة. ولفت أبو زيد إلى أن عبد الناصر أنشأ الاتحاد الاشتراكي وهيئة التحرير، والاتحاد القومي، واشترط على الراغب في عضوية النقابات أن يكون عضواً في تلك الهيئات، و"كان هذا نوعاً من التأميم للحركة النقابية". وأوضح أن هذا الاتجاه استمر حتى هزيمة 1967، حين بدأ الحراك السياسي للنقابات يعود مرّة أخرى، "وكانت البداية من مقر نقابة المحامين التي أصبحت المنبر الوحيد أمام القوى المدنية والسياسية والحزبية آنذاك".

أخونة النقابات

وأكد أن فترة الرئيس الراحل محمد أنور السادات شهدت انتكاسة قوية في عمل النقابات المهنية، خصوصاً حين بدأت نقابة المحامين بالانتفاض ضد سياساته، من خلال مؤتمرات وندوات، وراحت تطالب بحرية تكوين الأحزاب، وتحولت إلى منبر لكل القوى السياسية. وأضاف أن "تحركات النقابات المهنية أدت إلى إصدارالسادات قراراً بحل مجلس النقابة الذي كان يرأسه حينذاك النقيب أحمد الخواجة، وألقي القبض على قياداته الذين كانوا يعبّرون عن جميع الاتجاهات السياسية (ناصريين وإخوان أو وفديين)". وأشار إلى أن نقابة المحامين واجهت قرارات السادات، خصوصاً المتعلقة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني. وقال: "سلّم السادات بعد ذلك نقابة المحامين لأعضاء الإخوان، ثم سلّمهم نقابتي الأطباء والمهندسين، وبدأ المد الإخواني يتسلل إلى النقابات المهنية، وبدأ السادات يستخدمه في تخويف الغرب من حرية العمل داخل تلك النقابات". وفي كل تلك المعمعة، كانت الأحزاب السياسية لا تمثل شيئاً على أرض الواقع.

مبارك و"تقليم الأظافر"

لم يختلف نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك عن سابقيه. ففي 16 أبريل 1994، لقي المحامي عبد الحارث مدني مصرعه على يد مباحث أمن الدولة، بعد تعرضه للتعذيب، لتبدأ انتفاضة النقابات المهنية وتخرج تظاهرة حاشدة بقيادة سامح عاشور، أحد أعضاء الحزب الناصري ومختار نوح من التيار الإسلامي. قُمعت التظاهرة وصدر قرار بفرض الحراسة على نقابة المحامين، ثم نقابة المهندسين والأطباء الفرعية بالإسكندرية. وقال البلشي أن "مبارك حاول تقليم أظافر النقابات المهنية من خلال العمل بالقانون رقم 100 الخاص بالتنظيمات النقابية، والذي منع النقابات من حقها في تنظيم المؤتمرات والجمعيات العمومية لبحث وتنظيم وإدارة شؤونها، واستطاع فرض الحراسة على بعض النقابات، منها المهندسين. وفي يناير 2011، قضت المحكمة الدستورية العليا، بعدم دستورية القانون، مؤكداً أن النقابات نجحت في أكثر معاركها مع هذا النظام، حتى وإن كان انتصارها جزئياً.

مثلث وسط البلد

واعتبر البلشي "أن النقابات المهنية كانت دائماً شوكة في حلق النظام خصوصاً "مثلث وسط البلد"، كما كان يُطلق عليه، ويضم نقابات الصحافيين والمحامين والقضاة"، وأوضح أن النقابات كانت دائماً تقود الحراك السياسي. وذكّر البلشي بمواجهة النقابات المهنية لنظام مبارك خلال الثمانينيات، وبمطالبتها في ما بعد بتعديل الدستور، ورفض التوريث، وإلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب والتنظيمات السياسية، والتأكيد على استقلال القضاء، ورفع القيود على حرية الصحافة، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب.

تجربة نقابة الصحافة

ولفت العدل إلى أن نقابة الصحافيين لعبت دوراً بارزاً في رسم الأحداث السياسية في مصر، إذ كانت، منذ نشأتها الرسمية في منتصف أربعينيات القرن الماضي، تدافع عن أعضائها الذين لم يكن يتجاوز عددهم مئة صحافي. وذكّر العدل بدور نقابة الصحافيين الهام في مواجهة السادات، في أحداث سبتمبر 1981 وما تلاها، حين قام بتحويل أكثر من 26 صحافياً إلى هيئة الاستعلامات بسبب انتقادهم اتفاقية السلام مع إسرائيل، إلا أن النقابة أجبرت السادات على التراجع عن القرار وإعادة الصحافيين إلى أعمالهم. وفي فترة مبارك، خاضت نقابة الصحافيين معارك ضد قوانين سالبة للحريات. وخاضت معارك ضد عدد من القوانين حتى صدر القانون 96 لسنة 1996، لتنظيم الصحافة. وأُجبر الرئيس على إبلاغ النقيب آنذاك جلال عارف بإلغاء حبس الصحافيين في قضايا النشر.

تجربة نادي القضاة

كما لعبت تنظيمات أخرى مثل نادي القضاة معارك ضد السلطة، كان منها معركتها الشهيرة ضد قانون السلطة القضائية عام 2005. ونشبت المعركة بعد إحالة القاضيين هشام البسطويسي ومحمود مكي على التأديب على خلفية تصريحات صحافية. وكسب القضاة المعركة. وأشار خالد البلشي إلى أن القضاء المصري كان له باع طويل في مواجهة الأنظمة، فقد ناضل من أجل استقلاليته في عهد مبارك وكشف عن قضايا فساد وتزوير الانتخابات، وكان يقف كثيراً مع المواطنين. لكنه اعتبر أن القضاء فشل في عهد النظام الحالي، لأنه أصبح جزءاً من السلطة، وأصبحت السلطة التنفيذية تتغلغل داخل السلطة القضائية، "حتى رأينا القاضي ناجي شحاتة يصدر أحكاماً لم يسبق لها مثيل في تاريخ القضاء المصري، فأصدر 622 حكم إعدام في جلسة واحدة، وقال إنه "في خصومة مع الإخوان"، ما يؤكد أن تلك الأحكام نابعة من رغبة سياسية".

ماذا بعد؟

يرى العدل، أن التنظيمات النقابية أصبحت ضعيفة حالياً، ولا يمكنها لعب دور مؤثر، نظراً لاختلاط عملها بالسياسة من ناحية، وتهميش الجمعيات العمومية من ناحية أخرى، الأمر الذي أدى إلى ضعف التنظيمات النقابية مقارنة بالعهود السابقة. بينما توقع البلشي عدم استمرار المشهد السياسي الحالي، منوهاً بأن "الديكتاتورية الحالية تتعامل باستبداد نراه كل يوم تجاه الجميع، ولكن الفزاعة التي خلقتها والممثلة بالإخوان لن تجدي نفعاً بعد الآن. وظهر ذلك في الجمعية العمومية للأطباء التي حضرها أكثر من 10 آلاف طبيب، وليتأكد الجميع من أن شرارة الثورة المقبلة ستخرج من النقابات المهنية".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard