نخشى عليكم من السِلم!

الاثنين 27 يونيو 201607:47 م

مأساة الربيع العربي أن من تلقفوه هم غير من بدأوه. وقد لا ينفع في هذه اللحظات الرجوع إلى بداية الحكاية، مع توالي فصول الاستغلال السياسي والإقليمي لباكورة التحركات الشعبية المتوقعة لجيل ما بعد أسطورة تحرير فلسطين.

كيف تحوّل ربيع شباب العرب إلى شتاء قارس يعضّ العواصم العربية والعالمية، ويقضّ مضاجع أجهزتها الأمنية المخضرمة. الجواب في سماء سوريا اليوم وتحت كل حجر من حجارة أزقتها وأريافها وقراها. منذ استفقنا على سوريا الأسد، وللجدران فيها أذنان، فكيف الآن وآذان جميع أجهزة العالم الأمنية وحثالة مجاهديه ومرذوليه اجتمعت هناك؟ قد تكون الحرب سورية ولكن المسلّم به أن المواجهة باتت عالمية.

هل تستقر سوريا على حال؟ هل يعود السوريون إلى مدنهم وقراهم؟ المنطق يقول إن ذلك سيحدث يوماً ما وسيحدث معه أكبر زلزال اجتماعي ونفسي يمتد لأجيال مقبلة. الحديث عن الرجوع لا يشمل عودة اللاجئين والمفقودين إلى سوريا فقط، بل يجب أن ننظر بجدّية وقلق إلى عودة هؤلاء المسلحين الأجانب والعرب، الذين شاهدوا وفعلوا ما لا يمكن لعقولهم أن تتحمله وسيتحول كابوسهم رعباً متنقلاً داخل عائلاتهم ومجتمعاتهم.

[post_quotes]

إن أزمة ما بعد الحرب السورية من ناحية استيعاب المليشيات المقاتلة فيها، تضاهي بانعكاساتها أزمة المعارك الطاحنة اليوم، إذ إن المقاتل على الخطوط الأمامية للجبهة لا يقف فعلياً عند خط محدد، إذ لا يوجد خطوط، ومن الصعب غالباً معرفة من هو العدو في الجهة المقابلة مع اختلاف الفصائل المعارضة، واختلاطها بالمرتزقة تحت مسمّيات متنوّعة، بالإضافة إلى قطّاع الطرق والمهربين وسماسرة الأرواح. وهذا ما يجبر المشاركين في القتال على التعامل مع أعمق مخاوفهم الغرائزية، والتفنن في استدعاء كل العنف الكامن في داخلهم للبقاء. إن الأشهر الطويلة والسنوات التي يقضيها المقاتل على هذه الحال تحّوله إلى منتج عنيف ينضح غضباً وشكّاً ومرارة، فتصبح عودته لحياة مدنية طبيعية غير مضمونة رغم أنها ممكنة.

في العادة، يعاني أفراد أي جيش نظامي خاض حرباً من صعوبة شديدة في العودة إلى الحياة المدنية والدخول في روتين اجتماعي سلس، ومتطلبات حياتية كلاسيكية. يتحدث أطباء القوات البحرية الأميركية مثلاً عن اضطرابات نفسية عالية التأثير على المحيط الاجتماعي للعسكريين الذين كانوا في الصفوف الأمامية للجبهة. يحدثونك عن نوبات الهلع التي تفاجئ العسكري وعن الكوابيس، التي توقظه ليلاً والرهاب الذي يعيشه في أبسط تحركاته اليومية، كأن يراقب أي شخص مختلف شكلاً أو لباساً عن المجموعة، أو أن يستنفر لدى سماع أصوات تذكره بما سمعه أثناء القتال. حتى أن بعض جنود المارينز القدامى لا يتوانون عن وضع لافتة في جوار منازلهم، تشير إلى ماضيهم العسكري، وتتمنى على جيرانهم عدم استعمال المفرقعات النارية.

ما يتحدث به أطباء القوات البحرية الأميركية يقع ضمن تجربة واقعية وعلمية، نتيجة متابعة عديدهم المقاتل صحياً ونفسياً، لكن ذلك بعيد كل البعد عما ستفرزه الحرب السورية من آفات ستنعكس سلباً على الاستقرار في مجتمعاتها وعائلاتها. كيف يُنتظر من عنصر ميليشيا كان يصنع القانون بنفسه أثناء الحرب، أن يعطي أفضلية المرور لغيره؟ وهذا أصغر مثل. كيف سيسير ذاك الذي كان يبقر بطون الحوامل ويقنص الأجنّة إلى عمله صباحاً، وكيف سيحترم من أذلّ الآلاف على الحواجز وجوّعهم الأكبر منه سنّاً؟ هل يرضى ذاك الذي أطلقت يده على الأرواح تحت تأثير ساعات غسل الدماغ الديني ألّا يشارك الله في تحديد من يستحق الحياة من الخلق ومن الذي يجب مسحه عن وجه الأرض؟ هل يخلع المتشدّد مثلاً عقيدته عند حدود التراب الوطني ويدخل بلده قانعاً بحكمها ونظامها؟

المطلوب اليوم ممن يعتلون المنابر وفي حناجرهم الحلّ للأزمة السورية، أن يأتونا بحلّ للحرب المقبلة في عقر دارهم، مع عودة هؤلاء المقاتلين. لهم نقول جهّزوا مراكز التأهيل وخطط التوبة والوظائف ما أمكن، ولكن لا تنسوا أن توسّعوا السجون عندما ترفع العيادات النفسية يديها استسلاماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard