هل تحققت نبوءة روحاني النفطية وبدأت السعودية تتألّم؟

الاثنين 20 يونيو 201607:42 م

"الذين خططوا لخفض أسعار النفط على حساب دول أخرى سيندمون على هذا القرار"، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني بداية العام الماضي مضيفاً أنه "إذا عانت إيران جراء انخفاض أسعار النفط فاعلموا أن دولاً أخرى منتجة للنفط مثل السعودية والكويت ستعاني أكثر من إيران".

تصريح روحاني المذكور يؤكد أن إيران تشعر منذ فترة طويلة بصعوبات بسبب الانخفاض التدريجي لسعر النفط، بعيداً عن التصريحات التي تدّعي عدم التأثر وتتحدث عن "الاقتصاد المقاوم" القادر على التحمّل مهما كانت الظروف.

كما أنه يؤكد أن إيران تعتبر أن انخفاض سعر النفط هو نتيجة تدبير اتخذته مجموعة أوبك، وبالتحديد المملكة العربية السعودية، من خلال الاستمرار في عرض كمية كبيرة من النفط في السوق العالمي، وذلك لتكبيد إيران وروسيا خسائر اقتصادية.

وتتفق مع الرئيس الإيراني الأصوات التي شبّهت ما يحصل حالياً بما حصل عام 1985 حين طلب الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان من السعودية خفض سعر النفط لضرب اقتصاد الاتحاد السوفياتي.

وتأتي هذه التحليلات في مقابل أصوات منها الأصوات الرسمية السعودية التي تدّعي أن ما يحصل لا هدف له إلا حفاظ أوبك على حصصها في الأسواق العالمية. وبحسب الأمير الوليد بن طلال، لا يمكن لبلده أن يخفض سعر النفط عمداً لأنه سيكون كمن يطلق النار على قدميه.

خسائر إيران وروسيا

تكبّدت إيران خسائر كبيرة بسبب انخفاض سعر النفط وهي التي كانت بحاجة ماسة إلى المداخيل بسبب العقوبات التي كانت مفروضة عليها. وبحساب بسيط فإن إيران التي تصدّر يومياً 1.1 مليون برميل نفط تخسر سنوياً نحو 8 مليارات دولار إذا انخفض سعر برميل النفط 20 دولاراً، وهو ما حصل أسوأ منه خلال عام 2015.

ولكن في العام الحالي ومع عودة إيران إلى الأسواق النفطية فإنها تخطط لمضاعفة إنتاجها، ما يعني أنها ستكون قادرة على مضاعفة مداخليها النفطية، مع العلم أن مضاعفة مداخيلها في ظل سعر برميل نفط قريب من 30 دولاراً يحقق لها أرباحاً تقل عما كانت تحققه قبل بدء تراجع سعر النفط. وهذا يعني أن إيران ستستمر في تكبّد الخسائر ولكنها ستكون قادرة على الحد من خسائرها قليلاً مع زيادة إنتاجها النفطي.

أما روسيا، فقد قال وزير ماليتها أنطون سيلوانوف، أواخر عام 2014، إن حجم خسائرها المتأتية عن هبوط أسعار النفط قد تصل إلى 100 مليار دولار.

بحساب بسيط، وبما أن روسيا تصدّر يومياً 6 ملايين برميل نفط، فإن هبوط سعر البرميل دولاراً واحداً يعني خسارة روسيا سنوياً مليارين ومئة مليون دولار. وهذا يبيّن حجم الخسائر، أو بالأحرى الأرباح الفائتة التي حُرمت منها روسيا.

وكانت روسيا قد وضعت ميزانيتها للعام الماضي على أساس سعر 96 دولاراً لبرميل النفط وكانت النتيجة عجزاً بلغ 45 مليار دولار. أما في ميزانية 2016 فإنها تقدّر سعر برميل النفط بـ50 دولاراً.

وبحسب وزير المال الروسي، يجب أن يكون سعر برميل النفط 82 دولاراً لكي يتحقق التوازن في الميزانية الروسية.

السعودية تعاني

قبل أيام، أعلن وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أن السعودية اقترحت على روسيا، أن يخفّض كلّ من البلدين إنتاجه النفطي بنسبة 5%، من أجل تحسين سعر النفط الذي تدنّى إلى ما يقارب الـ30$. وأجابت روسيا بإيجابية على هذا العرض مبديةً استعدادها للتنسيق مع أوبك.

وبالتأكيد، سيساهم التنسيق السعودي الروسي في وقف انهيار أسعار النفط واستعادة الذهب الأسود بعضاً من قيمته المفقودة. فالبلدان هما أكبر مصدّرين للنفط. وتصدّر السعودية 10.4 ملايين برميل يومياً بينما تصدّر روسيا نحو 6 ملايين برميل.

العرض السعودي يعني أن المملكة بدأت تشعر بالخطر، خاصةً أن ما كان فرضيات قبل عامين صار أرقاماً يمكنها أن تحسبها بدقة لأنها خسائر مباشرة تكبّدتها وسببت لها عجراً قياسياً في ميزانيتها.

إيران التي تصدّر يومياً 1.1 مليون برميل نفط تخسر سنوياً نحو 8 مليارات دولار إذا انخفض سعر برميل النفط 20$

فالنفط يشكّل بين 80 و90% من مجمل عائدات السعودية. وقد أثّر انخفاض سعره كثيراً عليها، فسجّلت في ميزانية عام 2014 عجزاً قيمته 17.5 مليار دولار، و98 ملياراً في ميزانية عام 2015 وهو رقم تاريخي، وأقرّت ميزانية العام المقبل مع توقعها عجزاً بقيمة 87 مليار دولار.

ولذلك، سحبت المملكة عشرات المليارات من استثماراتها حول العالم إضافة إلى سحبها عشرات أخرى من احتياطاتها المالية. وهذا أدى إلى تراجع احتياطات الصندوق السيادي. وقد توقع صندوق النقد الدولي أن تنفق السعودية كل احتياطاتها المالية خلال السنوات الخمس القادمة إذا استمر سعر النفط على ما هو عليه حالياً.

دول أخرى تعاني

ما تعاني منه المملكة تعاني منه جاراتها الخليجيات. فالكويت التي تعتمد في ميزانيتها على النفط بنحو 94%، تتوقّع عجزاً قيمته 23 مليار دولار للسنة المالية الحالية (تنتهي في مارس). كما تتوقع عجزاً يفوق الـ38 مليار دولار في موازنة السنة المالية المقبلة، مع تقدير سعر لبرميل النفط بـ25$. وتموّل الكويت ميزانيتها من الاحتياطي الذي راكمته للأجيال ويقدّر بـ600 مليار دولار.

أما قطر، فتتوقع للعام المقبل عجزاً قيمته نحو 12.8 مليار دولار، مع تقدير لسعر النفط بـ48 دولاراً للبرميل.

وأمام هذا الواقع، تتجه دول الخليج إلى التخلي عن نموذج دولة الرعاية التي أسست شرعيتها عليه مع توجّه الكويت والسعودية إلى رفع الدعم عن أسعار المحروقات والكهرباء والماء والتفكير في فرض ضرائب جديدة. وقد يكون لذلك انعكاسات اجتماعية غير محسوبة.

ولا تقتصر الخسائر على دول الخليج. فهنالك دول كفنزويلا عانت كثيراً من انخفاض سعر النفط وأدى ذلك إلى تغيّر في نظامها السياسي.

وبالنسبة للجزائر التي كوّنت في السنوات الماضية احتياطيات مالية كبيرة، ستستطيع تمويل عجزها من احتياطاتها، ولكن هذه القدرة ستزول عام 2018 حين تتبخّر هذه الأموال، وستبدأ مشوار معاناة قاسٍ قد يقود إلى انهيار نظامها.

وعلى هامش كل ذلك، يخسر تنظيم داعش الذي يسيطر على آبار نفط من تراجع أسعار النفط خاصةً أنه مضطر إلى بيع هذه المادة بأقل من سعرها السوقي في السوق السوداء، وهذا أمر إيجابي. ولكن في المقابل، يؤثر هذا التراجع على قدرة الدولة العراقية على شراء أسلحة جديدة وإرساء اقتصاد مستقر يُبعد الناس عن التنظيم المتطرّف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard