انقسام حاد بين مؤيدي النظام السوري ومعارضيه حول فكرة الهجرة

السبت 15 أكتوبر 201601:15 م

يرحل السوريون عن سوريا، ويأتي إليها الغرباء ليحاربوا. وتتباين مواقف المواطنين السوريين من الهجرة التي تترك آثاراً سلبية على سوريا مجتمعاً وبلداً.

نزيف المجتمع السوري

يلخّص بسام القاضي الساكن في جرمانا والمؤيد للنظام السوري سلبيات الهجرة بأنها تؤدي إلى خسارة سوريا ذوي الاختصاصات والعمال المهرة الذين كلّفوا الدولة وأهاليهم الملايين حتى دخلوا إلى سوق العمل. برأيه، تحصل عليهم أوروبا الآن بالمجان. ولفت القاضي إلى أن "النزيف يشمل الذكور بنسبة 75% أكثر من النساء. وهذا يترتب عليه أزمة توازن اجتماعي خطرة، وإن كان لا أحد يأخذها بالحسبان في الوقت الحاضر.

وأضاف لرصيف22 أن الهجرة تؤثر على الجيش الذي احتاج خلال العامين السابقين إلى الجنود أكثر من حاجته إلى السلاح. كما أن نسبة المسيحيين المهاجرين كبيرة، وهذا ما سيؤثر جدياً على التركيبة الدينية لسوريا. أما الأهم بالنسبة إليه فهو أن "اللاجئ يضع نفسه ورقة بيد الغرب ضد سوريا". فبرأيه، "يدين اللاجئ بالولاء لوطنه الجديد ويدافع عنه حتى ولو كان ذلك ضد وطنه القديم. كما أن جزءاً من الضرائب التي يدفعها اللاجئ تذهب لتمويل الجيوش الأجنبية التي تفتك بالمنطقة". وتابع القاضي: "بالمبدأ، لكل شخص الحق في أن يكون حيثما يشاء على هذه الأرض، لكن عندما يصبح الفرار حالة جماعية فإنني أدينه لأنه يؤثر علينا جميعاً. فالقضية ليست قضية عائلة أو شخص بل قضية ما يترتب على هروبنا الجماعي نحو أوروبا من آثار سلبية". وينتقد القاضي اللاجئين و"تقاعسهم عن مساندة وطنهم" فهم، على حد قوله، "لم ينظموا تظاهرة واحدة في أوروبا للمطالبة برفع الحصار الاقتصادي عن الشعب السوري". وأشار إلى أن "هنالك حدوداً دنيا للوطنية لا تتعلق بثقافة ولا بمعرفة ولا بوعي خاص"، وخاطب اللاجئين: "إننا جميعاً نستطيع أن نبيع شرفنا وأهلنا ونشتري جواز سفر إلى تركيا أو زاوية في قارب لكننا رفضنا ذلك وهذا هو الفرق بيننا وبينكم". وامتعض من "أن الفارين لم يكتفوا بالهروب بل فعلوا كل ما في وسعهم لتصوير هروبهم على أنه شجاعة وخيار إنساني، كما يدفعون الآخرين إلى الهجرة لهدف واحد: كي يغطوا جريمتهم برغم الأعداد الكبيرة التي حذت حذوهم. ولهذا يصرخون: هذا ليس بلداً، هذه غابة، هذه حرب لا مصلحة لنا فيها".

إما الهجرة أو التحوّل إلى مجرم

أما في رأي كاثرينا ساتان، ناشطة سورية في مجال مساعدة اللاجئين في أوروبا وتقيم في الدانمارك، فإن "الشاب السوري لا يملك سوى خيار الهجرة لأن البديل الوحيد هو التطوع في أحد التنظيمات المسلحة سواء أكان داعش أو المعارضة أو الجيش السوري وبالتالي سيتحول إلى مجرم".

وأضافت لرصيف22 أن "السوري عبارة عن مشروع مجرم إلا إذا هاجر لكي يحافظ على حياته ويديه من التلطّخ بالدم. مَن يبقى من المدنيين لا يملك سوى أن يموت موتاً بطيئاً من الجوع والفقر أو بمختلف الأسلحة الموجودة". واعتبرت أن "سوريا لم تعد لنا وكل مَن يقاتل فيها الآن لا يحارب دفاعاً عنها بل من أجل مصالح دول أخرى ومن أجل معتقدات لا تمتّ إلى سوريا بصلة. مَن بقي في سوريا يعرف ذلك جيداً. عندما يأتي أحد التنظيمات ويأخذ بيته ويهدمه، لا توجد قوة في الأرض تعيد إليه ما سلب منه. لا أحد يدافع عن الآخرين. كل شخص يدافع عن نفسه".

لن أسافر قبل انتهاء الأزمة

يشارك بسام في الرأي العديد من المواطنين السوريين، خصوصاً الذين يقطنون في مناطق سيطرة النظام. محمد الأحمد، من سكان طرطوس، واحد منهم. مع بدايات الأزمة السورية بدأ بتقديم المساعدات للاجئين بمبادرة فردية توسعت في ما بعد لتشمل العديد من الأصدقاء والمواطنين. ثم راحوا يرسلون المساعدات إلى جنود الجيش السوري على الجبهات.

واعترف الأحمد بأن السفر خيار لا بد منه بالنسبة إليه كي يؤمن مستقبله، لكن اتخاذ هذا القرار غير وارد حالياً. "ليس قبل انتهاء الأزمة"، قال.

هجرة الشباب إلى أوروبا تصيبه بالحنق، خصوصاً أنها تؤثر بشكل كبير على الجيش السوري. وبرغم أنه يتفهم ظروف البعض الصعبة التي تدفعه إلى ترك البلد، "فإن عدداً كبيراً من السوريين يغتنمون الفرصة للهرب وليستمتعوا بحياتهم في أوروبا مقابل أن يقوم شباب آخرون بالدفاع عن أهلهم الذين بقوا في سوريا". وأشار إلى أن المجتمع لا يرحم مَن يترك البلد ويهاجر، كما أن موقف الأهل يكون محرجاً أمام الآخرين. وروى أنه "في بعض القرى، الأهالي لا يلقون التحية على من تخلّف عن الخدمة العسكرية، فكيف بالذي يترك البلد ويهاجر؟". أما عن موقف الأهل الذين تركهم أبناؤهم فقال إن "بعض الأمهات يشعرن بالفرح والنصر لأن ابنهن استطاع النجاة، أما البعض الآخر فيشعر بالعار عندما يدافع عنه أبناء الآخرين ويسقطون شهداء". وتابع: "أعرف أمهات سافر أبناؤهن يخجلن من الذهاب لتقديم واجب العزاء إلى عوائل الشهداء". وختم الأحمد: "قبل الحرب، كان البعض منّا ينتقد الفلسطينيين ويحمّلهم مسؤولية خسارة أرضهم عندما تركوها وهاجروا. جزء من هذا البعض يعيش الآن في ألمانيا وإذا استمر الحال على ما هو عليه الآن فسيخسر السوريون أرضهم لمصلحة الآخرين".

سأبقى قريبة

نسرين جقل، سورية كردية من سكان مخيم اليرموك سابقاً ومؤيدة للثورة السورية منذ بدايتها، تركت سوريا إلى تركيا حيث تعمل مع منظمة إنسانية تعنى باللاجئين. قالت لرصيف22: "شخصياً لا أفكر في أوروبا. يريحني أن أكون قريبة من بلدي"، وتابعت: "الخيارات مفتوحة أمام الجميع من الإنضمام إلى داعش إلى الرقص عراة في شوارع برلين، ولكل إنسان الحق في اختيار ما يشاء".

مقالات أخرى

تركيا أغلقت حدودها بوجه السوريين ومَن يحاول العبور يعامله حرس الحدود بقسوة

رعب الخدمة العسكرية يجتاح دمشق ويخلي شوارعها من الشباب

وأشارت جقل إلى أن للهجرة أسباباً عدّة. "ففي البداية اقتصرت الهجرة على المطلوبين من المعارضين. بعض الأثرياء صفّوا أعمالهم ومشوا وآخرون رفضوا المغادرة خوفاً من خسارة ممتلكاتهم. وهناك أيضاً مواطنون لا يملكون شيئاً وجدوا في الهجرة فرصة جيدة وبداية حياة جديدة. وفي مرحلة لاحقة بدأنا نرى جنوداً من الجيش السوري يهربون ويهاجرون بسبب اليأس بالرغم من كونهم مؤيدين بشدة للنظام".

وأضافت: "لاحقاً تفاقمت الأوضاع، والكل ما عاد قادراً على التحمل. القلق، الرعب، الأصوات وحدها مدمرة. هنالك أشخاص طمعوا بميزات لا يحلمون بها في سوريا، مساعدات، سكن مجاني وغيرها في الوقت الذي توقفت فيه الأشغال. مَن يملك عائلة وأطفال جوعى، فإن مجرد فكرة خسارتهم في لحظة ما تجعله مستعداً للهجرة إلى آخر العالم". وتصف جقل مشاعر أهالي اللاجئين الذين قصدوا أوروبا بأنها "مزيج من الخوف والحزن والسعادة والأمل. فهم سيفارقون أبناءهم وقد لا يرونهم مجدداً لكن أولادهم في الوقت نفسه سينجون من الحرب ولاحقاً قد يجتمع شمل العائلة من جديد في أوروبا". وعن الحالة الإنسانية الصعبة التي يعيشها الناس في مناطق المعارضة لفتت إلى أن "النظام لم يترك للناس خياراً آخر. في البدء هربنا إلى المناطق الآمنة ثم أصبحنا عرضة للاعتقال. كنا نعيش كالمتسولين. لو أن النظام لم يرمِ براميل متفجرة على المناطق المحررة لما غادرها أكثر من عشرة في المئة من أبنائها. المدنيون ليسوا مضطرين للعيش في ساحة الحرب". وعن خيارات الشاب السوري اليوم قالت: "في سوريا لا يوجد سوى الحرب. إنْ كان وجودنا لا يغيّر شيئاً فلماذا نبقى؟ ليس عليّ أن أموت لكي أثبت مشاعري. نحن محكومون من قبل مَن يدفع لنا رمق عيشنا، والدول الأخرى هي التي تموّل المتحاربين، لذلك فالحل ليس بأيدينا"، وأضافت: "مَن يملك فرصةً للهرب فليهرب، لا أحد مجبر على خوض حرب لا يريدها. شخصياً أعتقد أن شاباً مهاجراً أفضل من شاب يحمل السلاح".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard