في الأردن، التطرّف لم يعد حكراً على الفقراء والمهمّشين

الأربعاء 12 أكتوبر 201607:32 ص

في أكتوبر الماضي، أقدم الشاب محمد (23 عاماً)، نجل النائب في البرلمان الأردني مازن الضلاعين على تفجير نفسه في هجوم انتحاري في الرمادي، شمال العراق في عملية نفّذتها خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

حادثة محمد الضلاعين لم تكن الأولى لابن عضو في مجلس النواب، ففي مطلع العام الحالي قتل عمران، نجل النائب محمد فلاح العبادي، في سوريا أثناء قتاله مع جبهة النصرة. تظهر عوامل مشتركة عدة بين الشابين عمران ومازن، كلاهما نجل عضو في مجلس النواب، مقّربان من نظام الحكم، ينتميان إلى الطبقة العليا، والاثنان في مطلع العشرين من العمر ويدرسان الطب، الأول في أوكرانيا والآخر في مصر، كما أنهما ينتميان إلى عائلات معروفة بانتمائها الديني المعتدل.

تُقدّر أعداد الأردنيين الملتحقين بالتنظيمات المتطرفة في كل من العراق وسوريا بنحو 3000. ولفترة طويلة، كان هناك انطباع عام أن غالبية هؤلاء الشباب هم من غير المتعلمين والفئات المهمّشة والفقيرة، والمنتمين أساساً إلى أسر متشددة. ولكن، خلال العامين الماضيين، ومع تزايد حدة الصراع في سوريا، بدأت تظهر حالات لشباب يمتلكون سمات مختلفة يعتنقون الفكر المتشدد أو الداعشي. لعلّ أبرز الأحداث التي تشير إلى توسّع الفكر المتشدد والمتطرف بين بعض الفئات في المجتمع الأردني، هو قيام الضابط في جهاز الأمن العام الأردني أنور أبو زيد بقتل 5 في مركز تدريب للشرطة، اثنان منهم أردنيان، واثنان أمريكيان وواحد جنوب أفريقي، وجرح 6.

ظهر الكثير من التفسيرات والتحليلات حول دوافع قيام الضابط بهذا العمل، منهم من ذهب إلى تشبّع الضابط بالفكر المتطرف، ورأى آخرون أن تصرّفه جاء بناءً على دافع ديني، لكن من دون الارتباط بتنظيم معين. بينما خرجت الرواية الرسمية على لسان وزير الداخلية سلامة حماد لترجع أسباب الحادثة إلى عوامل نفسية ومادية لدى أبو زيد.

بعيداً عن العوامل التي دفعت بأبو زيد إلى ذلك السلوك، فقد حظي بجنازة مهيبة شارك فيها الآلاف من المواطنين، وتم وصفه خلال الجنازة، حتى في تعليقات لمواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، بـ"الشهيد"، والتهليل له لقتله مواطنين أمريكيين، كما رفضت أسرة أبو زيد الاعتذار لعائلات الضحايا حتى الأردنيين منهم، وهذا ما يشكّل اختراقاً للعادات والتقاليد الأردنية. 

ما الذي يدفع الشباب الأردني بشكل عام وتحديداً المتعلم والمنتمي إلى الطبقة الوسطى ولعائلات معتدلة إلى اعتناق الفكر المتشدد أو الداعشية؟ يقول الباحث التربوي والكاتب حسني عايش: "يُقدّر عدد الأردنيين المنتمين للتنظيمات المتشددة في سوريا والعراق ببضعة آلاف، وهم يطبّقون هذا الفكر على أرض الواقع، لكن هناك عدداً أكبر بكثير يتبنّى هذا الفكر بالقول والترويج له. الجزء الآخر، وهم الأكثر عدداً وخطراً، إذ يؤمنون بهذا الفكر المتطرف في عقلهم، لكنهم لا يعبرّون عن مكنوناتهم وهو موجودون بيننا".

يرفض حسني فرضية أن الفقر والبطالة والظلم تقود إلى التطرف، ويُرجع حسني التفكير المتطرف على فئات واسعة من الشباب، إلى "التنشئة وما يتلقّاه هؤلاء الشباب في طفولتهم من ثقافة إقصائية ترفض الآخر وتكفّره". ويرى أن "هذه الثقافة متجذّرة في مناهج وزارة التربية والتعليم، وفي خطب الأئمة في المساجد وفي البرامج التلفزيونية وحتى في الشارع". ويضيف: "لفترة طويلة لم تكن الدولة تُبدي اهتماماً بهيمنة التيار الإسلامي المتشدد على مناحي معينة كالتعليم والمساجد، باعتبار أن هذا الاتجاه يخدم مصالحها في مواجهة التيارات الأخرى كالتيارات القومية وغيرها، ولكن اليوم بات هذا التيار يشكّل خطراً".

من جهة أخرى، يقول المفكر والباحث في الفكر الإسلامي ابراهيم غرايبة إن "ظاهرة التطرف يجب النظر إليها على أنها تشمل جميع الطبقات والفئات، كونها جميعاً تمتلك الأسباب والدوافع والمصالح والحوافز الاجتماعية للمشاركة مع الجماعات المتطرفة كوسيلة للاحتجاج والتمرد والحماية من الظلم والتهميش والإقصاء".

ويرى غرايبة أن "هناك 9 عوامل تجعل من داعش والجماعات المتطرفة ملجأً جاذباً لمختلف الطبقات والفئات. أولها أن المجتمعات ليست حليفة للدول في مكافحة التطرف والإرهاب، إنما تتخذ مواقف سلبية، حتى أن بعض فئات المجتمع ترى في الجماعات المتطرفة حليفاً ضد الدولة، التي تعتمد سياسة التهميش والوصاية والاحتكار". كما يعتبر غرايبة أن "السلطات السياسية غير جادة في مكافحة الإرهاب، ولعلها ترعاه وتشجعه. ففي هذا الصراع، يمكن السيطرة على المجتمعات وإلحاق الطبقة الوسطى بالنخب المهيمنة، وهي في الواقع تحارب المتطرفين وترعى التطرف. أما ثاني العوامل، فيكمن في أن مكافحة الإرهاب تسير في الاتجاه الخاطىء، فالدول وأجهزتها مشغولة بعوارض الظاهرة وتجلياتها، أكثر من انشغالها بجوهرها وأسبابها".

مقالات أخرى

من مجاهدين في سبيل "الراب" إلى مجاهدين في سبيل "الربّ"

هل تساهم مناهج الأزهر في تنشئة جيل متطرف؟

يلفت غرايبة إلى أن "مسألة الشعور بالتهديد التي تستحضر فكراً دينياً متشدداً وراسخاً، ينشئ التطرف والعنف، وهي ثقافة قائمة على الصراع من أجل البقاء، ومتصلة بقاعدة العرض والطلب". ويشير إلى "حالة الهوس والتطرف الديني السائدة في المنطقة التي وصلت حتى الإدمان لدى البعض، بينما تعتبر سلبية المجتمعات وانسحابها بعد تغييبها وتهميشها المتواصل والمتراكم من النخب والسلطات أخر تلك العوامل". وهو يرى أن "لا مجال لمواجهة الجماعات الدينية والمتشدة والمسلحة، سوى بالمشاركة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الواسعة للمجتمعات والأفراد ليقرّروا مصيرهم".

في المقابل، يدعو النائب مازن الضلاعين، الذي انضم ابنه إلى داعش وقُتل في عملية انتحارية، الحكومة الأردنية إلى ضرورة مواجهة خطر داعش والتطرف الداخلي. ويقول: "على الحكومة أن لا تضع رأسها في الرمال كالنعامة، لأن خطر الشباب داخل الأردن أشد ممن التحق للقتال معهم، احموا شبابنا من خلال التعامل اللين مع أبنائنا وبالشدة مع أعدائنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard