بيروت - باريس: لماذا دماء الغربيين أغلى من دمائنا؟

الأربعاء 12 أكتوبر 201607:26 ص

الأسباب التي تدفع العالم أجمع إلى استهوال مقتلة في باريس أكثر بكثير من استهوال مقتلة في بيروت كثيرة.

العنف الطبيعي والعنف الطارئ

حين وقعت مقتلة شارلي إيبدو، في باريس في السابع من كانون الثاني الماضي، تزامنت الجريمة التي نفذها الأخوان كواشي مع انفجار في اليمن خلّف أكثر من 100 ضحية. ليس من قبيل التجني القول إن العالم نسي مقتلة اليمن، لكنه لم ينس مقتلة شارلي إيبدو.

يردّ البعض هذا التمييز إلى واقع أن العنف الذي يعصف باليمن أو لبنان هو عنف يومي ومتواصل من دون انقطاع في حين أن العنف الذي يضرب فرنسا أو بريطانيا موسمي وطارئ. ويذكّر هذا التمييز بأفكار اليمين الأميركي في تسعينات القرن الماضي حين كان يدافع عن حق الأمم المتقدمة في التوقّف عن تمويل إنتاج لقاحات الأمراض التي انقرضت في العالم المتقدّم وفي استثمار هذه الأموال في أبحاث سرطان البروستات، مع أن المرض الأخير يودي بحياة أشخاص أقل بكثير من الذين تودي بحياتهم الأمراض المتفشية بين شعوب أفريقيا الوسطى كالكوليرا والتيفوئيد.

مقالات أخرى

ماذا بعد هجمات باريس؟

تاريخ العمليات الانتحارية في لبنان

هذه حجج موجودة ولها أنصارها المنتشرون في العالم المتقدم، ومنها تتغذى حركات اليمين المتطرف "العنصرية" التي تدعو إلى إغلاق الحدود أمام المهاجرين غير الشرعيين، أكانوا لاجئين سوريين يعبرون المتوسط نحو أوروبا هرباً من حرب لم تبق ولم تذر، أم كانوا عمالاً مكسيكيين يلجأون إلى الولايات المتحدة بحثاً عن حياة أفضل قليلاً من تلك التي يكابدونها في بلدهم.

ولكن...

مع ذلك، ليست كل الحجج على هذا النحو من الوقاحة. ذلك أن الاستنكار والخوف والاستهوال مشاعر تتعلق بطبيعة أحوال البلد الذي يتعرض لمثل هذه الاعتداءات.

على نحو مماثل، تزامنت تفجيرات برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية مع اعتداءات باريس الدامية. هذه المرة كانت اعتداءات باريس أوسع حجماً وأكثر كلفة من مثيلتها اللبنانية. لكن الاستهوال الكبير الذي أحدث تغييراً في أجندة العالم كله حيال اعتداءات باريس الدامية، لا يتعلق بعدد الضحايا الكبير.

الاهتمام بمقتلة باريس الجديدة نابع من واقع أن فرنسا ما زالت تقع في الجهة المنارة من العالم على عكس لبنان أو اليمن أو سوريا. ومن جهة ثانية، ليس خافياً أن فرنسا حتى اللحظة ما زالت تأمل ويأمل معها العالم في أن تنجو من الخراب. في حين أن إنقاذ لبنان من الخراب الذي يقبع فيه يحتاج إلى أكثر من معجزة واحدة.

والحال، لن ننقذ الطفل المحتضر، والذي بتنا نتعايش مع احتضاره الطويل، وسنهرع لإنقاذ الطفل المصاب بوباء عارض ويمكن ببعض العناية أن يشفى منه.

تضامن لا يدوم

في الحادثة اللبنانية، وفي الساعات التي أعقبت التفجيرات التي استهدفت برج البراجنة، ارتفعت أصوات المتضامنين مع أهل الضاحية بين اللبنانيين. لكن الساعات القليلة التي أعقبت هذا التضامن العام سرعان ما كشفت عن عمق التباين في مشاعر المتضامنين.

فخرجت أصوات تدين الضحايا على موتهم بوصفهم يتحملون مسؤولية اتجاهات حزب الله العسكرية والأمنية والسياسية وتدخله في سوريا لدعم النظام السوري. وسرعان ما انكشف عمق الانقسام اللبناني الأهلي، وعاد الخطاب العصبي الضيق إلى ما كان عليه قبل الجريمة. تم دفن الضحايا واستؤنف الصراع من حيث كان، كما لو أن موتاً لم يحدث في الضاحية أصلاً. عاد حزب الله إلى خطابه السابق، وعادت القوى المناوئة له إلى خطابها السابق، حتى قبل أن تنتهي مراسيم العزاء.

في الحادثة الفرنسية، بدا أن اللبنانيين أنفسهم على اختلاف مشاربهم أكثر تماسكاً في إدانة الجريمة الفرنسية من تماسكهم في إدانة الجريمة اللبنانية. ورغم أصوات خافتة أدانت التضامن اللبناني والعربي عموماً مع فرنسا في مصابها، إلا أن الغالب الأعم على ردود الفعل كان استنكاراً وشجباً شديدين.

واللافت في التعامل مع الحادثة الفرنسية كان إغفال الحديث عن هوية الضحايا ومنابتهم، باعتبار أن الضحايا هم، وحتى إشعار آخر، أبناء شعب واحد ويخضعون لسلطة دولة واحدة. ولا يفرق بينهم منبت أو نسب أو دين أو لون. ومرد هذا الأمر على الأرجح إلى أن فرنسا لم تنحدر حتى اللحظة إلى حرب أهلية باردة أو ساخنة كما هي الحال في لبنان، أو سوريا أو اليمن. وتالياً، ما زال الفرنسي من أصل مغربي فرنسياً كامل الحقوق حتى إشعار آخر، وما زالت أوروبا موحدة حتى تثبت الأحداث تفرقها وتبدد لحمتها.

ثمة مسألة أخرى بدت واضحة في التعامل مع الحادثتين تتعلق بمسار التحقيقات. في لبنان وصلت التحقيقات إلى خواتيمها خلال يومين اثنين. واعتقلت السلطات الفاعلين والمحرضين والمتواطئين، بحسب البيان الرسمي. ما يوحي بأن لبنان بات محصناً ضد أي اعتداء، وهو الأمر الذي يعرف القاصي والداني استحالة تحققه. أما في فرنسا فالتحقيقات تسير ببطء أشد. ذلك أن فرنسا ما زالت تأمل في استئصال المرض من جسمها، مرة واحدة وإلى غير رجعة. رغم صعوبة هذا التحقق، لكن الأمل ما زال موجوداً، على عكس الأمل الميت في لبنان.

استنكار الجريمة التي واجهتها فرنسا بصوت أعلى وغضب أشد من استنكار الجريمة التي واجهها لبنان، يبدو لهذه الأسباب مجتمعة منطقياً وذا معنى. ذلك أن دوافع الجريمة في فرنسا ومقاصد المجرمين ما زالت خارجية، وتأتي من خارج حدود الدولة-الأمة وفلسفتها وسياستها ولحمة ما تبقى من اجتماعها.

لكن الجريمة التي حدثت في لبنان تملك التباساتها الداخلية الكثيرة والعميقة، ما يجعلها جريمة محلية بامتياز، وشأناً داخلياً يجدر بأي عاقل أن لا يتنطح للدخول في متاهاته الأهلية.

الخلاصة: ما زالت فرنسا دولة-أمة، أما لبنان الذي لم ينجح يوماً في أن يكون دولة-أمة، فيبدو اليوم أشبه ما يكون بكيان ما قبل حداثي، تغلب على أهله ثقافة الثأر والشماتة، والرغبة العارمة بتدمير الاجتماع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard