نواب عراقيون يأبون التخلّي عن "قَبَليتهم"

الجمعة 2 يونيو 201703:16 ص

يأبى بعض النواب العراقيين التخلي عن قبليتهم، ويحملون العادات والأعراف العشائرية التي تشرّبوها في بيئتهم إلى أعلى سلطة تشريعية في البلاد. وعادةً، فور تولّي السياسي العراقي منصب ما يُسارع إلى شكر أبناء قبيلته والمقربين منه دينياً.

انتخبوا ابن عشيرتكم

في مقهى مجلس النواب العراقي، كثيراً ما تدور خلف الكواليس أحاديث بين أعضاء البرلمان، حتى النساء منهم، عن الانتماء القبلي والديني والمذهبي للنواب. ومن الملاحظ أن غالبية النواب يحملون اسم العشيرة بعد أسمائهم لا أسماء آبائهم، ودائماً يحاولون أثناء فترة الانتخابات التركيز على ألقابهم العشائرية.

علماً أن الاعتماد في الانتخابات النيابية على القبيلة يكون كبيراً. أعداد كبيرة من شيوخ العشائر الذين لم ينخرطوا في العمل السياسي قبل وبعد عام 2003 ترشحوا فجأة للانتخابات، وكان الفوز حليفهم. فشيخ العشيرة يمتلك أصواتاً داخل عشيرته تُمكّنه من الوصول إلى البرلمان.

احموني انا ابن عشيرتكم

قبل أشهر، شهدت الأوساط الشعبية والسياسية العراقية جدلاً حول خلاف وقع بين النائب حنان الفتلاوي والمتحدث باسم كتلة المواطن بليغ أبو كلل. الخلاف نتج عن سجال بينهما على خلفية لقاءات تلفزيونية غير مباشرة. إذ تحدث أبو كلل عن مصطلح "الانبطاح" الذي تتداوله كثيراً النائب الفتلاوي، لكن، بطريقته الخاصة وبإيماءات أوحت للآخرين بقصد غير المتعارف عليه.

وكانت الفتلاوي، التي جمعها قبل ذلك لقاء مباشر مع أبو كلل في استوديو قناة العراقية شبه الرسمية، وصفت حديث خصمها بأنه "كلام زعاطيط" (كلام أطفال). لكن الشاب الذي ينتمي إلى كتلة المواطن بزعامة عمار الحكيم كان ذكياً وهو يستفزها، إلا أن الخلاف تطور واستوجب جلسة عشائرية.

ففي العراق، إذا ما أرادت عشيرة أخذ حقها من عشيرة أخرى، أو منحها وقتاً لزيارتها (التحويل) ومعرفة مطالبها، فإنها تمنحها "عطّوة"، أي مُهلة عليها استغلالها لتطييب الخواطر وتهدئة النفوس. هكذا طلبت عشيرة آل فتلة المعروفة في وسط وجنوب العراق، والتي تنتمي اليها النائب الفتلاوي من عشيرة أبو كلل الاعتذار عن التصرف الذي قام به ابنها تجاه ابنة عشيرة آل فتلة.

وكان أن عقدت العشيرتان جلسة صُلح. وطلبت عشيرة النائبة الفتلاوي تعويضاً قدره 400 مليون دينار عراقي، أي ما يعادل 350 ألف دولار أمريكي. وبعد تدخل أشخاص وشيوخ لا ينتمون إلى العشيرتين المتخاصمتين، بحسب الأعراف، خُفّض التعويض إلى مئة مليون دينار.

صوت العشيرة أقوى من الدستور

وقال الباحث الاجتماعي العراقي واثق صادق لرصيف22 إن "بروز التنظيم العشائري وعلو صوته في مقابل صوت الدستور والقانون ومؤسسات الدولة، هو أحد أخطر نتائج الدولة الريعية". وأوضح أن هذا يحدث بسبب "خروج العراق من حقبة الدولة ذات الطابع المركزي الشمولي المهيمن على الهويات المتعددة، إلى حقبة النموذج الديمقراطي القائم على المحاصصة، والذي أفضى إلى تفكك مفهوم الدولة المؤسساتية. فباتت العشيرة تتحكم عبر ارتباطها بالأحزاب والشخصيات السياسية بالكثير من التفاصيل المؤسساتية والدرجات الوظيفية سعياً إلى ما يسمى الحفاظ على مبدأ التوازن".

مقالات أخرى

مافيات الدواء تُغرق العراق بمنتجات فاسدة

لماذا يشارك الفنانون العراقيون في احتجاجات بغداد؟

وأكّد أنه "عندما تكون فاعلية القانون غير ذات قيمة ونفع حقيقيين، يمكن القول إن الدولة قد استقالت من تأثيرها المطلوب في المجتمع، وابتعدت عن فاعليتها في بناء المؤسسات وتقويمها وتطويرها". وفي هذه الحالة، أضاف، "وبما أن السياسي يعرف أن سيطرة الدولة ضعيفة، وهيبة القانون منحسرة، والفساد متفشٍّ، لا يعود أمامه إلا اللجوء إلى القبيلة - العشيرة، لحل خلاف أو نزاع بينه وبين طرف آخر، وهذا ما يؤدي بالنتيجة إلى المزيد من تغوّل العشيرة وسعيها إلى فرض قيمها، وإلى المزيد من غياب الدولة واضمحلال سيطرتها في المجال العام".

العشيرة تهدّد بمقاضاة الوزير

نائب أخرى من محافظة البصرة، جنوب العراق، قامت قبل أسابيع، برفقة نائب آخر، بزيارة إلى وزارة التربية العراقية. تعرّض النائبان فجأة داخل الوزارة إلى "محاولة اختطاف" بحسب الرواية التي خرجت عن لسانيهما. ولم يعرف لا النائبان ولا الوزارة هوية المسلحين الذين قاموا بالمحاولة.

وعقب الحادثة، أصدرت النائب عواطف نعمة بياناً صحافياً قالت فيه إن عشيرة الدريسات (التي تنتمي إليها النائب) أكدت على لسان شيوخها عزمها مقاضاة وزير التربية محمد إقبال، لاستخدامه مسلحين تابعين لمكتبه في محاولة خطف واغتيال النائب عواطف نعمة، وإن "هؤلاء الذين نفذوا الاعتداء غير تابعين لوزارة الداخلية ولا لوزارة الدفاع ولا لحماية المنشآت، وهذا يعني أن الوزير مسؤول بشكل مباشر عن هذه الجريمة".

وأضافت نعمة: "نحن العشائر قادرون على حماية أبنائنا من اعتداءات الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة ونعلن اليوم أننا سنقاضي وزير التربية عشائرياً". بتصرّفها هذا، انطلقت النائب العراقية من قناعتها بضعف مؤسسة الدولة في حماية المواطن، فلجأت بنفسها إلى العشيرة التي ألغت دور القانون وساهمت بجزء من الخراب الذي يعيشه العراق الآن.

الديمقراطية كوسيلة لـ"أكل" الدولة

ولفتت الأستاذة في كلية الإعلام في جامعة بغداد إرادة الجبوري إلى أن "الذين نتحدث عنهم لا تنطبق عليهم صفة السياسي، كما أن معظمهم لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بدولة المؤسسات ولا بالمواطنة، ولم تكن الديمقراطية بالنسبة إليهم سوى وسيلة للانقضاض على ما تبقى من الدولة العراقية عام 2003".

وأضافت لرصيف22 أنه "برغم جلوسهم تحت قبة البرلمان فإن العقلية التي تحكم سلوكهم تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة، فينطلقون من الهويات الفرعية التي تتناقض في المبنى والمعنى مع فكرة الدولة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard