دولة برغواطة المغربية: حرموا أكل البيض وكتبوا القرآن بالأمازيغية

الثلاثاء 12 يوليو 201604:23 م

تعاقبت على تاريخ المغرب عدة دول وحضارات تركت بصماتها في موروث البلد، إلا استثناء وحيد، دولة بالكاد نعرف أنها تواجدت، رغم أنها عمّرت أربعة قرون. دولة برغواطة الأمازيغية المغربية، التي قامت في منطقة تامسنا (غرب المغرب)، وعاصرت الدولة الأموية والدولة الإدريسية، وفاقتها في التعمير، اختفى أثرها من التاريخ المغربي، كأنها لم تكن. فلماذا لا نسمع بها؟

شرارة الثورة من طنجة

بعد قدوم الفاتحين المسلمين إلى المغرب، حاملين معهم الدين الجديد، قام غالبية الأمازيغ بالتحول إليه بعد مقاومة تارة شديدة وتارة خافتة، إلى أن استقر غالبية أهل المغرب على الإسلام. وكان بعد ذلك الهدف الجديد للفاتحين هو نقل الإسلام إلى الشمال، حيث أوروبا والأندلس. لذلك احتاج العرب إلى استعانة بالأمازيغ لخبرتهم في المنطقة، واتقاءً لفتن جديدة.

قبل حملة "طارق بن زياد الشهيرة"، قام المسلمون بحملة استطلاعية لفتح الأندلس قادها العسكري الأمازيغي طريف بن مالك (المسمًى طريف المطغري حسب بعض المراجع)، وقام خلالها بعدة غارات وحملات على جنوب إسبانيا، غنم فيها الكثير، وعليه سمًيت مدينة طريفة في الجنوب الإسباني. حصل طريف مقابل جهاده في الأندلس على أرض تسمى "ريو برباطي" (وادي برباط)، كما ذكرها المؤرخ البكري. هذا الاسم هو الذي سيتحوًل بعد تعريبه لبرغواطة.

برغم إسلامهم واتباعهم لتعاليم الدين، فإن المؤرخين أجمعوا على أن الأمازيغ في المغرب الأقصى كانوا يعانون من سوء معاملة بني أمية لهم، إذ كانوا يسبون نساءهم ويستعبدون أبناءهم وينهبون أموالهم، بل وفرضوا عليهم الجزية رغم إسلامهم (إسوة بما فعله الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق)، وقد ذكر ابن خلدون أن البربر ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة لخلافاتهم السياسية مع العرب. سوء معاملة الأمويين للأمازيغ، وانشغال الخلفاء عن أحوال المغرب مهدا لحركة انفصالية وثورات أمازيغية عن الحكم الأموي. سنة 739 انطلقت في مدينة طنجة شرارة أول ثورة خوارج في المغرب قادها قائد مغربي هو ميسرة المطغري، لتعم الثورات كل الغرب الإسلامي. التحق طريف بن مالك بحركة الخوارج الصفرية بقيادة رفيقه في الفتوحات ميسرة.

المذهب الصفري

أشار الدكتور رجب عبد الحليم في كتابه المرجعي حول برغواطة (دولة بني صالح في تامسنا بالمغرب الأقصى) إلى أن ثورات الخوارج الصفرية في المغرب لم تكن خروجاً عن الدين بقدر ما كانت خروجاً عن السلطة الحاكمة الظالمة. كان مبدأ المذهب الصفري الذي تبناه الثوار هو أن "الحكم لا يكون بالضرورة للقرشيين وحدهم، بل هو حق مباح لمن يصلح من المسلمين، سواء كان قرشياً أو غير قرشي، عربياً أو غير عربي". استمر الصفرية في ثورتهم إلى أن وصلوا إلى تونس، وانهزموا مع العرب وقتل ميسرة. رجع حينها طريف وابنه صالح إلى موطنهما الأصلي، حيث أسسا دولة برغواطة سنة 743 على المذهب الصفري، في منطقة تامسنا بين مدينتي سلا وآسفي.

تناسلت الحكايات حول دولة برغواطة، وعاداتهم ودينهم، فهناك من وصفهم بالمجوس، وهناك من قال بأصولهم اليهودية. لكن ما انفردت به برغواطة وعرفت به هو كونها دولة مغربية خالصة. كانت كل المعاملات باللغة الأمازيغية، يذكر البكري أن الصلاة كانت بالأمازيغية ويقول "ابسمن ياكوش مثلاً تعني باسم الله، ومقور ياكوش تعني الله أكبر، وهم كانوا يقرأون نصف قرآنهم في وقوفهم، ونصفه في جلوسهم".

وأشار البكري أنه كان لهم قرآن باللغة الأمازيغية فيه 80 آية غالبها منسوبة إلى أسماء الأنبياء، وكانوا يؤمنون بالنبي محمد وبرسالته، وكان ملوكهم يستدلون بالآية 14 من سورة إبراهيم: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"، لتبرير دفاعهم عن الأمازيغية والاستعمال الديني لها.

ذكر البكري العديد من عادات برغواطة التي لو صدقت لوضعوا من دون شك في موضع الخارجين عن الإسلام، فكانوا (حسب بعض المؤرخين) يصلون 5 مرات في النهار و5 في الليل، ويصومون شهر شعبان (ابن حوقل – صورة الأرض)، ويصلون صلاة الجمعة يوم الخميس، ويمنعون الزواج مع المسلمين من الطوائف الأخرى، ويتزوجون ما يشاؤون من النساء. 

كان أكل البيض محرماً عندهم وكذلك الديك، فالديك كان يعتبر مؤذنهم، ولا تزال بعض قبائل زمور (غرب المغرب) تقول بمقولة "أيتوذان أوفولوس" أي أن الديك يؤذن. كان "صالح بن طريف"، وهو ورع وعالم درس علم الفلك في المشرق، يتنبأ بالخسوف دوماً، وهذا ما جعل بعض الناس يقدًسونه ويعتبرونه نبياً. تقاليد برغواطة مزجت الإسلام مع المعتقدات الوثنية السابقة لها، وبعض التقاليد اليهودية كنفي الكذاب وقتل السارق.

إسلام مغربي لا عربي

كل هذه المؤشرات وجب أخدها بعين الحذر، استناداً إلى مقولة إن التاريخ يكتبه الفائزون، ونظراً للعداوة السياسية بين برغواطة ومنافسيهم، فقد كان من الطبيعي أن ينعتوا بعدة نعوت وأن يتم تكفيرهم، برغم أن مؤسسيها كانوا مسلمين مغاربة ثاروا على الظلم الأموي. تقول قراءات مثل قراءة الدكتور رجب أن "البرغواطيين لم يخرجوا عن الإسلام، بل اكتسبوه لمصلحتهم وأضافوا له لمستهم المغربية، ولإظهار تطرفهم في الإسلام قاموا بالصلاة والصيام مضاعفة". تعارض المصادر يجعل التحليل صعباً، ويترك الحقيقة غامضة. لكن تبقى إشارة الدكتور رجب في كتابه، إلى أن "جل من عاصر برغواطة من المؤرخين لم يتحدًثوا عن دينها، إلا من أتى بعدهم"، ما يرجح كفة كون هذا التكفير وتعداد القصص، هدفه سياسي، فمثلاً قرآن برغواطة لا أثر له إلا سطر واحد ذكره البكري.

كانت دولة برغواطة دولة قوية عسكرياً. عند تأسيس الأدارسة لدولتهم، حاولوا مواجهتها في عدة حروب ولم يقضوا عليها، بل انهزموا وسقطت دولتهم وبقيت برغواطة، ما يكذب بعض الأقوال إن الأدارسة حكموا المغرب كلًه. كان لبرغواطة علاقات تجارية مع الأندلس في موانئ سلا وفضالة وأنفا وآسفي، وكان لهم سفراء مثل السفير زمور البراغواطي، الذي أُرسل إلى الحكم المستنصر بالله الأموي، ومنه أخذ المؤرخون معظم أخبار برغواطة.

عند ظهور دولة المرابطين (المتشددين في المذهب المالكي)، رأى مؤسسها "عبد الله بن ياسين"، أن جهادها أولى من جهاد أي دولة أخرى فحاربهم، لكنه انهزم وتوفي في المعركة في قرية اكريفلة قرب ازحيليكة في إقليم الخميسات.

وتولى القائد "أبو بكر اللمتوني" قيادة المرابطين بعد ذلك، للقضاء على الخوارج الصفريين البرغواطيين. ونظراً لقوته العسكرية الضخمة، تمكن من القضاء على دولة برغواطة، بإحداث دمار هائل في المنطقة، إذ أشار "الحسن الوزان"، إلى أن الضحايا بلغ عددهم مليون، والمدن التي دمرت 40 مدينة لم يبق منها أثر، ليكون بذلك مهد لنهاية دولة برغواطة سنة 1148 على يد الموحدين. ولم يتبق حالياً من هذه الدولة إلا بعض القبور المتناثرة هنا وهناك في سهول دكالة والشاوية، وشذرات من الروايات الشفهية، إضافة إلى عادة تحريم البيض التي قد تجد بعض الأشخاص في قبائل دكالة محافظين عليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard