مراجعة لرواية "أحببت حماراً"

السبت 28 مايو 201605:54 م

تختار رغد السهيل لروايتها الأولى عنواناً لافتاً: "أحببت حماراً". إلا أن غرابة العنوان لا تلبث أن تتبدد أمام غرابة العوالم التي تبنيها الكاتبة، وغرابة الشخصيات التي تخلقها. أما التهكم، الذي قد يوحيه العنوان، فلا يلبث أن يمتد ليشمل الرواية كلها، متحوّلاً إلى سخرية تشعر القارئ بالفكاهة برغم أنها تختزن الألم. 

بعد علاقات عاطفية عدة مع رجال عاديين، أدركت الدكتورة أمل، الأستاذة الجامعية، أنها لن تجد رجلاً بآذان طويلة كما تريد لكي تحبه، فقد حكت لها جدتها عن الغول الذي أقبل على بغداد والتهم آذان الرجال، حتى نبتت في جسده، ومنذ ذلك الوقت "صار الذكور يولدون إما بآذان قصيرة جداً أو بآذان صماء، أي ملتصقة برؤوسهم أو من البلاستيك".

هكذا تجد أمل في حمار العم زكي الحبيب المناسب، فهو "يمتلك خصائص كثيرة، وله أذنان نادرتان في الطول"، لكن الحمار يختفي بعد مقتل العم زكي بائع الخضر والفواكه، بثلاث رصاصات، وتبدأ رحلة البحث عنه في أرجاء بغداد الجديدة التي لا تستطيع الراوية تقبّلها.

مراجعة رواية احببت حماراً - كتب

نحن إذاً أمام بغداد "المقطّعة" في سردٍ يشبه "شكل بغداد الحديث". البطلة تركض والقارئ يلهث وراءها باحثاً عن المعنى، وهي تحذره منذ البداية "سأواصل السرد، عليك التركيز لتكتشف بؤرة المركز وربما نقض المركز، خارج الفحولة، داخل القطب البارد". وبينما البطلة تبحث عن حمارها، تروي في الوقت نفسه، حكايات الناس الذين يعيشون حولها، وحكاية مشاريع الحكومة العراقية في جعل النساء يطرن إلى القمر، تتداخل حكايات جدتها بسعاد المصابة بالزهايمر مع حكاياتها، وحكايات الملف الذي عثر عليه العم زكي قبل أن يموت وسّلمه إليها، لتكتشف أن فيه رواية أيضاً، تفرد لها صفحات على امتداد السرد، تعنون كلاً منها باسم "ورقة".

هكذا تتداخل أجزاء السرد، بين حكايات دائرية متقاطعة ومتفرعة، ليتوه المعنى وتزداد الحيرة، فتأتي الخاتون، تلك الشخصية الغريبة، التي تظهر وتختفي أمامنا وأمام الراوية فجأة، مكثّفةً بلغتها الغامضة وجملها الساحرة الكثير من مقولات الرواية، "لا صدى في قلب الليل حيث لجة الغياب، وبغداد رحم ينجب الأصوات، تنتقل الآه إلى الداخل لتضيع في الضجيج، حتى توجهت نحو مقبرة الصرخات، توارت في العمق، حيث أول النطق، بابا... بابا، باء قتيلة في طفولة عجوز، باء تحت أنقاض العامرية، مثلها في الفلوجة، وفي كنيسة سيدة النجاة، وباء تنام في صناديق خشبية (...) يتحرك القهر في العراق، يدفع عجلة السنوات، يخطف الباء ويمشي، ثاني الحروف العربية لم يذكر اغتياله أحد".

مقالات أخرى

روايات جريئة جنسياً بأقلام نسائية

مقاصد المثقفين في العالم العربي

ترسم الرواية صوراً عن الخراب الذي طال العراق بسبب الاحتلال وما تلاه، هذا الخراب الذي شوّه المكان والإنسان القاطن فيه، ومن خلال الرواية التي عثر عليها زكي ورواية البحث عن الحمار، نقرأ قصصاً عن شخصيات انتهكتها قسوة الحياة، وقصص نسوة عانين في الوقت نفسه من ظروف الحرب ومن سلطة الرجال في عائلاتهن، كما حال دموع التي أحرقت نفسها كي لا تتزوج من رجل يكبرها، وهيلة التي دفعها زوجها إلى أحضان الرجال، ولهيب المرأة المجنونة، التي تفترش الأرض وتتفوه بالهلوسات، ثم نكتشف في ما بعد أنها كانت أول محقق عدلي من النساء في العراق، لكن الفساد المتغلغل في أجهزة الدولة لم يتركها، وهناء التي باعت طفلتها...

أما القصة التي تحتل القسم الأكبر، فهي قصة أم صابر التي تبيع ألعاب الأطفال، وصديقتها أم مظلوم، التي تسلمت جثة زوجها من دون رأس في صندوق خشبي. والمرأتان تساعدان لطيفة، الفتاة التي ترمي الحجارة على كل رجل أصلع تراه، ولا تتحدث إلا بالإنغليزية، وتعطر جسدها دوماً بأحلى روائح الصابون. أما حكايتها، فالكاتبة تمررها قطرة قطرة، مع كثير من الفجوات التي تترك للقارئ تعبئتها وإدراكها بنفسه.

تمتلئ الرواية بالرموز، وهذا ما يجعلها تحتاج أكثر من قراءة متأنية لفهمها كلها، وفهم كل ما أرادت الكاتبة قوله بأسلوبها التهكمي، وشخصياتها الغريبة والمتفردة، خصوصاً "بابا نويل" العراقي بأسماله البالية الحامل علماً كبيراً للعراق، ويمشي في شوارع بغداد مردداً أغنيته: "قامت قواتنا الجوية في الساعة 13 من هذا اليوم 22 أيلول 1980 بالتعرض للقواعد والمطارات العسكرية في عمق أراضي العدو، وألحقت أضراراً بالغة في الأهداف العسكرية، أما وحداتنا الصاروخية /أرض - أرض/ فقد حققت إصابات دقيقة وألحقت أضراراً فادحة بقواعد التموين الرئيسية... ثم انتحرت فتاة... وليخسأ الخاسئون".

نعم، جملة صغيرة في نشيده الحربي "ثم انتحرت فتاة"، جملة صغيرة لا تثير انتباه أحد، ولا أحد يلتفت إليها أمام فحولة الجمل السابقة، لكنها هي المركز. حدث بسيط لا أحد يلتفت إليه في الحرب الطاحنة، لكن الرواية كلها كُتبت لتعيد الاعتبار لأولئك النسوة البسيطات المقهورات اللواتي تطغى أصوات الحرب على أصوات أوجاعهن. 

رغد السهيل، كاتبة عراقية من مواليد بغداد. حاصلة على دكتوراه في علم المناعة (الأحياء المجهرية). وهي عضو هيئة تدريسية كأستاذ مساعد في كلية العلوم/ جامعة بغداد. نشرت العديد من المقالات والقصص في الصحف العراقية والعربية. لها مجموعتان قصصيتان: "ضحكة الخاتون"، "سايكو بغداد". و"أحببت حماراً" هي روايتها الأولى.

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت 

عدد الصفحات: 280  

الطبعة الأولى: 2015

يمكن شراء الرواية من موقع نيل وفرات ومتجر جملون

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard