الجنس المقدس... عن ممارسة الجنس باسم الإله

الثلاثاء 12 يوليو 201603:31 م

لدى بعض المجتمعات القديمة، لم يكن الجنس دائماً مجرد ممارسة حسية غرائزية لإشباع الدافع الجنسي، بل أحياناً كان نوعاً من التقرب للإله، أو التضحية في سبيله، أو الطقس الديني المرتبط بالعقيدة. هذه بعض صور تلك الممارسات الجنسية "المقدسة" عند شعوب تلك المجتمعات.

الجنس المساعد لحركة النمو والتكاثر للإنسان والطبيعة

كان لدى قبيلة "توهو" في جزر موريشيوس اعتقاد أن الأشجار مرتبطة بالحبل السري للسلف الإلهي لشعب القبيلة، لهذا كانوا يعلقون الحبال السرية للأطفال الحديثي الولادة على غصون الأشجار. وكان على المرأة الراغبة في التمتع بالخصوبة أن تلتمسها من تلك الأشجار، بأن تعانقها كما يحدث في وضع الجماع. يختلف اتجاه معانقتها للشجرة من ناحية الشرق أو الغرب حسب رغبتها في نوع المولود ذكراً أو أنثى، أي أنها كانت، بشكل أو بآخر، تعانق السلف المقدس ليمنحها الأبناء.

وشعب "بيبيل" في أمريكا الوسطى، كان يربط العملية الجنسية بين الرجل والمرأة بنمو المزروعات، فكان الرجال يكبتون شهواتهم عن النساء أربعة أيام قبل وضع البذور في التربة، ثم يضبطون موعد ممارستهم الجنس مع زوجاتهم على وقت زرع البذور، ليتحقق التزامن المطلوب. كذلك قبل إزهار المزروعات، كانوا يزورون الحقول ويمارسون الجنس فيها لتحسين المحصول، ويتم ذلك بأمر من رجال الدين.

أما في الجزر الواقعة بين غينيا الجديدة (آسيا) وشمال أستراليا، فقد اعتقد السكان الأصليون أن الإله الشمس هو الذكر الذي يلقح الأرض الأنثى، فكانوا ينتظرون بداية موسم المطر ليزينوا الحقول له، كتزيين غرفة العريس ليلة زفافه، ثم يقيموا حفلات الجنس الجماعي في الحقول، ليساعدوا الإله في القيام بمهمته المقدسة، حتى تحل طاقة الخصوبة على المزروعات والماشية.

وفي بعض جزر جنوب شرق آسيا، خصوصاً أمبيانا في كوالالامبور، حين كانت البراعم تنذر بضآلة المحصول، كان الرجال "يساعدون" الأشجار بأن يعانقوها كوضع المضاجعة، ويقومون حركات الجماع نفسها مع الصراخ العالي، اعتقاداً أن هذا يساعد على وفرة المحصول.

وكان سكان الباجاندا في أفريقيا الوسطى، يربطون العلاقات الجنسية وخصوبة المرأة بجودة المحصول، فكانوا يبعدون المرأة العقيمة عن الحقول كي لا تؤثر عليها سلباً. وكان الزوجان الحاصلان حديثاً على توأم يزوران الحقول فتنام المرأة وتضع بين ساقيها وردة، ويأتي زوجها ويطيح بالوردة بعضوه الذكري، ثم يدوران في الحقول وهما يرقصان لمنحها "البركة". كما سادت في أوكرانيا عادة قديمة، هي أن يخرج المتزوجون حديثاً في عيد القديس جورج، في 23 أبريل، ويستلقون على أرض الحقول، ويتدحرجون مرات عدة لمنح الخصوبة للمزروعات.

الدعارة بمباركة الإله

تشير الموروثات عن حضارات ما بين النهرين، إلى وجود ما يسمى "العاهرات المقدسات" أو "عاهرات المعبد". فأسطورة جلجامش السومرية، تتحدث عن أن مسخاً اسمه أنكيدو كان يهاجم الرعاة والمزارعين، فأراد جلجامش إضعافه، لذا أرسل إليه "عاهرة من معبد الحب" لتروضه بحبها.

ومعبد الإلهة العراقية القديمة عشتار كان فيه نساء نذرن أنفسهن للوساطة بين المتعبدين والإلهة، هن "العاهرات المقدسات". فكن يمارسن الجنس مع زوار المعبد الراغبين في التقرب لعشتار، مقابل مبالغ مالية تستخدم في تمويل المعبد. وكانت "العاهرات المقدسات" مقسمات إلى رتب ودرجات، فطبقة "الحريماتو" كن يؤدين "المهمة" لإشباع المتعة الدنيوية عند الزوار، وطبقة "القادشتو" هي العاهرة المقدسة التي تنام مرة واحدة مع الكهنة، أما "العشتارتو" هن المنذورات للآلهة، فلا يقربهن أحد.

ولا توضح النصوص كيفية ممارستهن الجنس مع الآلهة، لكن العاهرة المقدسة كانت توهب للمعبد من جانب والدها، لأنه يرى في ذلك تخفيفاً من عبء الإنفاق عليها. وينتهي وجودها في المعبد بـ"تقاعدها" في حالة الزواج، أو رغبتها في رعاية أي أبناء قد ينتجون عن علاقاتها. ويتحدث هيرودوت عن أن ثمة قانوناً دينياً كان يفرض على نساء العراق القديم أن تقوم كل واحدة منهن بمنح نفسها مرة في حياتها لرجل غريب، فتذهب إلى المعبد وتجلس في انتظار أول رجل يلقي لها قطعة فضية، لتذهب معه، وتمارس معه الجنس وفاءً لواجبها، وليس لها أن تعود إلى منزلها إلا بعد أداء هذا الواجب. بطبيعة الحال فإن الجميلات كن أسرع النساء في أداء العبادة المطلوبة، لكن تدوينات هيرودوت في هذا الصدد تؤخذ بحذر، لما قد يشوب كتابات المؤرخين الرحالة من مبالغات.

وفي اليونان القديمة، قيل إن معبد الإلهة أفروديت في مدينة كورنيث، كان يحتوي على أكثر من ألف فتاة مخصصة لخدمة الآلهة، وعبادها. حتى أن أحد الرياضيين "الأتقياء" نذر أن يهب المعبد مئة محظية إذا فاز في الأوليمبياد، والطريف أنه خلال اجتياح الفرس لليونان كن هؤلاء المحظيات من قمن بأداء الصلوات والتضحيات للآلهة ليساعدوا الإغريق في الحرب ضد عدوهم.

وفي الإمبراطورية الرومانية، بدا تأثر الرومان بهذه الممارسة الإغريقية واضحاً في اعتبار العاهرات الحائمات حول ميادين المصارعة ومعسكرات الحرس الإمبراطوري، أن الإلهة "فينوس" هي "حامية العاهرات وراعيتهن". حتى أن مهرجاناً للدعارة والجنس الجماعي كان يقام في 23 أبريل. وكانت تقام أحياناً احتفالات ماجنة سرية على شرف الإله باخوس، إله الخمر، تمارَس خلالها شتى أنواع العربدة والجنس، لكن السلطات الرومانية، التي راعها هذا الانحلال، سارعت للقبض على القائمين بذلك ومعاقبتهم وإيقافها بصرامة.

وفي بعض مناطق الهند، كان رعايا "المهراجا" ينظرون إليه كتجسيد بشري للإله كريشنا، مؤمنين أن تجديد أرواحهم وأجسادهم يرتبط بتكريم المهراجا، من خلال تسليم النساء أنفسهن لمن يرضى عنه من الوزراء، ليتمتع بهن باعتبار أن إرضاءه شهوته هو في حقيقة الأمر إرضاء للوعاء البشري الذي تسكنه الكائنات الإلهية.

الجماع الإلهي

في مصر القديمة، حين ساد معتقد ألوهية، أو نصف ألوهية، السلالة الفرعونية الحاكمة، كانت عملية "تلقيح" الفرعون لزوجته الملكية تجري في ظل معتقد أن من يجامعها حقاً هو الإله نفسه، ليزرع في رحمها النطفة الملكية المقدسة. فكان اعتقادهم أن الإله يتخذ شكل زوجها أو يتحد معه ليمنحها الابن الملكي المنتظر. وفي أوروبا القديمة، كان المتعبدون للإلهة ديانا يكررون تمثيل زواجها المقدس، بأن يقيموا كل عام زواجاً تمثيلياً بين ذكر وأنثى منهما تجديداً لزواج معبودتهم.

أما في مقاطعة كانجرا الهندية، فقد اعتادت الفتيات كل عام أن يقمن عرساً للإلهين شيفا وبارفاتي، ويقمن وليمة على شرف العرس ويقسمن أنفسهن لفريقين أحدهما يمثل شيفا والآخر بافارتي، ويحاكين باستخدام نموذجين مصنوعين للإلهين، كل مراحل الزواج ثم يلقينهما في النهر. ويعتقدن أن هذا الطقس يحافظ على الزواج الصالح للآلهة وتالياً يعم الخير الأرض.

الجنس كخطوة للارتقاء الروحي

في الصين القديمة، نظر الصينيون إلى الجنس كوسيلة لتحقيق الارتقاء الروحي، والاتحاد مع العالم، وتحقيق التفاعل الإيجابي بين "القوى الكونية" ممثلة في رجل والمرأة، فوضعوا المؤلفات المتعلقة بهذا الأمر، أو ما يسمى "كتب فن حجرة النوم"، التي تقدم النصائح والإرشادات الجنسية من مرحلة الملاطفة والمداعبة، حتى كيفية التحكم في مدة الجماع، وقوة القذف.

وكان الصينيون المعتنقون لفلسفة "الطاوية"، الساعية لتحقيق السلام النفسي والانسجام العام مع الكون، يعتبرون أن مضاجعة الرجل عشر نساء في الليلة يحقق الخير. لهذا لم يتوقف الجنس لديهم عند كونه مجرد وسيلة للتكاثر أو متعة حسية، بل تعداه ليكون فلسفة حياة، كل مراحله مرتبطة بمدى اقتراب الإنسان من تحقيق الانسجام المنشود مع قوى العالم. 

أما في الهند القديمة، فقالت الأسطورة إن "ناندي"، الثور المقدس، كان حارساً لغرفة الإلهين شيفا وبافارتي، فاكتسب قدسية من سماعه صوتيهما عند الجماع، فوضع ناندي كتاباً ضمّنه تعليمات وأوضاع الجماع، باعتباره ممارسة ذات قدسية خاصة، وكان الكتاب الأب الروحي لكتاب "الكاماسوترا" الشهير.

تنوعت نظرة من ربطوا الجنس بالدين، بين من رأوا أنه وسيط بين الخصوبة والنماء لدى النباتات والحيوانات من ناحية، والتكاثر والتناسل عند البشر من ناحية أخرى، فجعلوا الإنسان جزءاً من دائرة الحياة، ومن استخدموه كستار لرغبتهم في التحرر من قيود المجتمع، ومن ارتقوا به من مجرد شهوة ليصبح وسيلة غير مباشرة لتحقيق السلام الروحي، وبالتالي الانسجام مع الكون. في جميع الأحوال، النظرات الثلاث للجنس تجاوزت كونه من "أسرار غرفة النوم المغلقة"، وحاولت دمجه في الحياة، ليشغل حيزاً أكبر مما له في تلك المجتمعات القديمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard