أوروبيون خائفون من غزو المسلمين

الأحد 20 نوفمبر 201606:52 م

تشهد أوروبا جدلاً واسعاً حول تأثير تدفق اللاجئين إليها على ثقافتها وقيمها وهويتها المسيحية. ويتحدث عدد من المسؤولين عن الخطر الكامن في موجات لاجئين ربما يكون بعضهم إرهابياً مرسلاً لتدمير حضارتها.

خلال جلسة للبرلمان الهولندي، وقف النائب خيرت فيلدرز وانتقد تدفق اللاجئين على القارة العجوز واصفاً إيّاه بأنه "غزو إسلامي لأوروبا وهولندا"، وقال إن "حشوداً من الشباب الملتحين في العشرين من العمر تهتف الله أكبر في كل أنحاء أوروبا. إنه غزو يهدد رخاءنا وأمننا وثقافتنا وهويتنا".

أوروبيون يدقون ناقوس الخطر

هذا الكلام صدر عن شخصية معروفة بعدائها للإسلام والمسلمين ولها صولات وجولات في استفزازهم. ولكن صدر الكثير من الكلام المشابه، وإن أقل حدّة، عن شخصيات ذات تمثيل كبير في القارة الأوروبية. وأبرز تلك الشخصيات رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، الذي شكا في مقال نشرته صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ الألمانية، من أن المهاجرين، ومعظمهم مسلمون لا مسيحيون كما ذكر، "اجتاحوا" بلاده. وأضاف أن "أوروبا والثقافة الأوروبية لهما جذور مسيحية"، وأن "الموضوع برمته مثير للقلق لأن الثقافة الأوروبية المسيحية بالكاد قادرة على الحفاظ على القيم المسيحية لأوروبا".

علماً أن وسائل الإعلام كلها تركّز على المجر بسبب قسوة سياستها في التعامل مع اللاجئين ولكن كثيراً من الأوروبيين الذين ينتقدون سياساتها لم يكونوا أرحم مع اللاجئين. كل ما في الأمر أنهم مارسوا قسوتهم بعيداً عن عدسات الإعلام، وميّزوا داخل غرف مغلقة، كما شاءت الجغرافيا أن لا يكونوا أول محطة على طريق عبور اللاجئين إلى "الجنة الأوروبية".

وفي ما خص التمييز الديني بين اللاجئين، كانت سلوفاكيا قد أعلنت أنها تقبل استقبال مئة لاجئ بشرط أن يكونوا مسيحيين. وقال الناطق باسم خارجيتها إيفان ميتيك أنه ليس بلاده مساجد، وأن المسلمين سيواجهون صعوبة في التأقلم. وأيضاً، رفض الرئيس التشيكي، ميلوس زيمان، أن تستقبل بلاده لاجئين مسلمين بسبب الفروق الثقافية.

في موازاة ذلك، انتقدت النمسا جارتها المجر كثيراً في الأيام الماضية، وكانت أول دولة أوروبية تعلن نيتها استقبال لاجئين مسيحيين، وذلك على لسان وزيرة داخليتها جوهانا ميكل ليتنر التي قالت عام 2013 أن بلادها ستستقبل ألف لاجئ سوري يجري اختيار جزء منهم من "الأقلية المسيحية المظلومة".

مقالات أخرى:

أصوات أوروبية تنتقد التقصير الحكومي: المهاجرون ليسوا "صراصير"

ألمانيا تسخر من "رافضي أسلمة الغرب"

الاعتراض على استقبال لاجئين مسلمين لم يقتصر على السياسيين الكبار بل وصل إلى مستوى البلديات. ففي فرنسا، قال رئيس بلدية روان إيف نيكولان أن مدينته يمكن أن تستقبل عشر أسر "شرط أن تكون من اللاجئين المسيحيين المضطهدين لأنهم مسيحيون مضطهدون من قبل داعش"، وبرّر تمييزه بأنه ضروري للتأكد أن اللاجئين ليسوا إرهابيين مقنعين على اعتبار أن مسيحيتهم ستشكل ضمانة كافية. كما أشار رئيس بلدية بيلفور، داميان ميسلو، إلى أنه يفكر في استقبال عائلات مسيحية سورية وعراقية لأنهم "الأكثر تعرضاً للاضطهاد".

أوروبا لن تعود أوروبا

الشخصيتان المذكورتان هما نائبان يمينيان، ولكن معلومات قديمة كانت قد أشارت قبل أكثر من سنة إلى أن فرنسا نفسها كانت تنطلق من المعايير ذاتها برغم أن لا تصريحات رسمية تؤكد ذلك. ولكن، في مخاض الجدل الأخير، أكّد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أنه "لا يمكن انتقاء اللاجئين على أساس انتمائهم الديني".

الخطاب المناهض لخطاب التمييز الديني الصادر عن بعض الأوساط الأوروبية لخّصته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بقولها "إن الحقوق المدنية العالمية كانت حتى الآن مرتبطة تماماً بأوروبا وبتاريخها، كمبدأ مؤسس للاتحاد الاوروبي"، وإنه "إذا فشلت أوروبا في حل أزمة اللاجئين فإن الرابط مع الحقوق المدنية العالمية سينقطع وسيضمحل".

من منطلقات مشابهة، دعا البابا فرنسيس "كل رعية، وكل جماعة دينية، وكل دير، وكل مكان مقدس في أوروبا" إلى أن يستقبل عائلة  من اللاجئين وقبل أيام وصلت أول عائلة سورية إلى الفاتيكان تنفيذاً لهذه الدعوة.

وقال رئيس مجلس الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا الأسقف هاينريش بيدفورد شتروم إنه "إذا انغلقنا على أنفسنا كمسيحيين وأغلقنا الباب أمام الآخرين، فيجب القول وبكل وضوح إن ذلك يتناقض تماماً مع مبادئ الدين المسيحي. فالسيد المسيح قال: لقد قمتم باحتضاني، أنا الغريب".

خلف الموقف الإنساني

لا شك في أن أوروبا لا تستطيع احتمال أن تظهر بصورة القارة التي تميّز دينياً، خاصةً أن قوتها في العالم توصف في علم السياسة بأنها "قوة ناعمة" تستند إلى قوة مبادئها وقدرتها على النفاذ في عقول الشعوب الأخرى وقلوبها.

في السجال الأخير حول أزمة اللاجئين وما رافقها من مواقف، انتقد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الحصة الصغيرة من اللاجئين التي يستقبلها الاتحاد الأوروبي، واتهم أوروبا بأنها تبني "قلعة مسيحية".

للموقف التركي خلفيات كثيرة أهمها يعود إلى ما قبل الأزمة السورية. فقد ماطل الأوروبيون في منح تركيا عضوية اتحادهم لأنها بالأساس دولة مسلمة. وكان الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان قد لمّح إلى ذلك.

ولكن أهم المواقف الصريحة كانت قد صدرت عن الكاردينال جوزيف رايتزينغر، حين كان رئيساً لمجلس العقائد الدينية في الفاتيكان، وقبل أن يصير بابا، إذ رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي "حمايةً لتراث أوروبا المسيحي"، ودعا تركيا إلى "البحث عن مستقبلها داخل منظمة إسلامية بدلاً من أوروبا نصرانية الجذور".

وبسبب مثل تلك المواقف، قال رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي في تلك المرحلة، "إن المسلمين قد تنتابهم الشكوك في أن الاتحاد الأوروبي لا يقبل في عضويته سوى المسيحيين. ولا شك في أن ذلك يضع الأوروبيين أمام تحدٍّ أخلاقي".

هل من داعِ للقلق؟

في إطار انتقاده للخطاب التمييزي الصادر عن بعض الأوساط الأوروبية، قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أن لا شيء يدعو للقلق لأن نسبة اللاجئين والمهاجرين المتدفقين على أوروبا لن تتعدّى 0.11% من مجموع شعوب دول الإتحاد.

ولكن في الحقيقة، فإن هناك دراسات تؤكد أن نسبة المسلمين في أوروبا ستصل إلى 10.2% عام 2050 وستكون الهجرة مسؤولة عن 2% على الأقل من الزيادة. علماً أن هذه الدراسات صدرت قبل تحول الهجرة إلى أوروبا إلى سيل من اللاجئين الذين يتحدون حراس حدودها.

وأمنياً، لا بدّ من تذكّر الوثيقة المعنونة "ليبيا البوابة الإستراتيجية للدولة الإسلامية" التي كتبها القيادي الداعشي أبو إرحيم الليبي وتحدث فيها عن إمكانية أن يستغل داعش رحلات الهجرة غير الشرعية "ليقلب حال دويلات الجنوب الأوروبي إلى الجحيم".

إذا أقفلت أوروبا حدودها أمام اللاجئين، فإن قوتها الناعمة ستتضر بشكل ربما لا يمكن جبره، وإذا فتحتها فستعاني جدياً من سيل اللاجئين وما سينتج عن ذلك من تحديات اقتصادية في الحاضر ومن توترات اجتماعية محتملة في المستقبل. لهذا أوروبا في مأزق، ولهذا يتأخر اتفاق دولها على سياسة مشتركة في شأن اللاجئين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard