العاصمة الليبية طرابلس من دون سينما

الاثنين 11 يوليو 201602:16 م

تحتل ملصقات الأفلام القديمة والإعلانات التي تحذر من احتمال انقطاع الكهرباء أو تمنع دخول النساء، جدران الغرفة الصغيرة المؤدية إلى صالة السينما التي لا تزال وحدها تضيء شاشتها أمام سكان العاصمة الليبية من الرجال وإن بشكل متقطع.

ومن بين دور العرض السبع الكبرى في طرابلس، لم يتبق إلى صالة "بارادايز" Paradise وسط المدينة بعدما أغلقت كل الصالات الباقية أبوابها أمام محبي السينما الواحدة تلو الأخرى، قبل سنوات قليلة من ثورة العام 2011 وغرق البلاد في فوضى أمنية ونزاع مسلح على السلطة قتل فيه الآلاف.

وتتصدر أفلام التشويق الغربية الكلاسيكية الملصقات عند مدخل السينما المعروفة أيضاً باسم سينما "عمر الخيام" في شارع عمر المختار وبينها "سكارفييس" للمثل الأميركي ال باتشينو و"داي هارد" للمثل الأميركي الآخر بروس ويليس، إلى جانب ساعة حائط ولوحة كتب عليها "اليوم". وعلقت على أحد الجدران ورقة بيضاء كتب عليها "الإدارة غير مسؤولة في حالة انقطاع الكهرباء"، بينما كتب على ورقة أخرى "بناء على تعليمات الإدارة يمنع منعاً باتاً دخول العائلات (في إشارة إلى النساء) إلى دار العرض حيث استعمل بعض الأفراد المكان للقيام ببعض الأعمال التي تتنافى والمبادئ الاخلاقية والدينية".

ويعود تاريخ السينما في العاصمة الليبية إلى حقبة الاحتلال الإيطالي في عشرينات القرن الماضي حين بدأت دور العرض تفتح أبوابها أمام سكان المدينة من النساء والرجال والعائلات، ليقتحم الفن السابع حياة الليبيين ويعيش فترته الذهبية التي امتدت حتى سبعينات القرن الماضي.

ويقول عبد المنعم سبيطة الناشط في المجتمع المدني "في الستينات، كنا نسكن قرب سينما لارينا جاردينو (المفتوحة). كان يكفيني أن أطل من النافذة حتى أشاهد الأفلام". ويضيف "الذهاب إلى السينما كان مكافأة الأسبوع، وكان علينا أن نتأنق ونرتدي أجمل ما عندنا... ليبيون مسلمون ويهود، إيطاليون، أوروبيون، أو أميركيون".

واحتضنت طرابلس المعروفة باسم "عروس البحر المتوسط" في فترة ازدهارها نحو عشرين صالة سينما تشكل معاً جزءاً مهما من الذاكرة الجماعية لسكان هذه المدينة الساحلية التي تضم قلعة تاريخية ومتحفاً ومدينة قديمة ومرفأ وشاطئاً.

 مقالات أخرى:

السينما الإيرانية: الجوهرة المخفية

الجنس في السينما العربية

وتروي الليبية البريطانية كريمة الغويل وهي أم لولدين "أفضل ذكرياتي عن السينما تعود إلى العام 1974 حين اصطحبني والدي لأشاهد فيلم تمريند سيد (بذور تمر الهندي)" للممثل المصري الراحل عمر الشريف، وكان عمرها تسع سنوات حينها. وتوضح "لا أعتقد أنني رايت صالة أجمل منها، حتى في أوروبا. فكل شيء كان أنيقا ومهيباً: الكراسي المخملية، والستائر المزركشة، واللوحات الخشبية".

ومع الانقلاب الذي قاده معمر القذافي في العام 1969، بدت الفترة الذهبية للسينما وكأنها شارفت على النهاية. وبعد سنوات قليلة من هذا التحول، بدأ الإهمال يطال صالات السينما التي توقفت عن عرض أية أفلام جديدة واكتفت بالأفلام الهندية وأفلام الفنون القتالية وبينها الكاراتيه والكونغ فو بعدما رأى القذافي في السينما باباً "للغزو الثقافي".

وتقول كريمة "طرابلس من دون سينما هي بداية النهاية بالنسبة لكل شيء، إذ أن مرحلة انحدار السينما تزامنت مع انحدار ليبيا" بشكل عام.

وفي حي الخياطين قرب "ساحة الشهداء" وسط طرابلس، يفصل جدار إسمنتي قطعة أرض صغيرة عن زقاق ضيق، وقد أغلق مدخل قطعة الأرض ببابين حديديين متصلين بقفل مغلق بإحكام. لكن الفراغ بين البابين يسمح برؤية ما يخبئان: حجارة تفترش الأرض، وجدار مبنى لا تزال تبدو عليه بعض من آثار الشاشة التي كانت تعرض أفلاما في الهواء الطلق قبل أن تطفئ أنوارها نهائياً في العام 2006.

ويقول محمد كامل الذي يملك مقهى في الحي "الناس هنا لم يكن لديها لتتسلى سوى السينما (...) كنا نشاهد فيها أفلام كاراتيه وأفلاماً هندية".

ويضيف وهو يتحدث بالقرب من سينما "رويال" التي تحولت إلى سينما "الشعب" في عهد القذافي "كنا ننتظر فرصة دخول السينما بفارغ الصبر كي نشاهد فيلماً فيها. بروس لي كان نجمنا المفضل".

في مقابل ذلك، يستعيد وائل القرمنلي (39 عاماً) ذكريات أقل إثارة وسعادة. ويقول "أذكر أنني ذهبت في الثمانينات إلى دار عرض لأشاهد فيلم كاراتيه، ووجدت نفسي خائفاً، محاطاً بمجموعات من المشاغبين. هؤلاء لا علاقة لهم أبداً بزوار السينما في زمن والديّ".

ورغم الحرب التي تلف ليبيا، وتصاعد التطرف عبر جماعات متشددة بدأت تجد موطئ قدم لها في الفوضى التي تعم أحد أغنى دول العالم بالنفط، يؤكد عبد المنعم ووائل زن الانحدار الثقافي في طرابلس، الخاضعة لسلطة جماعات مسلحة بعضها إسلامية، لن يدوم.

ويقول عبد المنعم "لن ينتزع أحد من طرابلس حبها للحياة وأناقتها ورغبتها في المضي قدماً. هذا محفور في جينات الليبيين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard