حراك "بدنا نعيش" مستمر في غزّة... وحماس تواصل انتهاكاتها

الثلاثاء 19 مارس 201911:33 ص

لليوم السادس على التوالي، تتواصل فعاليات حراك "بدنا نعيش" الشعبي الذي انطلق من مخيم جباليا الواقع شمال قطاع غزّة، في 14 مارس، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وظروف الحياة الصعبة.

وأدى استخدام الأجهزة الأمنية لأدوات قمع مختلفة بحق المتظاهرين في مناطق مختلفة من القطاع المحاصَر إلى امتعاض شرائح كبيرة من الغزّيين وتنامي شعبية الحراك واتساع رقعة الأماكن التي شهدت تحركات لمشاركين فيه، ليشمل معظم محافظات غزة.

مواقع التواصل الاجتماعي التي انطلقت عبرها شرارة الحراك تحوّلت منذ الساعات الأولى التي تلت قمع المتظاهرين إلى ساحات مواجهة وشهدت تجاذبات فئوية بين مناصري الحراك الذين ينددون باعتداءات الأجهزة الأمنية عليهم، وبين مؤيدي حركة حماس الذين حاولوا تبرير تلك الأفعال والقول إنّها ضرورية لصدّ مؤامرة تقودها السلطة الفلسطينية وحركة فتح من الضفة الغربية.

ويستند مناصرو حماس في موقفهم الرافض للحراك على مجموعة تصريحات وأخبار داعمة للحراك ومحرّضة على توسيعه نشرتها وسائل إعلام تابعة لفتح مثل "جريدة الحياة الجديدة" و"تلفزيون فلسطين".

لكنّ شباب الحراك يقولون إنهم يرفضون تدخلات أيّ طرف سياسي فيه، لأنّه انطلق شعبياً ومطالبه معيشية ومَن يقوده هم الناس في الشوارع الذين عاشوا أيام فقرٍ وجوع طويلة، وفقاً لفادي محمود (26 عاماً)، أحد الناشطين بالحراك في منطقة شمال قطاع غزّة.

شرارة الحراك "مستمرّة"

محمود وهو خريج كلية الحقوق في جامعة الأزهر وعاطل عن العمل منذ أكثر من خمس سنوات، يقول لرصيف22 إنّ قمع الأجهزة الأمنية للمتظاهرين لا يزيدهم إلّا إصراراً على تحقيق مطالبهم، ويؤكد أنّ محاولة أطراف من السلطة ركوب موجة الحراك هي أمر "رخيص"، لأنّ حراكهم "كما هو موجه ضد حركة حماس فهو موجه أيضاً ضد السلطة التي تفرض عقوبات اقتصادية على غزّة ساهمت في تردي الأوضاع منذ أكثر من سنتين".

من جانبه، يقول إبراهيم يوسف (32 عاماً)، وهو من ناشطي الحراك في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزّة، إن "الحراك هو ضد حكم حركة حماس، وليس ضد نهجها المقاوم الذي نفخر به جميعاً"، وينبّه إلى أنّ الفعاليات ستسمر حتى تحقيق أهداف المتظاهرين العادلة وجوهرها هو "إسقاط نظام الضرائب الذي تفرضه حكومة حماس على بعض السلع الأساسية".

ويوضح أنّ استمرار فعاليات الحراك يتم الإعلان عنه فقط من خلال بياناته التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتاً إلى أنّ الدعوات المضادة التي تطلقها حركة حماس لمواجهة الحراك شعبياً هي "فعلٌ غير مسؤول يسيء إلى أبناء الشعب الذين صبروا على كدّ الحياة منذ أكثر من 12 عاماً".

.

ويشدّد على أنّهم يفهمون تماماً أنّ المواجهات والاشتباكات ليست الطريق لتحقيق أهداف الحراك الذي يتمسّك منذ بداياته بالطابع السلمي.

وكانت حركة حماس قد أطلقت على مدار الأيام الخمسة الماضية، دعوات لمناصريها للمشاركة في تظاهرات مناهضة في نفس توقيت ومكان تجمع المشاركين في الحراك، ما نتج عنه صدامات أدت إلى وقوع إصابات نتيجة تجاذبات بين المتظاهرين، مثلما حدث في منطقتي دير البلح ومخيم جباليا.

ولتجاوز هذه المشكلة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات لتأخير فعاليات الحراك اليومية من الساعة الرابعة مساءً حتى الساعة السادسة.

اعتقالات عائلية بالجُملة

لم تكتفِ الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس بقمع أولى تظاهرات الحراك ولا بما سبق تلك التظاهرات من اعتقالات، فقد تنامت طبيعة الاعتداءات التي مارستها منذ اليوم الثاني للحراك تنامياً واضحاً، ووصلت حدّ اقتحام عدد من منازل المواطنين في مختلف محافظات القطاع، لاعتقال أفراد من داخلها واقتيادهم إلى أماكن مجهولة.

عائلة البحيصي في مدينة دير البلح، وسط القطاع، كانت من تلك العائلات، إذ تعرّضت لعنفٍ شديد طال العشرات من أبنائها، بحسب ما نقلته الصحافية إسراء البحيصي عبر حسابها على فيسبوك. قالت إنّه تمّ مساء يوم 15 مارس تجميع شباب عائلتها والاعتداء عليهم بالهراوات في منطقة تُسمى الـ"17"، وبعدها تمّ اعتقال أكثر من أربعين شخصاً دفعةً واحدة.

وذكر مصدر في العائلة لرصيف22 أنّ عدداً من أبنائها انخرطوا في الحراك منذ مساء اليوم الأول لانطلاقه، موضحةً أنّ مشاركتهم نابعة من إيمان داخلي بضرورة تغيير الأوضاع المعيشية الحالية الصعبة التي يعيشونها، مثلهم مثل أبناء كلّ القطاع.

وبيّن المصدر أنّ المتسبب الرئيسي في المشكلة هم عناصر الأمن، وذلك بسبب إشعالهم إطارات مطاطية في وجه المتظاهرين وإطلاقهم الرصاص عليهم بهدف إبعادهم، إضافة إلى سماحهم في وقتٍ لاحق لمسيرةٍ مضادة باختراق المحتشدين والاعتداء عليهم ورميهم بالحجارة.

ومن بين العائلات الأخرى كانت عائلة الطهراوي التي تسكن في مخيم النصيرات الذي يقع وسط القطاع أيضاً، وقد أفاد أحد أبنائها ويُدعى محمد (29 عاماً) لرصيف22 بأنّ عناصر أمنية يُقدّر عددهم بالعشرات اقتحموا منزلهم مساء اليوم الثالث للحراك، واعتقلوا مجموعة أشخاص من بينهم الشاب صلاح الطهراوي الذي تمّ العثور عليه لاحقاً في مستشفى "شهداء الأقصى" وكان في حالةٍ صحية صعبة للغاية.

ويُضاف إلى ذلك ما تعرّضت له عائلة شعت التي تسكن مدينة رفح، جنوب القطاع، فقد أشار مصدر من العائلة إلى أنّ أجهزة الأمن اعتدت في مساء اليوم الرابع للحراك على نساء وأطفال العائلة، خلال عملية اقتحام "همجية" لعدد من البيوت، منوهاً إلى أنّ عدداً من أبناء العائلة تمّ اعتقالهم وآخرون أصيبوا بجروح مختلفة جراء هذا الاعتداء الذي استمرّ لأكثر من ساعتين.

وفي سياق متصل، شجبت جامعة الأزهر في غزّة قيام الأجهزة الأمنية صباح اليوم الرابع للحراك باقتحام حرمها الجامعي، واعتقال عدد من الطلبة من داخلها، مؤكّدةً أنّ الجامعات هي حرم للدراسة والتعليم، ومطالبةً باحترام حُرمة المؤسسات التعليمية وإبعادها على أيّة تجاذبات سياسية.

واعتدى "مجهولون" مساء 18 مارس على الناطق باسم حركة فتح عاطف أبو سيف، قرب منزله في بلدة بيت لاهيا في شمال القطاع، ما تسبب له بكسور في رأسه وأماكن أخرى من جسده.

وفي وقت حمّل بيان أصدرته حركة فتح حركة حماس المسؤولية عن الاعتداء الذي وصفته بأنه "محاولة قتل على أيدي ميليشيا حماس"، أدانته حماس وأفادت بأنها تحقق في ملابساته.

اعتداءات على صحافيين وحقوقيين

بدورها، لم تسلم الطواقم الصحافية العاملة في القطاع من الانتهاكات، وأعلنت نقابة الصحافيين الفلسطينيين أنّها رصدت حتى مساء يوم 17 مارس أكثر من 36 حالة اعتداء، منها 17 حالة اعتقال (أفرج عن بعض المعتقلين لاحقاً) وسبع حالات اعتداء بالضرب ومصادرة للمعدات الصحافية، إضافة إلى تلقي ستة صحافيين بلاغات استدعاء، وتلقي أربعة منهم تهديدات، وفرض الإقامة الجبرية في المنزل لمدة أربعة أيام على اثنين.

من بين الصحافيين الذين تعرّضوا للاعتقال كان المصور الصحافي عاصم شحادة الذي يعمل في الوكالة الوطنية للإعلام. يروي لرصيف22 أنّ اعتقاله تمّ مساء ثالث أيام الحراك، أثناء تغطيته لأحداث فعاليات شمال القطاع، مبيّناً أنّه تمّ نقله مباشرة إلى مركز الشرطة وواجه في طريق الوصول تعنيفاً لفظياً حاداً واتهامات بالارتباط بجهات معادية.

"محاولة أطراف من السلطة ركوب موجة الحراك هي أمر رخيص، لأنّ الحراك كما هو موجه ضد حركة حماس فهو موجه أيضاً ضد السلطة التي تفرض عقوبات اقتصادية على غزّة"... ستة أيام على بدء حراك "بدنا نعيش" في غزة
لليوم السادس على التوالي، تواصل الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس قمع فعاليات حراك "بدنا نعيش" الشعبي الذي انطلق من مخيم جباليا الواقع شمال قطاع غزّة

ويتابع: "أكثر من ست ساعات قضيتها داخل السجن، دون إعلامي بالتهمة التي ارتكبتها. ما فعلته هو فقط محاولة التقاط بعض الصور للمتظاهرين في الحراك. أيستحق هذا الأمر الاعتقال والتعنيف؟".

ويضيف أنّ الإفراج عنه تمّ بعد قدوم مدير الوكالة التي يعمل فيها وتوقعيه على تعهد يلزمه بعدم تغطية أحداث الحراك الشعبي.

وسجّلت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان اعتداءً وصفته بالوحشي على طواقمها التي خرجت إلى مدينة دير البلح في ثاني أيام الحراك لرصد الانتهاكات الحقوقية بحق المتظاهرين.

وقالت الهيئة في بيانٍ نشرته على موقعها الالكتروني: "ندين قيام عناصر من أجهزة الأمن في قطاع غزة بالاعتداء الوحشي على مدير مكتب الهيئة في قطاع غزة المحامي جميل سرحان، ومنسق الشكاوى المحامي بكر التركماني أثناء قيامهما بواجبهما ومتابعة الأحداث الجارية في القطاع".

وأشارت إلى أنّها تنظر إلى حادثة الاعتداء بخطورة بالغة، باعتبارها استهدافاً غير مسبوق لعاملين في الهيئة، ورسالة خطيرة موجهة إلى مؤسسات المجتمع المدني والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان بأن لا حصانة لأحد، داعيةً الجهات الرسمية في قطاع غزة إلى تحمّل المسؤولية الكاملة عن سلامة طواقمها والعاملين فيها، ومطالبةً بفتح تحقيق رسمي جدّي ومستقل في الحادثة.

ويضاف إلى ذلك ما وثّقه مركز الميزان الفلسطيني لحقوق الإنسان من اعتداءات على حقوقيين آخرين، فقد ذكر في بيانٍ له أنّ أجهزة الأمن احتجزت أربعة باحثين يعملون لصالح مراكز حقوقية في ثالث أيام الحراك، أثناء عملهم في منطقة شمال القطاع، وأفرجت عنهم بعد ساعتين دون أن يتعرّضوا لأيّة إساءة.

التظاهر حقٌ مكفول

تعقيباً على الانتهاكات التي تجري، قال مدير معهد الاتصال والتنمية فتحي صباح لرصيف22 إن "الأحداث المتتالية خطيرة جداً ولا تنبئ بخيرٍ قريب، فما حدث يعطي إشارة كبيرة على الحالة التي وصلت إليها مسألة الحقوق والحريات في قطاع غزّة".

ويضيف: "على جميع القوى والمؤسسات أن تتحمل مسؤولياتها وتشرع فوراً في حوار شامل، يكون هدفه الأول حماية مصالح الناس والحفاظ على أمنهم الشخصي والعام".

ويرى أنّ تجاوزات الأمن بحق الصحافيين والحقوقيين أمر "محبط" و"فيه تعدٍ كبير على هيبة المهنتين اللتين يفترض أن تحظيا باحترامٍ مطلق من قِبَل السلطات سواء كانت أمنية أو غير أمنية"، وينتهك المادة 19 من القانون الأساسي الفلسطيني، متوقعاً أن تستمر تلك الإجراءات طالما استمرت فعاليات الحراك، ومحذّراً من أنّ تواصل تلك الاعتداءات يُنذر بكارثة.

وبرأي صباح، فإن الواجب الذي يقع على عاتق الأمن في مثل هذه الحالات هو توفير الحماية للمتظاهرين، داعياً الأجهزة الأمنية إلى وقف الاعتداءات على المتظاهرين السلميين في قطاع غزة، وإتاحة المجال لهم للتعبير عن رأيهم لأنّ ذلك حقٌ كفلته كلّ المواثيق المحلية والدولية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard