في الذكرى الثامنة للثورة السوريّة: لم يبقَ لنا شيء سوى الحكاية والأمل

الاثنين 18 مارس 201906:11 م

تمرّ هذه الأيام الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السوريّة، ثورة الحريّة والكرامة، الثورة التي كسرت جدار الخوف وصدّعت مملكة الصمت التي أسسها وأرسى دعائمها حافظ الأسد وأورثها لنجله بشار الأسد، الثورة التي حطمت تماثيل حافظ الأسد وأبنائه التي كانت مثل أصنام أرادوا منّا أن نعبدها، الثورة التي مزقت صور العائلة الحاكمة التي استباحت البلاد بكلّ ما فيها، الثورة التي هزت كرسي الحكم وجعلت بشار الأسد يصغر ويبدو ذليلًا صاغرًا جبانًا لا يقوى على شيء سوى القتل وتدمير بيوت الأبرياء وتهجير السكان وسلب ممتلكاتهم عن طريق جيش التعفيش النذل، الثورة التي كانت سببًا في إقلاق راحة أنظمة دكتاتوريّة تبدأ في دمشق وتصل إلى موسكو مرورًا بطهران وبيونغ يانغ.

يوم انطلاق الثورة السوريّة كان يومًا عظيمًا

تمرُّ هذه الذكرى ثقيلة علينا، نحن أبناء هذه الثورة ومريديها. مرّت ثماني سنين. مرّت ثقيلة ضاغطة مُجهدة، حطمت كلّ ما فينا إلّا الأمل بغد أفضل. مرّت بما تحمله من مآسٍ ومتاعب وفَقْد.

يوم انطلاق الثورة السوريّة كان يومًا عظيمًا غيّر مجرى حياة الملايين من السوريين القابعين تحت سطوة الاستبداد وجعل الحلم بالحريّة والكرامة ممكنًا. وما نتج لاحقًا من تحول إلى حرب أهليّة مفتوحة واحتلالات متعددة للبلاد كان نتيجة ظلم وتكبّر ودناءة نظام بشار الأسد المجرم.

وماذا يتذكر المرء حين يتذكر هذه السنوات الطويلة كدهر؟ تظاهرات سلميّة تنادي بالعدالة والحريّة والكرامة تواجه بالرصاص والمدافع والقذائف والاعتقالات والموت تحت التعذيب والمجازر التي لا يمكن حصرها، تهجير ومخيمات لاجئين وغرقى في البحر وبيوت مهدمة، ميلشيات متقاتلة وحرب أهليّة مفتوحة، بلادٌ ممزقة قدمها بشار الأسد ونظامه على طبق من ذهب لاحتلالات أجنبيّة كرمى بقائه على كرسيه.

ثماني سنوات مرّت على انطلاقة الثورة العظيمة، وسنة مرّت على احتلال مرتزقة أردوغان لعفرين، ست سنوات مرّت على مجزرة البيضا وبانياس التي قامت بها ميليشات مرتزقة للأسد وعلى مجزرة الكيماوي التي قام بها جيش العصابة الأسديّة، وخمس عشرة سنة مرّت على انتفاضة القامشلي، وسبع وثلاثون سنة مرّت على مجزرة حماة التي قامت بها سرايا الدفاع التابعة للمجرم رفعت الأسد شقيق الديكتاتور الأكبر حافظ الأسد، وسنوات كثيرة من القمع والظلم والطغيان مرّت على السوريين، وما زال المجرم يجلس في قصر المهاجرين مذلولًا صاغرًا متتبعًا أوامر أسياده الإيرانيين والروس.

في ذكرى هذه الثورة، القلب مكسور وحزين ومتعب. آلام جمّة نتجت من السنوات الأخيرة، آلام لا يمكن حصرها، آلام لا يمكن وصفها؛ عائلات بأكملها فُقدت، مدن كاملة هدّمت، عشرات الآلاف من المعتقلين ظلمًا، وملايين النازحين واللاجئين، مئات الغرقى في بحر الموت المتوسط، ذاكرة مثقلة بالآلام والعذاب. آلام وخراب وفقد وموت وعذابات يتحمل مسؤوليتها بشكل رئيسي ومباشر بشار الأسد ونظامه المجرم. فاعلون آخرون أضافوا عذابات أُخرى إلى عذاباتنا لكن بشار الأسد ونظامه المجرم وجيشه الدموي هم المساهمون الأكبر في كلّ عذاب حلّ بنا، نحن معشر السوريين.

تمرُّ هذه الذكرى ثقيلة علينا، نحن أبناء هذه الثورة ومريديها. مرّت ثماني سنين. مرّت ثقيلة ضاغطة مُجهدة، حطمت كلّ ما فينا إلّا الأمل بغد أفضل. مرّت بما تحمله من مآسٍ ومتاعب وفَقْد.
آلام جمّة نتجت من السنوات الأخيرة، آلام لا يمكن حصرها، آلام لا يمكن وصفها؛ عائلات بأكملها فُقدت، مدن كاملة هدّمت، عشرات الآلاف من المعتقلين ظلمًا، وملايين النازحين واللاجئين، مئات الغرقى في بحر الموت المتوسط.
سنحكي عن الظلم والقهر والذلّ الذي تفجر بركانًا في وجه الطاغية. سنحكي عن التظاهرات السلميّة وعن أنشطة الحريّة، سنحكي عن جمعة الكرامة وعن أبطال واجهوا رصاص المجرمين بصدورهم العاريّة.

ونسائل كلّ يوم أنفسنا: ماذا بقي لنا من سوريا؟ لا شيء… سوى الأمل والحكاية. بقيت لنا حكاية الثورة التي سنُبقيها حيّة ونحكيها لأولادنا وللعالم. أخذ منّا الأسد وشبيحته كلّ شيء، أخذوا منّا أحبابنا وبلادنا وبيوتنا وذاكرتنا وشوارعنا، لكننا لن نسمح لهم بأن يأخذوا الحكاية، لن نسمح أن يكتب المنتصر التاريخ بعد الآن. سنكتب نحن حكاية ثورتنا وحكاية ناسها وأهلها. سنحكي عن الظلم والقهر والذلّ الذي تفجر بركانًا في وجه الطاغية. سنحكي عن التظاهرات السلميّة وعن أنشطة الحريّة، سنحكي عن جمعة الكرامة وعن أبطال واجهوا رصاص المجرمين بصدورهم العاريّة.

لم يبقَ لنا شيء سوى الحكاية. سنحكي عن كلّ ما تعرضنا له، عن دكتاتوريّة بطشت بكلّ جوانب الحياة، وسنحكي لهم عن الأمل، الأمل الذي لا يفارقنا ببلاد حرّة عادلة كريمة تحترم الناس، كلّ الناس.

سنحكي لهم، بكلّ فخر، أنّنا عشنا في زمن الثورة السوريّة العظيمة، الثورة التي قامت على واحد من أعتى الطغاة في التاريخ. سنحكي لهم أن 2011 هي السنة المفصلية في تاريخ سوريا الحديث، وأنّها أسست لثقافة حريّة وكرامة ستزدهر ولو بعد سنوات طويلة من العذابات والآلام، سنحكي عن غد أفضل لا تحكمه دكتاتوريّة ولا "أبد" فيه، وسنحكي إنّ الدرب طويل لكن الغد أفضل، ويومًا ما سنصل إلى ما نصبو إليه… ولو كان المؤمنون بالحرية والكرامة والعدالة عشرة أشخاص. على هذا الأمل نحيا ومن أجله نعيش.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard