النساء هنّ أوّل من رفد الحراك الجزائريّ بأغاني الرفض

الاثنين 18 مارس 201901:29 م

قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال، قمت ببحث واسع عن أصوات نسائية غنّت لنقد النظام في كل فترات الجزائر المستقلة، بصرف النظر عن أغانٍ أداها رجال تنتقد نظام الرئيس الراحل هواري بومدين (1932-1978)، أو في فترات حكم الشاذلي بن جديد ( 1929-2012)، فلم أجد شيئًا عن الفنانات الجزائريات إلا ما غنّته بعضهن في فترة المحتل الفرنسي للجزائر (1830-1962)، هذا البحث السريع (غير الأكاديميّ) كان بهدف إيجاد خلفية تاريخية للخوض في موضوع الأغاني التي أُطلقت مؤخرًا تماشياً مع حراك 22 شباط/ فبراير الماضي، إذ أطلقت الفنانة المغتربة بأوروبا، رجاء مزيان، في الأوّل من آذار/ مارس أغنية عنوانها "ألو  لو سيستام"، كما أطلقت الفنانة أمال زان أغنية "حرّة" يوم 9 آذار/ مارس بعد مسيرة 8 مارس كتكريم للمرأة الجزائرية التي ساهمت بقوة في هذا الحراك.

ولطالما كانت الأغنية الناقدة للنظام في الجزائر بالنسبة لي مقرونة بأغاني الراحل معطوب لوناس (1956-1998)، ذلك أني عشت في بيئة تحب هذا اللون من الغناء الأمازيغي الهادف، فهذا الفنان الأسطوري الملقب بالمتمرد، أفنى حياته في سبيل كلمة الحق ونقل صوت الشعب المغلوب على أمره، في وقت لم تكن حرية التعبير على منابر شبكات التواصل الاجتماعي بمثل ما هي عليه الآن. فكان ذلك بمثابة المتنفس لقلوب الجزائريين وصوتهم الغاضب لممارسات السلطة المتعسفة.

فكرة المقال تحيلني إلى ما يتداول في المجتمع الجزائري، إذ أضحت فيه المرأة أفضل من الرجل  من حيث المواقف، في سياق المثل الشعبي "عيشة خير من عياش"، وهذا ليس حكمًا قطعيًا طبعًا، ولكن هذا ما رصدته التجربة، في مثال الصحافيتين نادية مداسي من المؤسسة العمومية للتلفزيون ومريم عبدو رئيسة تحرير بالقناة الإذاعية الناطقة بالفرنسية، اللتين قدمتا استقالتهما على ضوء التضييق الإعلامي الممارس أمام الأوضاع السياسية الراهنة في البلاد، هذا الفعل يعد سابقة في تاريخ الإعلام الجزائري الحكومي.

فور بدء حراك الجزائر الذي انطلق في 22 شباط/ فبراير 2019، سارعت مجموعة من الفنانين للالتفاف حول الشعب ودعم مطالبه في أغنية "يوم الشعب" أو "حرروا الجزائر"، أطلقت في ثاني حراك شعبي يوم 1 آذار/ مارس وشهدت صدى جماهيريًا كبيرًا، سرعان ما أضحت نشيدًا للجزائريين يعبّر عن وضعهم وينادي بمطالب سياسية، ينتقد المسؤولين معرجًا على ما آل إليه الجزائريون من الناحية الاجتماعية. هذه الأغنية فتحت الشهية لصوتين نسائيين لهما حضورهما في المشهد الفني الجزائري، فقد أطلقت رجاء مزيان (مقيمة بأوكرانيا) "ألو  لو سيستام" أو ألو النظام، إذ رفعت من سقف النقد وانتصرت للشعب انتصارًا معنويًا، وكان العديد من الشعارات في المسيرات السابقة حمل بعضًا من كلمات هذه الأغنية. أما أمال زان فقد اختارت أن تُثّمن مشاركة حرائر الجزائر في حراك 8 آذار/ مارس في أغنية "حرّة" بأداء ناعم ووصف نظيراتها بأجمل الأوصاف، مستلهمة من مشاركتها كفنانة في كل حراك أسبوعي.

في "ألو النظام"، بعد أن شبهت الحراك الشعبي بـ"الطوفان"، وضعت رجاء مزيان يدها على الجرح عبر هذه الأغنية في لون "الفريستايل"، وتسأل عن حال خزينة المال الفارغة، وعن 1000 مليار دولار التي ذهبت هباءً منثورًا هي من مال الشعب، كما نقلت صوت الشارع في عبارة نريدها ديمقراطية شعبية وليست ملكية، وختمتها برسالة قوية مفادها أن النظام الحالي خدع التاريخ ومبادئ ثورة نوفمبر 1954 التي هي أساس قيام الجمهورية الجزائرية.

لم تختلف أغنية أمال زان عما ورد في مشاركتها في الأغنية الجماعية "يوم الشعب"، ففي "حرة" نوهت بالدور النسائي لهذا الحراك، ودعت الرجال كما النساء ليكونا يدًا واحدة ضد هذه السلطة الجاثمة على قلوب الجزائريين منذ عقدين، وقالت إنه من لم يشاهد هذه الأهمية للنسوة فليشاهد جيدًا ذلك من خلال المسيرات السابقة.

ورغم أن العديد من الأصوات الفنية تابعت موجة الأغنية السياسية، حرّي بي أن أذكر أن هاتين الفنانتين هما أول من بادر في نقل صوت الشارع، عكس ما كان يحدث في الفترات السياسية السابقة في الجزائر، وهو ما أعتبره كسرًا لجدار صمت هذه الفئة التي يمكن أن تقول الكثير بقدر ما قد يقوله الرجل أو يزيد، وانتصارًا لهن خاصة من الناحية المعنوية، ومن حقهن الافتخار بأنفسهن على أنهن سليلات جيش التحرير إبان الثورة ضد المحتل الفرنسي، خاصة أن الشارع الجزائري انضمت إليه مجاهدات كبيرات ورموز للنضال مثل جميلة بوحيرد، زهرة ظريف بطاط وظريفة بن مهيدي شقيقة الشهيد العربي بن مهيدي.

ولطالما كانت الأغنية الناقدة للنظام في الجزائر بالنسبة لي مقرونة بأغاني الراحل معطوب لوناس، ذلك أني عشت في بيئة تحب هذا اللون من الغناء الأمازيغي الهادف، فهذا الفنان الأسطوري الملقب بالمتمرد، أفنى حياته في سبيل كلمة الحق ونقل صوت الشعب.
لم تختلف أغنية أمال زان عما ورد في مشاركتها في الأغنية الجماعية "يوم الشعب"، ففي "حرة" نوهت بالدور النسائي لهذا الحراك، ودعت الرجال كما النساء ليكونا يدًا واحدة ضد هذه السلطة الجاثمة على قلوب الجزائريين منذ عقدين.
أطلقت رجاء مزيان (مقيمة بأوكرانيا) "ألو  لو سيستام" أو ألو النظام، إذ رفعت من سقف النقد وانتصرت للشعب انتصارًا معنويًا وكان العديد من الشعارات في المسيرات السابقة حمل بعضًا من كلمات هذه الأغنية.
ورغم أن العديد من الأصوات الفنية تابعت موجة الأغنية السياسية، حرّي بي أن أذكر أن هاتين الفنانتين هما أول من بادر في نقل صوت الشارع، عكس ما كان يحدث في الفترات السياسية السابقة في الجزائر، وهو ما أعتبره كسرًا لجدار صمت هذه الفئة من المجتمع.

وقد يتساءل سائل لماذا لم تكن مثل هذه المبادرات الفنية للتعبير عن رفض ترشح عبد العزيز بوتفليقة في الولاية الرابعة والثالثة على سبيل المثال، فذلك مرده إلى سياسة النظام التي اشترت ذمم بعض الفنانين ونجوم الرياضة والكوميديا والإعلام، وقاموا في 2014 بإطلاق أغنية "تعاهدنا مع الجزائر" فعلاوة على المقابل المادي الكبير مقابل أداء جملة أو جملتين، لهم الأولية في مشاركتهم في أهم مهرجانات واحتفالات الجزائر الفنية، ثم يتساءل المتسائل نفسه ولكن لماذا الآن برزت أصوات منددة بوضع سياسي أقل ما يقال عنه إنه متعفن، فأرى أنه ليس من إجابة وافية غير الهبة الشعبية التي اندلعت في 22 شباط/ فبراير الماضي والتي كانت الدافع الأول، فضلًا عن أن الجزائريين سئموا من واقع سياسي لا يطاق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard