الأحكام المخفّفة في جرائم الاغتصاب بالمغرب "اغتصاب إضافي" للضحايا

السبت 16 آذار 201906:48 م

أكد تحقيق استقصائي أجرته شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية "أريج" بالتعاون مع شبكة سي إن إن الأمريكية، أن الأحكام المخففة في جرائم الاغتصاب، التي تشهد ارتفاعاً في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تعد اغتصاباً من نوع آخر للضحايا يعمّق مأساتهم.

ارتفعت نسبة قضايا الاغتصاب المسجلة في المغرب في عام 2017 إلى 1230 قضية، بزيادة بلغت نحو 3% تقريباً عن عام 2016، وفق ما نقله التحقيق عن رئاسة النيابة المغربية.

تتبع التحقيق أربع حالات لنساء وفتيات تعرضن للاغتصاب، على مدار 6 أشهر، واعتمد على سجلات 44 واقعة اغتصاب وهتك عرض بين عامي 2014 و2018. تراوحت العقوبات في جميع هذه الحالات بين السجن 7 سنوات و3 أشهر مع وقف التنفيذ.

جرائم منكرة وأحكام "هشة"

ينص القانون المغربي على معاقبة المغتصب بـ "السجن من 5 إلى 10 سنوات، وتشدد العقوبة لتصل إلى 20 سنة في حالة افتضاض (فض بكارة) الضحية. أما إذا كانت الضحية قاصراً، فيعاقب الجاني بالسجن من 10 إلى 20 سنة. وتشدد العقوبة في حالة الافتضاض لتصل إلى السجن 30 سنة.

كذلك ينص على معاقبة من هتك عرض قاصر بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات. وتشدد العقوبة إلى 10 سنوات إذا استخدم العنف.

في مارس/ آذار 2017، قدم 10 أعضاء في مجلس النواب المغربي مشروع قانون لتشديد عقوبة الاغتصاب ولم يُبت. وتواصلت معدة التحقيق مع وزارة العدل المغربية حول أسباب تأخر تعديل القانون لكنها لم تتلقّ رداً.

وتؤكد الناشطة النسوية المغربية عائشة الحيان أنه "لا ينبغي أن يفرق القانون بين هتك العرض والاغتصاب، سواء باستخدام العنف أم لا، ولا بوجود افتضاض من عدمه"، معتبرةً أن "الافتضاض يعد ظرف تشديد، بينما يجب توحيد المصطلحات القانونية تجاه أي اعتداء تتعرض له الأنثى، لأنه يعد بالنهاية اعتداءً يمس ذاتها وسلامتها".

تضيف: "يجب أن يكون هناك نص قانوني يمنع القاضي من اللجوء إلى ظروف التخفيف في جرائم الاغتصاب، يجب أن تكون العقوبات رادعة لإنصاف الناجيات".

أما رئيس غرفة الجنايات الاستئنافية يوسف العلقاوي، فيرى ضرورة "حذف كل نص قانوني يشير إلى رضا القاصر في قضايا هتك العرض"، لافتاً إلى أن "الهدف الأساسي من العقوبة ليس القسوة على الجاني فحسب، بل أيضاً إبعاده عن الضحية وتحقيق الردع العام قبل الردع الخاص".

ونقل التحقيق عن إحدى ضحايا الاغتصاب، "أسماء"، وهو اسم مستعار بناء على طلبها، أنها حاولت الانتحار بعد الذي تعرضت له.

وتروي أسماء أنها كانت تبلغ من العمر 15 عاماً عند تعرضها للاغتصاب. تقول: "أمرني بخلعِ ملابسي، وعندما رفضت صفعني، ثم بدأ بخلع ملابسي رغماً عني، وقال إن أحداً لن يسمعني".

وتتابع: "كان فتىً من الحي، لكن لم تربطنا أي علاقة. حاول كثيراً إدخالي بيته بالقوة، ويوم الجريمة استغل غياب والدته واستعان بصديقه، واغتصبني"، مستطردةً "لم يكتفِ بذلك، ضربني وهددني بفضحي وتشويه سمعتي إن أخبرت أحداً".

أضافت: "لم أخبر أحداً بالواقعة ورسبت في دراستي. وعندما عرفت قصة الاغتصاب، قررت أن انتحر بعدما شوهت سمعتي. كنت خائفة من ردة فعل عائلتي، لكنها أنقذتني من الانتحار، وفي المستشفى أخبرت والدي بحادثة الاغتصاب، وقُبض على الشاب وشريكه بعد ذلك".

تحقيق استقصائي يؤكد أن الأحكام المخففة في جرائم الاغتصاب، التي تشهد ارتفاعاً في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تعد اغتصاباً من نوع آخر للضحايا يعمّق مأساتهم...
"لا ينبغي أن يفرق القانون بين هتك العرض والاغتصاب، سواء باستخدام العنف أم لا، ولا بوجود افتضاض من عدمه"..الأحكام المخفّفة في جرائم الاغتصاب بالمغرب "اغتصاب إضافي" للضحايا

اغتصاب جديد للضحايا

أوضحت والدة أسماء أن أم الشاب زارتها عندما قبض عليه، واقترحت عليها تزويجهما وتطليقهما على الفور. لكن العائلة رفضت الفكرة، كذلك رفضتها أسماء. أضافت: "اتهم المحققون الشاب باغتصاب ابنتي القاصر وافتضاض عذريتها، واتهموا صديقه بالمشاركة في الجريمة. وعوقب كل منهما بالحبس سنة وتعويض مالي قدره 1000 دولار في المحاكمة الأولية".

وأردفت الأم: "بعد الاستئناف بُرّىء الشريك، وأعيد توصيف تهمة المغتصب من (جناية اغتصاب قاصر نتج منه افتضاض) إلى (جناية اغتصاب عرض قاصر بدون عنف نتج منه افتضاض). وخفف الحكم من الحبس سنةً إلى الحبس 10 أشهر".

وأكدت: "عند النطق بالحكم أحسست أن ابنتي قد اغتصبت من جديد".

أما أسماء، فقالت:"اضطررنا إلى مغادرة الحي. هو سجن 10 أشهر وصديقه تمت تبرئته، أما أنا فدُمرت حياتي. كانت لدي آمال كثيرة، لكني فقدت الرغبة في العيش بعد هذا الحكم".

وتقول فاطمة، وهو اسم مستعار لضحية أخرى تعرضت لهتك عرض: "كنت أبلغ من العمر 16 عاماً عندما اغتصبني. كنت أدرس وقتذاك ولم أعد أدرس الآن".

وعن حادثة اغتصابها، توضح: "قادني إلى مكان بعيد ومخيف واغتصبني من الخلف. كنت خائفة لكني استطعت الهروب منه ولجأت إلى الشرطة"، متابعةً "أمام جهات التحقيق، اعترف بفعلته لكنه أنكر استخدام العنف وزعم أن الأمر تم بموافقتي".

أضافت: "عدل اتهامه بالمحكمة من (هتك عرض قاصر باستخدام العنف) إلى (هتك عرض قاصر من دون عنف)، ليعاقب بالحبس سنة واحدة، نفّذ منها ٨ أشهر وأوقف تنفيذ باقي المدة".

وأعربت والدة فاطمة عن صدمتها وقت النطق بالحكم، قائلةً: "لم أكن أريد سوى حق ابنتي، نظمت عدة وقفات احتجاجية وقدم المحامي استئنافاً ضد الحكم أمام محكمة الاستئناف التي عدلت العقوبة إلى الحبس النافذ لمدة سنتين".

أحكام "مشجعة" على الاغتصاب

تعد حادثة اغتصاب المراهقة المغربية "خديجة"، ابنة الـ17 عاماً، التي تَناوب 12 شخصاً على اغتصابها طوال شهرين قبل أن يشوّهوا جسدها بالوشوم، واحدة من أبشع جرائم الاغتصاب لا في المغرب فقط بل أيضاً في العالم.

وأثارت قضية الفتاة التي أكدت أنها لم تعد تطيق النظر إلى جسدها، العديد من الناشطات اللواتي طالبن بـ"تغليظ العقوبات وتسريع المحاكمات" رأفةً بالضحايا وتخفيفاً لمعاناتهن بالحصول على الجزاء العادل للجناة.

ومن بين أشد المطالبين بتغليظ الأحكام نجية أديب، رئيسة جمعية "ما تقيش ولادي"، التي تذهب لأبعد من الحديث عن "قصور القوانين المغربية في مواجهة الاغتصاب" للتأكيد أنها "تشجع على الاغتصاب".

وسبق أن صرحت أديب لأصوات مغاربية، بالقول: "للأسف، اللحم رخيص عندنا ولا نوليه أي أهمية. ماذا يعني أن يغتصب شخص سيدةً أو قاصراً وفي النهاية يحكم عليه بسنتين؟ هذا يعني التشجيع".

وختمت: "لا توجد لدينا (في المغرب) أحكام ترقى إلى مستوى فظاعة هذه الجرائم" مطالبةً بتشديد العقوبات في تلك الجرائم إلى "الإعدام والإخصاء".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard