أثر "الجريمة بالتقليد"... لماذا علينا التفكير قبل تداول "مانيفستو" الإرهابيين؟

الأحد 17 مارس 201910:11 ص
"مكتب رئيسة الوزراء كان واحداً من 70 متلقياً وصلهم بيان برينتون هاريسون تارانت ومن ضمنهم أيضاً سياسيون آخرون مثل الزعيم القومي سيمون بريدجز ورئيس البرلمان تريفور مالاد". هذا ما نقلته صحيفة "نيوزيلاند هيرالد" المحليّة عن متحدث باسم الحكومة النيوزيلنديّة أعلن أن الذي خطّط للهجوم الإرهابي على المسجدين أرسل البيان قبل 10 دقائق من تنفيذه، وتلقته كذلك وسائل إعلام محليّة وعالميّة. في البيان كان منفذّ الهجوم يتحدث عنه باعتباره واقعاً، إذ عدا عن شرحه لأسباب إقدامه على هذا الفعل الإرهابي، فقد كان يتحدث عن "ما فعله" وليس "ما ينوي فعله". من هنا، "لم يكن بالإمكان إيقافه"، حسب المتحدث باسم الحكومة. وإن لم يكن مُمكناً منع تارانت من ارتكاب مجزرته وقتل 49 شخصاً وجرح العشرات بهذا الشكل الهمجي، فقد شغل سؤال إمكانيّة وقف الترويج لما أسماه "المانيفستو" الخاص به بعض الخبراء في مجال الإعلام.  هل كان على وسائل الإعلام مشاركة فيديو الهجوم الذي دام ربع ساعة تقريباً والـ"مانيفستو" الذي ضمّ أكثر من 70 صفحة سرد فيها القاتل قصته ودوافعه مع قرائها ومشاهديها؟ وما هي الآثار المترتّبة على الرأي العام في حال تمّ تداولهما؟

وجوده على منصات أخرى لا يُبرّر إعادة نشره

إن كان النقاش حول أخلاقيّة تداول مقطع البث الحيّ أكثر بديهيّة بالنسبة لوسائل الإعلام بحكم تكرار مواقف مُشابهة كرّست لدى شريحة واسعة من وسائل الإعلام معايير احترام كرامة الضحايا وتفادي بثّ الدماء، إلا أن البث الحيّ على وسائل التواصل في مقابل تخبّط الأخيرة في معاييرها وسرعة استجابتها للحدث ترك أسئلة كثيرة لدى العاملين في المجال. أما الأبرز والأكثر إثارة للجدل فكانت مسألة تداول "المانيفستو"، الذي قال المُعتدي نفسه إنه استلهمه من "مانيفستو" أندريس بريفيك ذات الـ1500 صفحة وأفكار أخرى. في رصيف22 طرحنا السؤال: الترويج لمانيفستو سفاح نيوزيلندا قد يكون أخطر من التسجيل الحيّ الذي قام به. هل أنت مع نشر وسائل الإعلام للمانيفستو؟
بعد فتح التصويت بأربع ساعات، كان قد شارك فيه 199 شخصاً، وأتت النتيجة على الشكل التالي: 66% أجابوا بنعم (58% نعم، لنفهم الحقيقة، 8% نعم، لنكون أكثر حساسية)، و34% (6% لا، لأن السفاح حالة نادرة، 28% لا، كي لا ينتشر المانيفستو). في حالات اعتداء سابقة، سعى الإعلام للنبش في ماضي من نفّذ الهجوم ليتكهن بدوافعه، لكن في حالة تارانت فلم تكن فقط حياته وظروفه ودوافعه كلها موضوعة سلفاً أمام من يرغب بمعرفتها، لا بل كان مطلوباً وصولها لأكبر عدد من المتابعين، تشجيعاً لمن يشاركه الأفكار أو بعضها، وترويعاً لمن يُشبه فئة المستهدَفين بالقتل.
عام 1995، أرسل كازينسكي "مانيفستو" إلى "نيويورك تايمز" يطلب منها نشره كي يوقف هجماته... يتزايد الجدل اليوم حول خطورة نشر بيانات المتطرفين، فماذا يقول الخبراء؟
لن تمنع جميع القيود الصحفية في العالم القتلة من توثيق أفعالهم وإحياء ذكراها، ولن تمنع المتطرفين من العودة إلى تلك المذكرات واستلهامها. لكن نجاح الإرهاب يُقاس إلى حدّ كبير بمداه...
  
مفهوم أن تغلب الحشريّة للتعمّق في ما دوّنه المُعتدي، ولكن "لماذا يجب أن نفكر مرتين قبل نشر المانيفستو؟" و"لماذا توفرّه على منصات أخرى لا يُبرّر لنا نشره؟"... هذان السؤالان كانا بين أسئلة عديدة مشابهة طُرحت وسط محاولات للإجابة عنها.

ما هي القيمة الخبرية المُضافة لما ننشره؟

آل تومبكنز، وهو من المتخصصين البارزين في الصحافة في معهد Poynter، يُحاجج بأن نشر بيانات الإرهابيين التي يسمونها بالمانيفستو يُعطي قوة وتأثيراً أكبر لأفكارهم، بينما لا يفعل سوى تسليط الضوء على أمور نعرفها سابقاً. من هنا ينبغي أن يكون السؤال في حالات مماثلة، كما في حالات شبيهة (صور حرق القرآن، صور الضحايا): ما هي القيمة الخبريّة المُضافة لما ننشره؟ في المقابل، يعود تومبكنز إلى قصة "Unabomber"، وهو الاسم الذي استخدمته الصحافة كما مكتب التحقيقات الفدرالي للإشارة إلى ثيودور جون "تيد" كازينسكي(1942)، الذي عُرف أيضاً باسم "مُفجّر الجامعات والطائرات". هو واحد من أسوأ المجرمين سمعة في الولايات المتحدة، وقد شغل الرأي العام لأكثر من عشرين عاماً بسبب أسلوب قتله المعتمد على الطرود البريدية المتفجرة محلية التصنيع، الذي أراد أن يثبت من خلالها "زيف الحضارة الغربية" وحقيقة أن "التكنولوجيا التي يبتكرها الإنسان هي أكبر خطر على حياته على الأرض". ما علاقة كازينسكي بالنقاش هنا؟ عام 1995، أرسل كازينسكي إلى صحيفة "نيويورك تايمز" رسالة وعد فيها بإنهاء "مشروعه" إذا تكفلت الجريدة أو جريدة "واشنطن بوست" بنشر "المانيفستو" الذي كتبه في خمس وثلاثين ألف كلمة بعنوان "المجتمع الصناعي ومستقبله"، أما في حال لم تنشر الصحيفتان ما كتبه خلال تسعين يوماً فسيستمر في عمليات القتل. حصل جدل واسع حول الأمر، لا سيّما وأن كازينسكي، الذي عُرف بذكائه الشديد وكان قد أصبح طالباً في "هارفرد" بعمر الـ15 وحصل على دكتوراه في الرياضيات بعمر الـ23، ثم أستاذاً في جامعة كاليفورنيا، كان يُحاجج "بشكل منطقي" حول "انحسار الحريات الإنسانية بفعل التقنيات العصرية". نشرت الصحيفتان "المانيفستو"، وقد اعتبر تومبكنز أن حالات استثنائية كهذه تُبرّر النشر.

أثر "الجريمة بالتقليد"

منذ أقل من شهر، كان الباحث المتخصص في شؤون التطرف ج.م. بيرجي قد نشر قراءة مطوّلة حول خطورة تداول وسائل الإعلام لـ"مانيفستو" المتطرفين. وتحدث عن مفهوم "الجريمة بالتقليد" (Copycat effect)، مُستنداً إلى نماذج عديدة كتبت بيانات أيديولوجيّة ومتعمقة لتسويغ عمليات إرهابية نفذتها أو فكرت بتنفيذها مُستلهمة بيان أندريس بريفيك. شعبية بريفيك المتزايدة وتأثيرها بين المتطرفين اليمينيين بقيت لفترة طويلة عُرضة للإهمال إلى أن بدأ المعنيون بالتركيز عليها منذ فترة غير بعيدة. حصل ذلك بعد رصد العديد من النقاشات في المنتديات المغلقة، تُظهر تأثر كثر بأفكار بريفيك وسعيهم لتقليد المانيفستو الخاص به (آخرهم كريستوفر هاسون الشهر الماضي الذي ضُبط قبل التنفيذ، آدم لازك الذي كان يكتب "مانيفستو" ويُحضر لاعتداء في الذكرى الخامسة جريمة بريفيك، إليوت رودجر، ديلان روف الذي قتل تسع أفريقيات عام 2015، وآخرون). تكرّرت في النقاشات عبارات الدعم لبريفيك وأفكاره، وإن كان هناك اعتراض على المجموعة المستهدفة، واقتراحات باستهداف مجموعات أخرى أكثر "خطراً". هكذا، انتبه المسؤولون إلى ضرورة مكافحة الدعاية الإرهابية فبدأوا بتوظيف الآلاف وإنفاق الملايين للعمل على هذا المشروع الهام، لكن البيانات الإرهابية - وهي شكل نادر من الدعاية - لا زال يُعاد نشرها من قبل المؤسسات البارزة، ومنها الموجودة في المجتمع ذاته الذي يسعى إلى مُحاربة تلك الدعاية، بحسب ما قاله بيرجي.
يقول الخبراء إن ما ندفعه من تكلفة جراء انتشار "مانيفستو" الإرهاب بالكاد قد بدأ، و"علينا كإعلام وخبراء أن نفعل ما هو أفضل عندما نواجه الاستحقاق المقبل"
من جهته، انخرط روبرت إيفانز، الصحفي والباحث الذي كتب بشكل مكثف عن الجماعات المتطرفة على الإنترنت، في الجدل، مُدافعاً بدوره عن ضرورة منع النشر. وبرأيه "وسائل الإعلام جيدة في التعامل مع مجموعات مثل القاعدة… بوجود بنية تنظيمية وقيادية واضحة"، في المقابل، "تشكل مجتمعات الإنترنت الخالية من الرصاص، مثل تلك التي شارك فيها مطلق النار في نيوزيلندا، تحدياً أكثر صعوبة".

نجاح الإرهاب يُقاس بمداه

بات واضحاً أن تغطية ظواهر التطرّف عبر الإنترنت تُمثل تحدياً عميقاً للمؤسسات الإعلاميّة. في تقرير لعام 2018، أظهر الباحثون في "Data & Society"(منظمة بحثية غير ربحية) كيف سمحت تغطية أفكار الجماعات المتداولة عبر الإنترنت في إدخال أيديولوجيتهم العنصرية إلى الخطاب السائد خارج الشبكة. لقد "ساهم الصحافيون - عبر قيامهم بعملهم المعتاد ظاهرياً - ليس فقط في ضخّ الأوكسجين وسط تلك الجماعات، بل في صبّ الزيت على نارهم المشتعلة بالفعل"، حسب إيفانز. عندما يُغادر أعضاء من اليمين المتطرف الإنترنت إلى الشارع للقيام بـ"العمل الفعلي" (كما قال المعتدي في نيوزيلندا)، يستحيل على وسائل الإعلام ألا تغطي القضية. يُصبح مقتل 49 شخصاً، في لغة الإعلام، خبراً، لكن يكمن التحدي في سرد ​​هذه القصة دون وضع عدد كبير من الأشخاص على تماس مباشر مع تلك المجتمعات المتطرفة على الإنترنت. لن تمنع جميع القيود الصحافية في العالم القتلة من توثيق أفعالهم وإحياء ذكراها، ولن تمنع المتطرفين من العودة إلى تلك المذكرات واستلهامها. لكن نجاح الإرهاب يُقاس إلى حدّ كبير بمداه. وقد أثبت الفعل الرهيب الذي ارتكبه أندرس بريفيك عام 2012، على سبيل المثال، معناه المقصود بالوصول إلى جمهور عالمي، بينما عمد كثر إلى محاولة تقليده. وإن كان ما ندفعه من تكلفة جراء انتشار "مانيفستو" الإرهاب بالكاد قد بدأ، حسب من نظّر في اتجاه منع النشر، فعلينا - والكلام هنا لبيرجي - كإعلام وخبراء أن نفعل ما هو أفضل عندما نواجه الاستحقاق المقبل.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard