هاآرتس: إسرائيل تعتقل وتحتجز وتعذّب مئات الأطفال الفلسطينيين سنويّاً

السبت 16 آذار 201904:48 م

أكدت صحيفة هاآرتس أن إسرائيل تعتقل كل عام قرابة 1000 صبي فلسطيني، بعضهم لم يبلغ 13 عاماً. ونقلت شهادات مفزعة لعدد من الأطفال الفلسطينيين الذين اعتقلتهم إسرائيل سابقاً، مشددةً على أنهم "لم يتمكنوا من تجاوز ما تعرضوا له بعد مرور السنين".

وتحت عنوان "رحلة لا تنتهي إلى الجحيم: إسرائيل تسجن مئات الصِبية الفلسطينيين سنوياً"، قالت الصحيفة الإسرائيلية في نسختها الإنجليزية، اليوم السبت، إن غالبية الصبية الفلسطينيين "احتجزوا في جوف الليل، معصوبي العينين ومقيدي الأيدي وتعرضوا لسوء المعاملة والتلاعب (التهديد) للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها".

وحرصت الصحيفة على الإشارة إلى "براءة" الصبية المعتقلين من أي سلوك عدائي لكل ما هو إسرائيلي، لافتةً إلى أن غالبيتهم كانوا يلهون أو نائمين حين اعتقلوا بطريقة وحشية.

تشير التقديرات إلى اعتقال تل أبيب 800 إلى 1000 طفل فلسطيني سنوياً، عمر بعضهم أقل من 15 عاماً، بحسب هاآرتس. وتتركز غالبية الاعتقالات من القرى الفلسطينية القريبة من المستوطنات، في حين تعتقل أعداد أقل من الفتيات ويحتجزن في جناح خاص في سجن النساء البالغات.

اعتقال وحشي واستجواب قسري

وتلفت الصحيفة إلى أن السبب الأكثر زعماً لاعتقال هؤلاء الأطفال هو "إلقاء الحجارة"، وتعتبره "لا يحكي كل شيء"، مشيرةً إلى أن محادثاتها مع العديد من هؤلاء الصبية، وكذلك مع المحامين ونشطاء حقوق الإنسان، "تكشف الكثير عن أسلوب الجنود الإسرائيليين في الاعتقال العنيف للصبية".

أشارت هاآرتس أيضاً إلى تأسيس "عدد من الإسرائيليين، الذين ثارت حفيظتهم بسبب اعتقال الأطفال الفلسطينيين"، منظمة باسم "آباء ضد احتجاز الأطفال". في هذه المنظمة الحقوقية ينشط قرابة 100 شخص عبر مواقع التواصل الاجتماعي لـ "زيادة الوعي بحجم الظاهرة وانتهاك حقوق القاصرين الفلسطينيين، والسعي لإنشاء مجموعة ضغط ستعمل من أجل وقفها".

وتبدّى للصحيفة، من شهادات الصبية الفلسطينيين، أن نصف عمليات الاعتقال تتم في منازل الفتيان، وعادةً في منتصف الليل، تاركين للعائلة وثيقة توضح المكان الذي نقل إليه وطبيعة تهمته. وتتساءل المحامية فرح بيادسة: "لماذا بالضرورة  يعتقل الأطفال بهذه الطريقة، بدلاً من استدعائهم للاستجواب". وتشير البيانات إلى أن 12 % فقط من الفتيان يتلقون استدعاء لاستجوابهم.

تضيف المحامية، التي تعمل مع منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية المعنية بحماية حقوق القصر المحتجزين: "أعرف من خلال التجربة أنه كلما طُلب من شخص الحضور للاستجواب، ذهب". 

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للصحيفة، رداً على سؤال فرح، "غالبية عمليات الاعتقال، سواء من البالغين أو القصر، تتم في الليل لأسباب عملية وبسبب الرغبة في الحفاظ على نسيج منظم من الحياة وتنفيذ نقطة إجراءات محددة كلما أمكن ذلك".

توضح الصحيفة أن 40 % من القصر يعتقلون من الأماكن العامة، لا سيما في مناطق الحوادث مثل إلقاء الحجارة على الجنود، وإن كان الطفل "غير مشارك" في عمليات إلقاء الحجارة. 

يلزم القانون الإسرائيلي الجنود بتقييد أيدي الأطفال للأمام، لكن غالباً ما تقيد أيديهم للخلف على أرض الواقع. في بعض الحالات، تكون يدا القاصر "صغيرتين للغاية بحيث لا يمكن تقييدهما"، حسب ما أخبر به جندي من لواء مشاة ناحال لمنظمة "كسر الصمت" غير الحكومية. وشرح الجندي أن وحدته اعتقلت "طفلاً (11 عاماً) ذات مرة وكانت الأصفاد أكبر من يديه".

وتشدد الصحيفة على أنه في غالبية اعتقالات الأطفال "ينقلون لمراكز الشرطة أو الجيش بإحدى المستوطنات القريبة مكبلي اليدين ومعصوبي العينين. ويتعرضون كثيراً للعنف والضرب من قبل الجنود، الأمر الذي لا يُوثق ولا يحاسبون عليه"، على حد قولها.

تضيف: "يوضعون على كرسي أو على الأرض بضع ساعات دون أي طعام". وتعتبر بيادسة أن ما يعانيه هؤلاء الأطفال ما هو إلا "رحلة لا نهاية لها إلى الجحيم"، مؤكدةً أن "آثاره السيئة تظل بعد سنوات من إطلاق سراح الصبي، إذ ينعدم شعوره بالأمن طوال حياته".      

وتستطرد بأن الصبية "يشعرون بالجوع والتعب بعد ثلاث إلى ثماني ساعات من الاعتقال، بينما يقاومون شعورهم بالخوف من التهديدات التي لا يدركون حجمها أو مصدرها، يبدأ استجوابهم". وتشير إلى أنه بعد رحلة الاعتقال غير القانونية يتعرض المراهقون الفلسطينيون لـ "وابل من الأسئلة والتهديدات التي تهدف لإجبارهم على توقيع اعتراف". وأوضحت أنه "في بعض الحالات، وعد الطفل بأنه سيمنح طعاماً لدى توقيعه الاعتراف".

ومن بين التهديدات التي تعرض لها من المحققين الإسرائيليين: "ستقضي حياتك كلها في السجن"، "سأحضر أمك إلى هنا وأقتلها أمام عينيك"، و"إذا لم تعترف، فسوف نأخذ تصريح والدك للعمل في إسرائيل، بسببك، سوف يكون عاطلاً عن العمل وستتعرّض العائلة بأكملها للجوع". وسواء وقع المحتجز الشاب على اعتراف أم لا، يودع بالسجن. 

وتؤكد الصحيفة أن "قاعة المحكمة غالباً ما تشهد أول لقاء بين الوالدين وطفلهما المعتقل"، وأن "الدموع غالباً ما تسيطر على هذا اللقاء". كما لا يسمح حراس مصلحة السجون الإسرائيلية للوالدين بالاتصال بأبنائهم.

محاكمة "الصفقة"

تنتهي الغالبية العظمى من المحاكمات الخاصة بالأحداث (القُصر) بـ "صفقة الإقرار"، بحسب هاآرتس التي تقول إن: "هذه كلمة يعرفها الأطفال الفلسطينيون جيداً... حتى لو لم يكن هناك دليل قوي على تورط الصبي في إلقاء الحجارة، فإن هذا الإقرار هو الخيار المفضل. وإذا لم يوافق الطفل المحتجز على "الصفقة"، فقد تستمر محاكمته لفترة طويلة ويبقى محتجزاً حتى انتهاء الإجراءات".

وتنقل الصحيفة عن جيرارد هورتون، المحامي فيBritish-Palestinian Military Court Watch، أن الإدانات "تعتمد بشكل كلي تقريباً على الاعتراف. وبمراقبة معاملة الأطفال في الاعتقال العسكري الإسرائيلي نجد القُصر أكثر عرضة للاعتراف إذا لم يعرفوا حقوقهم، فغالباً ما يكونون خائفين ولا يحصلون على أي دعم أو إغاثة"، مردفاً "يتم تهديدهم حتى ييأسوا ويعترفوا".

ورد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على ذلك، بالقول: "يحق للقاصرين أن يمثلهم محام، مثل أي متهم آخر. ولهم الحق في الدفاع عن أنفسهم بأي طريقة يختارونها. في بعض الأحيان يختارون الاعتراف بالذنب في إطار صفقة الإقرار بالذنب. حتى بعد الاعتراف  يتم الاستماع إلى الأدلة".

ويعتبر هورتون أن "دخول القرية في الليل والقبض على الأطفال، بغض النظر عن ضلوعهم في إلقاء الحجارة من عدمه، يصيب القرية الفلسطينية كاملةً بالخوف"، معتبراً أن تلك هي "أداة إسرائيل الفعالة" لإدارة المجتمع.

ويردف: "مع اعتقال الكثير من القاصرين، ومعرفة أطفال آخرين يولدون بعدهم بما حدث لهم أو يتعرضون لنفس الشيء، فسيشعر كل جيل بالذراع القوية للجيش الإسرائيلي".

شهادات مروعة من "الجحيم"

اعتقل خالد محمود في أكتوبر 2017، وكان عمره 14 عاماً فقط، ويوضح في شهادته: "قبض عليّ وعلى جميع أطفال العائلة ليلاً. قالوا إني أحرقت الإطارات، لكن ذلك حدث وأنا نائم. توسلت والدتي إليهم ليسمحوا لي بارتداء سترة، لكنهم لم يوافقوا". 

"أخذوني مغطى العينين، ألقوا بي في حفرة في طريقي إلى مركز الشرطة (عتصيون)، ثم وضعوني في غرفة واستمر الجنود في ركلي كلما مروا بجانبي. قال أحدهم سأقضي بقية حياتي بالسجن إذا لم أعترف".

وأردف: "بعد استجواب طويل أرسلوني للسجن وبقيت هناك ستة أشهر. قيل لصديق لي، أثناء استجوابه، إنه إذا لم يشهد ضدي فسيحضرون والدته ويطلقون النار عليها أمام عينيه. لذلك اعترف ولم أغضب، منه فقد كان خائفاً".

وتلفت الصحيفة إلى أن محمود "وبعد التفتيش الجسدي الشامل، أجبر على الوقوف عارياً 10 دقائق مع صبي آخر رغم برد الشتاء"، واحتجز عدة أشهر في انتظار المحاكمة، ومنع- كما هو الحال مع غالبية الأطفال المحتجزين- من التحدث مع عائلاتهم طوال شهور.

أما خالد شتيوي، الذي اعتقل في نوفمبر 2018، فيروي والده أنه اعتقل عندما كان 13 عاماً. ويسرد "قاموا بتقييد يديه وتغطية عينيه وقادوه شرقاً سيراً على القدمين، تعرض للشتم والضرب طوال الوقت، رأيت ذلك من النافذة".

يتابع: "بقي هكذا منذ اللحظة التي قبضوا عليه فيها حتى الساعة 3 مساءً في اليوم التالي" مستطرداً "هذا الأمر لا يفارقني ولا أستطيع التعايش معه. لا أعرف كيف هو شعوره، لم يتحدث عن الأمر منذ خرج قبل ثلاثة أشهر".

ويقول الأب إنه يعكف حالياً على تنظيم "يوم علم النفس" في القرية، لمساعدة جميع الأطفال الذين تم اعتقالهم هنا. ويشدد على أن "من بين 4500 شخص في القرية ، جرى اعتقال 11 طفلاً تقل أعمارهم عن 18 عاماً، خمسة منهم كانوا دون سن 15 عاماً".

تحدثت هاآرتس أيضاً مع عمر أبو عياش، الذي اعتقل في العاشرة من عمره في ديسمبر 2018. وتصفه بأنه "يبدو صغيراً بالنسبة لعمره، فهو خجول وهادئ، ومن الصعب التحدث معه حول الاعتقال، لذا يروي أفراد عائلته أحداث اعتقاله".

تقول والدة عمر: "اعتقل صباح يوم جمعة عندما كان يلعب أمام المنزل. ألقى بالحصى على الطيور التي كانت تغرد في الشجرة. فالتقطه الجنود بأحد أبراج  المراقبة، ركض، لكنهم قبضوا عليه. بدأ بالبكاء  وبلل بنطاله من الخوف. استمروا في ركله رغم كل شيء". 

في هذه الأثناء، قال والده " طلب منه الجنود أن يبلغهم إذا رأى أطفالاً آخرين يلقون الحجارة على جنود إسرائيليين. احتجزوه 12 ساعة ولم يطعموه سوى بعض الموز. الآن ، كلما رأى الأطفال سيارة عسكرية أو جنود، يهرعون إلى الداخل. كما توقفوا عن اللعب في الخارج منذ ذلك الحين".

اعتقل أدهم حسون في عيد ميلاده الخامس عشر، في أكتوبر 2018، أثناء تبضعه من المتجر، رغم تأكيده أنه لم يلقِ الحجارة على الجنود. تعرض أيضاً للضرب وحرم من الطعم واضطر في النهاية إلى القبول بـ"الصفقة". 

ويوضح: "تمثلت الصفقة في أن اعترف، فتقضي المحكمة بسجني بضعة أشهر وأخرج بموجب السلوك الجيد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard