أجانب مُنعوا من دخول لبنان بسبب مؤتمر... انتقام دينيّ - اجتماعي بغطاء أمني؟

الجمعة 15 مارس 201905:58 م
في 29 سبتمبر الماضي، كانت قد مرّت ثلاثة أيام على وصول أكثر من 80 مشارك ومشاركة بينهم نشطاء وعاملون وعاملات في مجال الأكاديميا والصحافة لحضور "ندوى 2018" بدعوة من "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" (AFE) في بيروت. هؤلاء قدِموا من أكثر من 12 دولة لحضور ورشات عمل المؤتمر المُمتدّ لـ4 أيام، والذي كان يتناول في دورته السادسة قضايا مثل حقوق الإنسان، المناصرة، بناء الحركات، الصحة والفنون… في وقت متأخر من اليوم الثالث للمؤتمر، وصل عناصر من الأمن العام اللبناني (المُشرِف على دخول الأجانب إلى البلاد وخروجهم منها) إلى الفندق المُضيف للمؤتمر. وبعد استجواب مدير المؤسسة جورج قزي، أتته التعليمات بإلغاء المؤتمر وتوقيع تعهد بوقف أي نشاط ذات صلة. رفض قزي حينها التوقيع، فما كان من العناصر إلا أن أمروا الفندق بإنهاء المؤتمر.   في يومه الرابع والأخير، انتقل المؤتمر إلى فندق آخر، مُثيراً الجدل حول ما بثّه حضور الأمن من ذعر بين المشاركين ومن مخاوف حول تحوّل هذا الإجراء إلى سياسة ممنهجة تُواجه كل نشاط يهتم بمسائل الجندر والجنسانيّة، التي تُعنى المؤسسة بها بشكل أساسي. أبرز ما رافق إجراء الأمن العام حينها كان الحديث عن ضلوع "هيئة العلماء المسلمين" في التضييق على النشاط ونشاطات مماثلة، في انتهاك واضح للعديد من حقوق الإنسان كحق التجمع وحرية التعبير… إذ نشرت الهيئة تزامناً منشوراً على "فيسبوك" تدعو فيه لإيقاف المؤتمر واعتقال منظميه، بناء على التهمة الجاهزة سلفاً: "التشجيع على الشذوذ الجنسي". بعد مرور أكثر من أربعة أشهر، لا يبدو أن القضيّة قد انتهت هنا. جديدها، تكرار حالات منع من شاركوا في المؤتمر من دخول لبنان، حتى لو كانت عودتهم إلى البلاد غير مرتبطة بأي نشاط شبيه أو له علاقة بـ"المؤسسة العربية للحريات والمساواة".

منع دخول بالجملة

يوم أمس، نشر مدير "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" على حسابه في "تويتر" ما يلي:
من شارك في المؤتمر، بغض النظر عن جنسيته، هويته الجندريّة، نشاطه المهنيّ… يبدو أنه ممنوع من دخول لبنان. توضح مديرة المركز الإعلامي في المؤسسة ميرا عبد الله، في حديث لرصيف 22، أن عناصر الأمن العام حين حضروا إلى الفندق طلبوا جوازات سفر المشاركين جميعاً وسجّلوا أسماءهم. اكتشفنا لاحقاً قضية منع الدخول، حين قدم شخصان إلى لبنان (كانا في "ندوى 2018") للمشاركة في اجتماع، ومُنعا من الدخول.
بعد مرور أشهر على منع المؤتمر، لا يبدو أن القضيّة قد انتهت هنا. جديدها، منع من شاركوا فيه من دخول لبنان، حتى لو كانت عودتهم إلى البلاد غير مرتبطة بأي نشاط له علاقة بـ"المؤسسة العربية للحريات والمساواة"
عند سؤاله عن الخطوات التي تُحضّرها المؤسسة رداً على إجراءات الأمن العام، تحدث قزي عن شكوى رُفعت إلى مسؤولين في الأمم المتحدة، بموازاة التواصل مع السلطات اللبنانية ومع نواب لم يبدوا أي حماس للحديث علناً
قد يأتي منع شخصين من الدخول إلى لبنان في إطار المصادفة، لكن عبد الله تؤكد أن عراقيّة وصلت للمشاركة في نشاط في لبنان لا علاقة له بالمؤسسة مُنعت من الدخول أيضاً، وكذلك باحثة كنديّة كانت مشاركة في المؤتمر وأرادت العودة إلى لبنان منذ حوالي الأسبوعين لمُتابعة أبحاثها حول قضايا الجندر… وكان بانتظارها منع دخول. تتابع عبدالله لتقول إن شاباً أردنياً كذلك، أراد دخول لبنان منذ أيام قليلة ولم ينجح بدوره. ما يجمع هؤلاء الستة الذين قصدوا لبنان آتين من مصر وتونس والعراق والأردن وكندا كان مشاركتهم في المؤتمر، بينما سمعوا من الأمن العام أن منع الدخول مفتوح من دون أن يُقدّم لهم سبباً واضحاً يُبرّره.   حاولت المؤسسة التواصل مع الأمن بعدة طرق، وبشكل أساسي عبر "هيومن رايتس ووتش" التي تربطها معها علاقة شراكة، من دون الوصول إلى تفسير واضح لهذا المنع. يقول قزي لرصيف22: "واضح أن الأمر ليس بقرار من محكمة، بل هو اجتهاد من أفراد في مؤسسة عسكرية قرروا، ومن دون أي تواصل معنا، تنفيذ المنع، مُتّكلين على بيان هيئة العلماء المسلمين الذي أقحم (الشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات) في معرض التهويل". وبينما يؤكد قزي على لاقانونيّة الإجراء، يُعبّر عن أسفه لعرقلة أمور أشخاص لديهم أعمال وارتباطات في لبنان، فضلاً عن خسارة المردود الذي يعود به تنظيم مؤتمرات عدة سنوياً واستضافة وفود في الفنادق اللبنانيّة. يلفت قزي إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتحرّك فيها الأمن العام تماهياً مع توجهات هيئة العلماء المسلمين، مُستبعداً أي تدخّل من قبل وزارة الداخليّة التي تُفضّل عدم الاصطدام بالأخيرة لاعتبارات سياسيّة واجتماعيّة.

ماذا بعد؟

عند سؤاله عن الخطوات التي تُحضّرها المؤسسة رداً على إجراءات الأمن العام، تحدث قزي عن شكوى رُفعت بالتعاون مع "هيومن رايتس ووتش" إلى مسؤولين في الأمم المتحدة، بموازاة التواصل مع السلطات اللبنانية ومع نواب في البرلمان لم يبدوا أي حماس لطرح الموضوع علناً. وكانت "هيومن رايتس ووتش" قد حذّرت الشهر الماضي من تدخل قوات الأمن اللبنانيّة في أنشطة حقوقية متعلقة بالجندر والجنسانية في انتهاك واضح للحماية الدولية لحقوق الإنسان. ولفتت المنظمة الدولية إلى أن الشكوى  قُدِّمت إلى المقررَين الخاصين المعنيَّين بكل من الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات وحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، وإلى خبير الأمم المتحدة المستقل المعني بالحماية ضد "العنف والتمييز على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية" (التوجه الجنسي والهوية الجندرية).

المزاعم "الأخلاقيّة" واستثناء "الآداب العامة"

في 25 أكتوبر الماضي، وجّهت "هيومن رايتس ووتش" رسالة إلى مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، عبّرت فيها عن المخاوف من تدخل الأمن العام، طالبة توضيحات حول موقفه من قانونية النشاطات الثقافية أو المناصرة في لبنان التي تتناول قضايا الجنسانية والجندر. بعد شهر، أتى رد إبراهيم في رسالة تُبرّر الوضع بما يُسمى استثناء "الآداب العامة" الوارد في المادة 21 من "العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والسياسية" حول الحق بالتجمع السلمي. وزعم ابراهيم أن النشاط يجب أن يكون "مؤتلفاً ومتوافقاً مع المنظومة القيميّة للمجتمع المعني"، وأن "الموضوع الذي كان يتناوله المؤتمر... لا يزال إشكالياً داخل حدود البيئة الثقافية اللبنانية".
هي ديناميكيّة معقّدة تطبع العلاقة بين هيئة العلماء المسلمين وبين السلطتين الأمنيّة والسياسيّة تُظهر أن التضييق والتهويل، تحديداً في أمور الجندر والجنسانيّة، قد تحوّلا إلى نمط
وحاول اللواء إبراهيم تبرير تدخل الأمن العام في مؤتمر "ندوى" بأن الراعي لم يقم بـ"تنظيم ورقة بيان"، مستشهداً بقانون "الاجتماعات العمومية" اللبناني لسنة 1911. غير أن التوجيه الدولي، وبحسب "هيومن رايتس ووتش"، حول حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ينص على أنه حتى في حال كان من المفترض إشعار السلطات مسبقاً بالنشاط، فإنه ليس هناك حاجة إلى إذن للتجمع السلمي في مجتمع ديمقراطي. بالعودة إلى هيئة العلماء المسلمين، فكانت قد قدّمت كذلك شكوى رسميّة ضدّ برنامج "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" للحماية من فيروس نقص المناعة المكتسب، مدعية أنه يشجع على الفجور. واستجابة للشكوى، استدعت قوى الأمن الداخلي مدير المؤسسة جورج قزي إلى التحقيق في ديسمبر الماضي. قبل ذلك، ظهرت هيئة العلماء في مناسبات مختلفة مع احتجاز قوى الأمن الداخلي أحد الناشطين والضغط لإلغاء النشاطات المتعلقة بـ "بيروت برايد" في مايو الماضي، ومن بينها أمسية شعرية، أمسية غنائية،  نقاش حول الصحة والإيدز، وورشة عمل حقوقية… مع كل حدث من هذا النوع، يظهر ميل لدى الجهات المعنيّة لتصويره كشأن خاص (مقارنة بدول أخرى)، والتأكيد على أن "لبنان يحترم حقوق الإنسان"، ولكن... ما تزعمه الهيئة من "تضافر النيات الحسنة والعقول النيرة والجهود الخيرة" في كل مرة تُنصّب نفسها فيها "سلطة أخلاقيّة"، يُظهر أن الأمر أبعد ما يكون عن النوايا الحسنة والجهود الخيّرة. هي ديناميكيّة معقّدة تطبع العلاقة بين هيئة العلماء المسلمين وبين السلطتين الأمنيّة والسياسيّة تُظهر أن التضييق والتهويل، تحديداً في أمور الجندر والجنسانيّة، قد تحوّلا إلى نمط.   
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard