كيف تكشف أفلام وحيد حامد عن كواليس السياسة في مصر؟

الجمعة 15 مارس 201902:57 م

"أنا موظف مزلقان غلبان لو حصل أي مصيبة هشلها أنا، أنا من الشعب يا ست هانم أنا مش منكم"، هكذا لخص السيناريست وحيد حامد حوادث القطارات في مصر، بعبارات موجزة أوضح ما ستؤول إليه الأمور، في النهاية سيُحاسب الموظفون الصغار ويُترك المسؤولون الكبار، حدث ذلك في جميع الحوادث السابقة، لذلك كانت تلك الجملة التي كتبها وحيد حامد في فيلمه "المنسي" بطولة عادل إمام الأكثر انتشارًا بعد كارثة محطة مصر الأخيرة نتيجة اصطدام جرار 2302، بجدار خرساني لرصيف رقم 6، أدى لحريق هائل نتج عنه سقوط عدد من الوفيات والمصابين بحسب بيان وزارة النقل المصرية.

ورغم أن الفيلم من إنتاج 1993، فإن الأمور لم تتغير، فبعد كارثة محطة مصر قضت الإجراءات بإحالة عدد من الموظفين إلى التحقيق. أما الدكتور هشام عرفات وزير النقل فقد قدم استقالته التي قُبلت مع جواب شكر من مجلس الوزراء دون أي تحقيق معه بشأن ما حدث في أهم محطة في مصر.

عبّر المصريون عن غضبهم من حادثة محطة مصر أيضًا بجمل كتبها وحيد حامد في فيلمه "الإرهاب والكباب" الذي قام ببطولته عادل إمام، عن الغلاء والسكوت مقابل حياة كريمة بدون إهانة أو موت، تلك الحالة التي لخصها بطل الفيلم بقوله: "أنا طول عمري بسمع كلام الحكومة، الحكومة دي، واللي قبليها، واللي قبليها، والحكومة الجاية كمان هسمع كلامها، أصل افرض مسمعتش كلام الحكومة هيحصل إيه؟ ولا حاجة، هشرب من البحر، بروح شغلي محشور وبرجع منه محشور، بركب الأتوبيس ببقى فرحان بقول سبحان الذي سخر لنا هذا، الأسعار نار؟ وماله ما العالم كله مولع نار، معنديش عيال كتير بسمع كلام الحكومة في تنظيم الأسرة، معنديش غير ولد وبنت والحمدلله كويسين متفوقين، أينعم الفصل فيه 84 تلميذ والعيال بيجوا مفرهدين من المدرسة مدروخين وشهم أصفر من الكتمة والهوا الفاسد الموجود في الفصل، لكن الحمدلله كويسين، أنا زيي زيكم بالظبط، ماشي جنب الحيط، راضي وقانع، أنا مش طالب غير إنسانيتي، مش عايز أتهان، مش عايز أتهان في البيت، ولا في شغلي، ولا في الشارع، متهيألي دي مطالب لايمكن اتعاقب عليها، ولا أوبَّخ ولا أُلام".

لكن هل تلك هي الأزمة الوحيدة التي استشهد البعض بأقوال وحيد حامد بشأن ما يحدث في مصر؟ الجواب لا، فمنذ ما يقرب من شهر وأثناء أزمة المخرج وعضو البرلمان المصري خالد يوسف بتسريب مقاطع جنسية منسوبة له مع عدد من الفنانات، بحث المصريون أيضًا عن وحيد حامد ووجدوا ضالتهم في فيلم "كشف المستور" بطولة نبيلة عبيد وفاروق الفيشاوي ويوسف شعبان، ويتطرق الفيلم للعبة التسريبات وكيف يتم استخدامها مع الخصوم السياسيين، وذلك على لسان يوسف شعبان بقوله: "كلنا لينا تسجيلات بس بتظهر في وقت معين محدش فينا من غير أخطاء".

المثير أن ما كتبه وحيد حامد من 25 عامًا، أكده المخرج خالد يوسف في لقاء له مع قناة الحرة حين أوضح أنه فقد هاتفه منذ مدة وتم إبلاغ الأجهزة المختصة بذلك، وأن تسريب مقاطع منسوبة له في هذا الوقت يعود لموقفه من رفض التعديلات الدستورية المزمع إجراؤها في مصر والتي بموجبها ستمنح للرئيس السيسي البقاء في السلطة مدة أطول.

التفتيش عن وحيد حامد في كل أزمة سياسية أو كارثة، لم يكن من فراغ، فالسيناريست المصري المولود في أربعينيات القرن الماضي وله أكثر من 60 عملاً فنياً، اختار من البداية طريق الغوص في القضايا والأزمات الاجتماعية وكيفية حلها وتفكير المسؤولين فيها ثم تطوّر إلى المناطق الشائكة في السياسة، ولأن مشاكل مصر لم تتغير تقريبًا، وللأسف طرق علاجها لم تتغير أيضًا، ظلت "إكليشاته" هي المعبرة عن كل ما يحدث حتى الآن، موجزة، وتلخص ما يدور في الكواليس.

أسباب أخرى دفعت بوحيد حامد إلى أن يكون من أهم كتاب السيناريو في العالم العربي، وحصده لأكثر من جائزة عربية وعالمية، أبرزها تعاونه مع نجم بحجم عادل إمام الذي في أفلام عديدة، وكان لوجود عادل إمام وعلاقته دور كبير في السماح بعرض ما يكتبه حامد، ولو تكرر الأمر مع غيره لكان رفض العرض هو المصير المحتوم، أما السبب الثاني  فتعاونه مع نجوم ذوي وزن ثقيل أيضًا مثل أحمد زكي ونبيلة عبيد، ومع وجود هؤلاء النجوم استطاع وحيد حامد أن يحقق المعادلة الجماهيرية مع القيمة الفنية، ومع كثرة أعماله انفرد بمكانته كرائد في فن السيناريو.

"أنا موظف مزلقان غلبان لو حصل أي مصيبة هشلها أنا، أنا من الشعب يا ست هانم أنا مش منكم"، هكذا لخص السيناريست وحيد حامد حوادث القطارات في مصر، في النهاية سيُحاسب الموظفون الصغار ويُترك المسؤولون الكبار.
المثير أن ما كتبه وحيد حامد من 25 عامًا، أكده المخرج خالد يوسف حين أوضح أنه فقد هاتفه منذ مدة وتم إبلاغ الأجهزة المختصة بذلك، وأن تسريب مقاطع منسوبة له في هذا الوقت يعود لموقفه من رفض التعديلات الدستورية.
مع عزل محمد مرسي، وعادت جماعة الإخوان للسجون التي سكنها قبلهم قيادات الحزب الوطني، كان مشهد آخر وجيز حين قال رياض خولي ممثل الإخوان في الفيلم  لعادل إمام: "أنا خارج خارج"، وكان يقصد من السجن فيرد عادل إمام ممثل الحزب الحاكم: "وأنا خارج قبلك".

ولكن متى بدأ هذا الاكتشاف؟ ربما تكون البداية جاءت قبل أن تصبح ثيمة ثابتة، فمع وصول حكم الإخوان لمصر في 2012، كانت بداية استعادة إكليشيهات وحيد حامد من خلال فيلم "طيور الظلام" الذي ناقش فيه علاقة الحزب الوطني بجماعة الإخوان وكيف أن الأثنين لا يفصلهما شيء؛ حزب حاكم يتاجر بالوطن وجماعة تتاجر بالدين، وفي مشهد لخص العلاقة بين التيارين، قال عادل إمام، ممثل الحزب الحاكم في الفيلم لرياض الخولي ممثل الجماعة: "إنت عايش في أمان بسببي"، ليرد رياض الخولي: "وإنت عايش في نعيم بسببي".

وحين تم عزل محمد مرسي، وعادت جماعة الإخوان للسجون التي سكنها قبلهم قيادات الحزب الوطني، كان مشهد آخر وجيز حين قال رياض خولي ممثل الإخوان في الفيلم  لعادل إمام: "أنا خارج خارج"، وكان يقصد من السجن فيرد عادل إمام ممثل الحزب الحاكم: "وأنا خارج قبلك".

ومن "طيور الظلام" ومع أزمة محاصرة النشطاء السياسيين وحبس الكثيرين منهم دون تهم واضحة بعد 2013، تمت استعادة فيلم "البريء" الذي ناقش كيف يجري استغلال الجهل في ضرب أي تيار معارض من خلال شخصية الجندي سبع الليل الذي أقنعوه أن كل من يعارض الرئيس يعمل ضد مصلحة الوطن، ويُلخص وحيد حامد حالة الجندي حين يسأل معتقلًا: "هما بيعملوا فيكوا كده ليه؟"، فكان رده: "علشان إحنا اللي فهمنا يا سبع الليل"، والجملة الأخيرة باتت هي المعبّر الأساسي عن كل ما حدث في عامي 2013و2014.

وحتى في أزمة التعديلات الدستورية في مصر، والتي سُتبقي الرئيس السيسي في السلطة مدة أخرى، ومع سؤال الكثيرين: "وإيه لازمة التعديلات الدستورية؟ ما يفضل وخلاص!"،  كان وحيد حامد حاضرًا من خلال إكليشيه من فيلم "طيور الظلام"، يقول فيه: "وإحنا ناس لازم الباطل بتاعنا يبقى قانون".

كان أيضًا لصفحات مواقع التواصل الاجتماعي المهتمة بفن السيناريو دور كبير في ذلك، ففي كل أزمة يبحث القائمون على تلك الصفحات عن كليشيهات تعبّر عما يحدث وفيما يتعلق بمشاكل البلاد يكون النصيب الأكبر لوحيد حامد، ولعل أبرز تلك الصفحات هي "فن الحوار في السينما والدراما" التي يتابعها 800 ألف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard