في ظلّ الواقع المأسويّ: ضرورة الإضاءة على محاولات تحرريّة وإنْ كانت خجولة

الجمعة 15 مارس 201912:21 م
 رغم زحمة الأخبار السيئة التي تنهال علينا من كل صوب، فإن بعض بذور الوعي والتغيير، ولو كانت قليلة، قد بدأت تزهر وتبشر بأن عجلة التغيير قد اتخذت مسارها وبدأت تتحرك ببطء. في الأيام الأخيرة، ومن داخل دولة المغرب، كان هنالك جدل حاد حول إيجاد حلول لزواج المغربيات من غير المسلمين، والذي يعتبر باطلًا ويجب فسخه عبر القضاء أو بالتراضي، إذ تعاني المغربيات كباقي النساء المسلمات اللواتي يسكنَّ في أوروبا من استحالة تسجيل الزواج في سفارات بلادهن، لذلك يلجأن إلى الزواج المدني، ويعانين من صعوبة تسجيل الأطفال في حال حدث طلاق، ويجب عليهن البقاء في البلاد التي تم فيها تسجيل الزواج والأولاد حتى لو رغبن في العودة إلى بلادهن. يناقش محامون وناشطون مغاربة حلولًا لإنصاف هؤلاء المغربيات وإسقاط شرط إعلان الزوج إسلامه قبل الزواج، كخطوة لتمكين النساء وتقليل التعقيدات التي يواجهنها.
في العراق أيضاً، قامت خلال السنوات الماضية عشائر في الفرات الأوسط بإلغاء أعراف متأصلة كالأخذ بالثأر والنهوة (والنهوة عادة قبلية تمكّن ابن عم أي فتاة أو أحد أقاربها الذكور بنهيها عن الزواج من شخص غريب لتتزوج أحد أقاربها)، وقد وصلت عدة حالات إلى قتل العريس إذا لم يترك الفتاة بنفسه، طبعاً النهوة ليست فقط لإجبار الفتاة على الزواج من أحد أقاربها، بل أحياناً كنوع من البلطجة والتنمر، إذ يمكن أن يرغب أحد بتحصيل مبلغ مالي من العريس بحجة النهوة. واليوم في النجف، اجتمع شيوخ القبائل واتفقوا على إلغاء بعض هذه العادات والأعراف القبلية المتأصلة، كإطلاق النار وتقديم الموائد في المناسبات، وقاموا بتوقيع وثيقة عهد مطالبين باقي المحافظات العراقية بالالتزام بها.
في لبنان أيضاً، الشيخ حسين الحسيني الذي يسبح عكس التيار الديني المحافظ الذي يؤطر المجتمعات العربية، والذي يثير جدلاً  بسبب آرائه الصادمة بالنسبة للبعض؛ يعزف على 9 آلات موسيقية، وهو درس الفلسفة والعلوم الدينية، يحب الشِعر ويحترم الأنثى، يعاني من عدم قبول بعض الشيوخ المتعصبين له، لأنه من خلال تحضره يبرز تخلفهم. يصف الشيخ الحسيني المجتمع العربي بالمخنوق والمضطهد والمثقل بالتابوهات، يعترف بحق الملحدين في توجهاتهم، وحق الرجال والنساء بالمساكنة. هذا الشيخ يتم تهميشه ومحاربته، تماماً كما يتم الإجماع ضد أغلب الأصوات الفردية التي تحاول التجديد والسير قدماً نحو الحضارة، بحجة أنه كافر.
مثل هذه الخطوات التي اتخذتها جمعيات مغربية وقبائل العراق أو الشيخ الحسيني، مهمة جداً، لأنها  تحاول الخروج عن مقدسات عالمنا العربي الذي اعتاد أهله البحث في الماضي عن حلول للمشاكل المعاصرة، والعودة إلى حلول شرعية أو عادات قبلية لا تناسب الوقت المعاصر الذي نعيش فيه، ولأن الديكتاتوريات (المباركة من قبل الغرب) التي تتعاقب على دولنا تحاول تحصين هذا التخلف والحفاظ قدر الإمكان على التعصب الديني والقبلي، لأنه وسيلة فعالة جداً للسيطرة على المجتمع من خلال التحكم بالشيوخ وزعماء القبائل.
قام الدكتور والباحث الأمازيغي، أحمد عصيد، بتفنيد بعض الأسباب التي وصلت بنا إلى ما نحن عليه اليوم، مستنداً إلى زعماء الإصلاح السابقين أمثال الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي والأفغاني، وذكر أن الأطماع الاستعمارية والإمبريالية في مقدمة هذه الأسباب، بالإضافة إلى سلسلة الانهزامات العسكرية التي ابتلى بها العرب؛ مثل صدمة الحداثة، وعيشنا في دول مزدوجة فيها مؤسسات حديثة مأخوذة عن الاستعمار والغرب، كالمحاكم والبرلمانات والإنتخابات الرئاسية، لكنها مثقلة بميراث الماضي والفساد والرشوة وعدم تحديث هياكل الدولة والجيش وقمع أي حركة تحررية والتخلي عن العقل والعلم، مضيفاً أن نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمي في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط لا تتجاوز 0,1 بالمئة من ميزانية الدول، ويتم الاكتفاء غالباً بضخ الأموال على الكتب والأبحاث التي تتحدث عن الإعجاز العلمي في الكتب السماوية، أو الدراسات التاريخية والسياسية والعسكرية المفبركة والموجهة لأسباب تتعلق بالحشد والسيطرة.
في المغرب، كان هنالك جدل حاد حول إيجاد حلول لزواج المغربيات من غير المسلمين، والذي يعتبر باطلًا ويجب فسخه عبر القضاء أو بالتراضي، إذ تعاني المغربيات كباقي النساء المسلمات اللواتي يسكنَّ في أوروبا من استحالة تسجيل الزواج في سفارات بلادهن.
في النجف، اجتمع شيوخ القبائل واتفقوا على إلغاء بعض هذه العادات والأعراف القبلية المتأصلة مثل النهوة وإطلاق النار وتقديم الموائد في المناسبات، وقاموا بتوقيع وثيقة عهد مطالبين باقي المحافظات العراقية بالالتزام بها.
يصف الشيخ الحسيني المجتمع العربي بالمخنوق والمضطهد والمثقل بالتابوهات، يعترف بحق الملحدين في توجهاتهم، وحق الرجال والنساء بالمساكنة. هذا الشيخ يتم تهميشه ومحاربته.
في الوقت التي تزداد بلادنا خصوبة وتعطشاً للانفلات من قيود أنهكتها، وأثقلت أهلها، تترنح مجتمعاتنا كالسكارى من ثقل قيود دينية وأمنية واجتماعية وعائلية، تعوق الناس والحياة، والتمسك بها ليس من مصلحة أحد.
ربما أمام هذا الواقع الفظيع الذي تعيشه بلداننا بعد انتكاسة ثوراتها، لا سبيل لنا إلا أن نعترف بأن هناك أموراً يجب علينا تحسينها أو تغييرها وأحياناً اجتثاثها من أساسها، وأن نستمر بالإضاءة على كل تجربة تحررية مهما كانت بسيطة، خاصة إذا جاءت من داخل أكثر المواضيع دقة وتعقيداً مثل الدين، والقبائل، والعادات والتقاليد.
في الوقت التي تزداد بلادنا خصوبة وتعطشاً للانفلات من قيود أنهكتها، وأثقلت أهلها، تترنح مجتمعاتنا كالسكارى من ثقل قيود دينية وأمنية واجتماعية وعائلية، تعوق الناس والحياة، والتمسك بها ليس من مصلحة أحد، وبالتأكيد لا أحد يرغب في أن يبقى الناس يتظاهرون أنهم بخير وأن الأمور جيدة، وفي القاع ينغل الفساد في مجتمعاتنا كالسوس. نحن بحاجة إلى التضامن والانحياز الأخلاقي نحو القضايا العادلة مهما كانت بعيدة عن تهديد استقرارنا كأفراد، وإلى تضامن المرأة مع المرأة (حتى لو كانت المرأة الأخرى أجمل منها أو أكثر نجاحاً)، وتضامن الشعوب بعضها مع بعض، وتضامن الأمهات، وتضامن الإنسان مع الإنسان إلى أن يتوقف القتل والتعذيب وتجني ثوراتنا المتعثرة ثمارها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard